الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

محنة خنساء فلسطين ..

1777 0 450

في الوقت الذي كانت فيه "كفاية أبو صلاح "تستقبل المهنئين باستشهاد شقيقيها "هلال وبلال "في منزل أسرتها في يعبد ، جاءها نبأ استشهاد زوجها" هاني" الذي تركها وحيدة مع وحيدها" عبد الله "، الذي رزقا به بعد عشر سنوات من الانتظار .

"خنساء فلسطين "التي كانت تكفكف دموع الحزن



والغضب على فراق شقيقيها لم تكن تعلم أن الرصاص يترصد زوجها ، فيحرم "عبد الله "من حنان الأب وحضنه للأبد ، ولكن ورغم ذلك كله فإنها رفضت أن يوارى جثمان زوجها الثرى قبل أن يعانقه "عبد الله" ، وفي لحظات بكت فيها قلوب وذرفت عيون وقفت "خنساء فلسطين "بشموخ وإباء ، وتحد وإرادة لتقاوم جراحها وحزنها ، ولتحمل صغيرها "عبد الله" الذي رسم قبلة بريئة على رأس والده ، ثم ضمته لصدرها وقالت : " مبروك عليك الشهادة يا هاني ، قدمتك وقدمت شقيقي فداء للأقصى ، ولن أبخل بنفسي ووحيدي عبد الله من أجل فلسطين ، الله يرضى عليك ويرحمك يا هاني " ومضى هاني محمولاً على الأكتاف ليعانق أحبابه وأعز أصدقائه "بلال وهلال" .

تقول "خنساء فلسطين "لجريدة " الاتحاد " الإماراتية ، وهي تضم صغيرها لصدرها " : منذ انتفاضة الأقصى شعرت بتغير كبير في حياة هاني ، توقف عن العمل ، وبدأ يخرج منذ الصباح ، ويعود في ساعة متأخرة ، وكنت أعرف أنه كان يذهب للمسيرات والمواجهات ، لقد وهب حياته من أجل القدس ، وعندما كنت أقول له : انظر "عبد الله" صغير ، وإذا حدث معك شيء فمن سيربيه ، فكان يغضب ويقول لي الوطن أغلى من الروح والجسد والبشر " وتقول : " إن زوجي كان يقود المسيرات والمواجهات ، لقد كنا نخاف عليه ونطلب منه الحذر ، فكان يقول :" ما أحلى الشهادة "، ولم تنظم مظاهرة أو مسيرة أو فعالية في جنين إلا وكان يشاهد هاني دومـًا في المقدمة ، ورغم إصابته بالرصاص المطاطي والاختناق عدة مرات لم يكن يغادر ساحة المواجهة إلا آخر واحد " .

وتمضي قائلة : "وكنا قد شاهدنا "هاني "قبل استشهاده بتسعة أيام في مستشفى جنين الحكومي، وهو يعانق حماته والدة زوجته بعدما تلقت نبأ استشهاد ولديها "بلال وهلال "، حيث كان يقول لها :" لا تبكي يا عمتي ،أولادك شهداء أبطال ، واحنا كلنا أولادك . أم "هلال وبلال " تركت بيته في يعبد وأسرعت إلى منزل "خنساء فلسطين " لتضمد جراحها وتشد أزرها ، بكت بشدة عندما ذكروها بالحادثة ، وقالت : "كان حنونـًا وأكثر من ابن ، أجل لم يتركني لحظة منذ استشهاد "بلال وهلال" ؛ لأنه كان صديقهما المخلص ، عاش معهما وعملا معـًا في كثير من المجالات ، وقد واساني وخفف من مصابي وهو يقول :جميعنا أولادك يا أمي". وتضيف : "ويوم زفافهما شهداء وقف "هاني" على باب المنزل وقال وهو يبكي : مع السلامة ، أنتم السابقون ونحن اللاحقون ، لن ننساكم "يا هلال وبلال" ، ويوم الجمعة خرج هاني مع جماهير جنين الغاضبة ليؤكد استمرار الانتفاضة ، وقد قاتل ببسالة ، ويقول شهود عيان : لم يتوقف للحظة عن رشق الحجارة ، وطلب الشهادة. وعندما انطلقت رصاصات القتلة لتصيبه ،أصيبت زوجته بآلام شديدة ورعشة غريبة ، وتقول : "أحسست بأن مكروها أو حادثـًا وقع ، وسرعان ما جاء النبأ : هاني أصيب ، بكيت ، ولكنني تماسكت ودعوت الله أن يحميه لي وتوجهت لمستشفى نابلس ،كانت كلماته تلازمني "سأثأر ،سأستشهد ،لا تحزني ،لا تبكي "، وعندما شاهدته شعرت أنه لن يعود معنا، فوضعه كان صعبـًا ورصاصة المجرمين كانت قاتلة ، ضممت عبد الله لصدري وقلت :" الحمد لله طلب الشهادة ونالها ".

وتضيف :" دم زوجي لن يذهب ، فـ "عبد الله" سيحمل راية أخواله ووالده ، ويمضي نحو القدس وحيفا ، وإذا كان العرب استسلموا فإننا لن نستسلم ،ولن نقبل أن يبقى أبناؤنا لاجئين معذبين ، أنا فخورة بزوجي وهامتي شامخة، ومبروك على فلسطين عريسها الجديد . أما والدته فقالت : "لن نركع أبدًا، (50) عامـًا مجازر وقتل وإرهاب وما نزل صامدين ، وعلى درب "هاني "وكل الشهداء ،سنمضي صغارًا وكبارًا ، ونقول لباراك : " يا ويلك منا ومن أطفال فلسطين " .

أما "مهند "شقيق "هاني "فقال : "أخي أصيب بعيار دمدم في الوجه ، تفجر بالرأس من قناص ، ونحن شعب يؤمن بأن الشهادة طريق الحرية والنصر ، ونؤكد للعالم أننا بصدورنا العارية وحجارتنا المقدسة وبأرواحنا سندافع عن القدس وفلسطين ، ولن تثنينا تهديدات بني يهود وجنوده ودباباته وقصفه وحصار شعبنا عن المضي في الانتفاضة ، "هاني "حقق حلمه بالشهادة ، ونحن جميعـًا مشاريع استشهاد جاهزون في كل لحظة ، ودموع زوجة هاني وطفله الوحيد وأمي سيدفع باراك ثمنها غاليـًا" .

وفيما تتوافد جموع الجماهير على بيت أم الشهيد لشد أزرها ،فإن الصغير "عبد الله" مازال يجلس على بوابة منزله صباح مساء يحمل مقلاع والده ويقول "بالروح بالدم نفديك يا شهيد "، "عبد الله" لا يبرح بوابة المنزل كل مساء – موعد عودة والده – فهل يدرك الجزار الصهيوني أن رصاصة الحاقد ، وإن استهدف والده وحرمه من كلمة "بابا" وحرمه فرحة العيد بين أحضان والده ، لن ينسى "عبد الله" الصغير الحقيقة ، ولن يجبره على عدم مواصلة مشوار والده وخاليه مع "خنساء فلسطين "حتى الثأر والنصر.. إن أمتنا لن تموت وفيها أمثال هؤلاء "ألا إن نصر الله قريب " "ولتعلمن نبأه بعد حين".

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق