الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الانعكاسات الدولية لأحداث 11 أيلول على القضية الفلسطينية

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:15/04/2002
  • التصنيف:أخبار الشبكة
  •  
2764 0 449

نظمت صحيفة «السبيل» الأردنية ندوة خاصة حول الانعكاسات الدولية لأحداث الحادي عشر من أيلول الماضي على القضية الفلسطينية، والتطورات التي شهدتها القضية الفلسطينية وانتفاضة الأقصى عقب أحداث نيويورك وواشنطن والمواقف الدولية التي استجدت لاحقاً، وخاصة الموقفين الأمريكي والأوروبي.
شارك في الندوة الدكتور أحمد البرصان أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم التطبيقية، والدكتور إبراهيم علوش أستاذ الاقتصاد في جامعة البترا ، والأستاذ جواد الحمد مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في عمان ، المهتم بشؤون الصراع العربي - الإسرائيلي والقضية الفلسطينية.

تأثير الأحداث على القضية الفلسطينية :
كيف تأثرت القضية الفلسطينية بأحداث 11 سبتمبر على الصعيد الدولي ؟
د. أحمد البرصان: كان الحدث الأبرز في القضية الفلسطينية ومسيرة تسويتها قبل أحداث واشنطن ونيويورك انعقاد قمة كامب ديفيد في تموز من العام 2000 بحضور ياسر عرفات وإيهود باراك ورعاية الرئيس الأمريكي كلينتون ، وقد فشلت هذه القمة، ثم قام شارون رئيس المعارضة الإسرائيلية آنذاك بزيارة المسجد الأقصى في تحد سافر للمشاعر ، ليس للفلسطينيين وحدهم ، وإنما كافة أبناء الأمة أيضاً، ثم اندلعت انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول عام 2000 .
وبالنسبة للموقف الأمريكي في تلك الفترة من القضية الفلسطينية، فإن الوقوف عليه يكون من خلال معرفة خلفياته، حيث إن الرئيس جورج بوش الذي كان قد تولى حكمه حديثاً قد صعد إلى كرسي الرئاسة بقرار قضائي مما يدل على أن توليه السلطة كان ضعيفاً، والأمر الآخر أن بوش ينتمي إلى التيار الأصولي المسيحي الأقرب إلى الصهيونية أي إنه مسيحي صهيوني ذو خلفية دينية حتى إن ظهر بغير هذه الصورة، كذلك لم يكن في أولويات الرئيس بوش حل النزاع في منطقة الشرق الأوسط ، والحزب الجمهوري «الذي ينتمي له الرئيس» يتبنى فكرة ترك النزاع بدلاً من الدخول فيه وهو معقد ، كذلك فإن بوش كان في كثير من الحالات يميل إلى مناصرة الكيان الصهيوني حتى لو كان على حساب الأمن القومي الأمريكي .
وبالإضافة إلى العوامل السابقة لدى الإدارة الأمريكية فإن الولايات المتحدة - بطبيعتها- تعيش على الدوام انتخابات مستمرة لا تقتصر بحال من الأحوال على الانتخابات الرئاسية التي تتم مرة كل أربع سنوات ، ومن هنا فإن بوش يستعد للانتخابات القادمة ، سواء كانت الرئاسية أو غيرها « مثل مجلس الشيوخ والنواب ومجالس الولايات وغير ذلك » ، وهذا ما يؤثر في السلوك السياسي للرئيس وإدارته معاً.
ثم إن الأهم من ذلك أن اليهود يتولون مناصب مهمة وحساسة في إدارة بوش يستطيعون من خلالها توجيه السياسات الأمريكية لصالحهم، فمساعد وزير الدفاع الأمريكي هو صهيوني يدعى وولثز ، كذلك فإن المنصب الأكثر جدلاً الذي يتولاه يهودي هو « مجلس السياسات الدفاعية » الذي يرأسه ريتشارد بيرل وهو من أكثر المقربين للكيان الصهيوني ، بل إنه متهم بالتجسس لصالح «إسرائيل» والتعاون مع الجاسوس الصهيوني الشهير « بولارد » ولذلك فإنه يلاحظ أن وزارة الدفاع الأمريكية غالباً ما تتبنى المواقف الأكثر تشدداً في الإدارة الأمريكية والأكثر تطرفاً لصالح الكيان الصهيوني .

د. إبراهيم علوش: إن البرنامج الذي أعلنه بوش فيما يتعلق بالشرق الأوسط لدى توليه رئاسة الولايات المتحدة يحدد أن العراق أولاً ؛ فقد أعلن بوش الابن أن مهمته الأساسية في الحكم تتمثل في إنجاز ما بدأه والده عام 1991 في الشرق الأوسط ، أما القضية الفلسطينية فلم تلق اهتماماً يذكر .
وبالنظر إلى آلية اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية فإن الحزب يتميز بوجود طرف فيه يتبنى « المسيحية الصهيونية » فالأصولية المسيحية إحدى أعمدته، وهذا الطرف المسيحي - الصهيوني في الحزب الجمهوري يمارس تأثيراً في السياسات إلا أنه لا يملي إرادته كاملة ، لأن السياسة الأمريكية حصيلة مساومات وتوازنات بين مراكز الضغط والقوى في كل مرحلة ، وهذا بالطبع مع ثبات الخط العام لهذه السياسة .
إن بوش ليس من التيار المسيحي - الصهيوني وإن كان لا يملك تهميش هذا التيار القوي ، وعقب أحداث 11 أيلول الماضي لم يحدث أي تغير يذكر على السياسات الأمريكية ؛ ففي أفغانستان تم الكشف عن وثيقة تثبت أن الولايات المتحدة تسعى منذ عام 1998 إلى تغيير النظام الحاكم هناك ، لأن واشنطن بحاجة إلى مد أنبوب نفط يمر عبر جنوب الأراضي الأفغانية .
ولفهم ما الذي تغير على الولايات المتحدة ، علينا فهم الحالة السيكولوجية للمجتمع الأمريكي ، فالأمريكيون يعانون من مرض « غطرسة القوة »، وهم يعتقدون بذلك أنهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون في أي وقت ، وبأي طريقة ، ويعتقدون أيضاً أنهم يعيشون في حصون منيعة، لأن المجتمع الأمريكي عبر تاريخ كله لم يقترب منه أحد، فأحداث الحادي عشرمن سبتمبر أحدثت مشكلة في الوعي الجمعي الأمريكي ؛ إذ شعر الأمريكيون لأول مرة أنهم عرضة للضربات وأن التكنولوجيا المتقدمة والدرع الصاروخي لا يحميهم، والأهم من ذلك أن الأمريكيين قد تعرضوا للإهانة في عقر دارهم.
وخلاصة الأمر أن المخططات والاستراتيجيات والمصالح الأمريكية لم يطرأ عليها أي تغيير بعد أحداث نيويورك وواشنطن، فما في تغير الشعب الأمريكي وقيادته هو الحالة الذهنية والوعي الجديد بأن التكنولوجيا لن تحميهم، والشعور الكبير بالإهانة التي أنتجت عاراً كبيراً لهم لا يمكن تجاوزه إلا بسفك الدماء في كل أنحاء العالم، فتحولت الولايات المتحدة إلى ممارسة حالة من « الاستشراس » في تحقيق مصالحها في العالم .
وثمة ما يؤكد أن أمريكا ستستغل أحداث واشنطن لتحقيق الأهداف المرسومة مسبقاً سواء في أفغانستان أو خارجها بوحشية وشراسة أكبر مما مضى .

د. البرصان: أود الإشارة إلى أن الولايات المتحدة حاولت لدى تولي حركة طالبان للحكم أن تستميلها لتحقيق الهدف الأمريكي المتمثل في ضرب التيار الإسلامي السني مع الشيعي، وحاولت واشنطن استخدام طالبان لتحقيق المصالح الأمريكية إلا أن طالبان لم ترضخ للمطالب الأمريكية مما حدا بواشنطن أن تحاربها. ثم شعرت الولايات المتحدة أن حركة طالبان بدأت تمتد أيديولوجياً في منطقة آسيا الوسطى كما حاولت أن تفعل إيران سابقاً، مع علمها بأن أيديولوجية الإسلام السني أكثر خطراً بكثير على الولايات المتحدة من الشيعة، وهذا ما أكده أحد الكتاب الغربيين عندما قال : إن التيار السني أخطر بكثير على الولايات المتحدة لأن له تجاوباً كبيراً!!

الدولة الفلسطينية :
عقب أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة برزت أصوات أمريكية وأوروبية تتحدث عن الدولة الفلسطينية .. فهل هذا يشير إلى تغيير في السياسات الدولية؟
جواد الحمد : حتى نضبط التغير الذي طرأ على القضية الفلسطينية بعد أحداث نيويورك وواشنطن يجب أن نعود إلى حال القضية الفلسطينية قبل أحداث الولايات المتحدة ، فعلى صعيد مسيرة التسوية مثلاً، عقد مؤتمر كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي في تموز من عام 2000، وكان مقرراً لهذا القمة أن تتوصل إلى الحسم النهائي في مسيرة التسوية ، وقد تم خلالها بحث كافة القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية فتم بحث قضايا: الدولة ، واللاجئين ، والانسحاب والقدس، وتم حسم هذه القضايا والتوصل إلى تفاهم بشأنها ، وتم التوقف في النهاية عند أمر واحد فقط وهو طرح إسرائيلي شاذ لم يكن في حسابات أي من الأطراف وهو بخصوص المسجد الأقصى، حيث فوجئ الجميع بالطرح الإسرائيلي :
«سيادة فلسطينية فوق المسجد وإسرائيلية أسفله».
لقد كان كلينتون يأمل التوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية قبل انتهاء ولايته، وأظن أن باراك كان كذلك أيضاً، وكانت كافة التجاوبات الإسرائيلية مع مطالب الفلسطينيين بمثابة مقايضات، فما حصل عليه الجانب الفلسطيني في كامب ديفيد كان مقابل أمرين: الأول هو حق عودة اللاجئين ، والثاني هو القدس والمسجد الأقصى.
وبعد كامب ديفيد اندلعت انتفاضة الأقصى ليس كرد فعل على القمة الفاشلة في كامب ديفيد، فالانتفاضة لم تكن نتيجة قرار سياسي، وإنما بعد زيارة شارون إلى الحرم القدسي والتي كانت ترمي إلى محاولة التأكيد على أن القدس يهودية من الجانب الصهيوني .
وفي تلك الفترة تحول الإعلام الأمريكي إلى تبني المواقف الصهيونية بشأن المسجد الأقصى، فكان الإعلام الأمريكي يستخدم تعبير « جبل الهيكل » للإشارة إلى الحرم القدسي، أي أنه يتبنى المقولة الإسرائيلية .
وبعد كامب ديفيد حاولت الولايات المتحدة إنقاذ مسيرة التسوية من خلال مؤتمر طابا وذلك في محاولة أخيرة لفرض ما يتم التوصل إليه على الرئيس الجديد، وإضافة لذلك فقد طرح كلينتون مبادرة جديدة على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي كشف عنها في الثامن من يناير عام 2001 وتضمنت المبادرة تأسيس دولة في فلسطين مع حدود آمنة من جهة الأردن ؛ مع مراعاة الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية في وادي الأردن، وبالنسبة للقدس تضمنت مبادرة كلينتون أن تكون المدينة المقدسة عاصمة لدولتين ، ويتبين لنا من هذا أن مسألة الدولة الفلسطينية كانت واردة في السياسة الأمريكية قبل أحداث الحادي عشر من أيلول الماضي .
أما الأمر الذي فاجأ النظام الدولي بما فيه الحكومة الأمريكية والكيان الصهيوني فهو اندلاع انتفاضة الأقصى وهبة الشعب الفلسطيني لمواجهة الإرهاب الإسرائيلي ؛ فقد فتحت هذه الانتفاضة باباً جديداً في رسم خارطة مختلفة عما كان في السابق.
ثم في شهر تشرين الثاني من عام 2000 جرت الانتخابات الأمريكية، وكان فوز جورج بوش بمثابة إسقاط لمقولة إن الصوت اليهودي ذو تأثير كبير في حسم الانتخابات الرئاسية كون بوش صعد إلى سدة الحكم دون دعم الأصوات اليهودية الأمريكية.
وخلاصة الأمر إن الاعتراف بضرورة تأسيس الدولة الفلسطينية على سلم أولوياته، لكن أحداث 11 سبتمبر قلبت مفهوم الأمن الأمريكي ، وكانت فاصلة جداً، فالولايات المتحدة لم تتعرض لتهديد أمني داخلي حقيقي منذ تأسيسها وحتى الآن بما في ذلك أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لقد صنعت أحداث واشنطن ونيويورك أكبر صدمة أمريكية ، وفي مركزين هما الأهم سياسياً واقتصادياً.
أما التساؤل: لماذا أيدت الولايات المتحدة مؤخراً قيام دولة فلسطينية، فإن الأمر الواضح أن سبب ذلك يعود إلى سعي واشنطن إلى تأييد الرأي العام العربي والإسلامي ؛ كونها تتقدم لعمل عسكري ، وهذا تماماً حدث في حرب الخليج عندما تحالفت أمريكا مع دول عربية لإضفاء الشرعية على هجومها الذي استهدف العراق .
أي أن أمريكا وأوروبا تحاولان احتواء الرأي العام العربي والإسلامي ، وكذلك لإيجاد المبرر الكافي بالنسبة للدول العربية حتى يمنحوا تأييدهم للحملة الأمريكية، فأمريكا في قرارة نفسها تعلم أن القضية الفلسطينية هي قضية مركزية لدى كل العرب والمسلمين ، إلا أن الأمر المهم أن الموقف الأمريكي الأخير المؤيد القيام دولة فلسطينية ولا يعبر عن توجه حقيقي ، بل هو آني ولحظي فقط .

مستقبل حركات المقاومة بعد الأحداث :
ما خلفيات الموقف الأمريكي والبريطاني تجاه حركات المقاومة الفلسطينية ؟ وما مستقبل تلك الحركات في ضوء التغير الأخير تجاهها؟
د. علوش: يجب علينا أن نسأل السؤال المركزي الأهم، وهو ماذا تريد الولايات المتحدة من هذه المنطقة ؟ أي ما فحوى الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية ؟
لا بد لنا من العودة إلى إعلان بوش تأييده قيام دولة فلسطينية مؤخراً فهذا له بعدان، أحدهما تكتيكي وهو الذي يربط بين توقيت هذا الإعلان لمنح الأنظمة العربية مسوغاً لتأييد الحملة على أفغانستان كي تحفظ ماء وجهها أمام شعوبها، أما البعد الآخر فهو البعد الاستراتيجي.
إن ما ينبغي أن نفهمه جيداً أن الدعوة لإقامة دولة فلسطينية لا يعني شيئاً، ولا يعني أن الحركة الوطنية الفلسطينية قد حققت شيئاً، بل على العكس من ذلك، فقد طرح باراك خلال لقاء في مستوطنة هرتسليا لكبار القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية مع كبار قادة الصناعات العسكرية فكرة إنشاء دولة فلسطينية.
وبالنظر إلى التساؤل المركزي وهو : ماذا تريد الولايات المتحدة من هذه المنطقة ؟ فإنه مع هجمة العولمة والحاجة إلى حرية حركة البضائع والخدمات ورأس المال والأفكار والثقافة ، ومع تقدم المشروع الصهيوني من طور احتلال الأرض والحاجة إلى السيطرة على السياسة والثقافة تولدت الحاجة بالنسبة للولايات المتحدة لتفكيك المنطقة ، وذلك لسببين هما: العولمة ونقل المشروع الصهيوني إلى طور أعلى . ومن هنا فإن ثمة أنظمة عربية تشعر اليوم بأنها أصبحت مستهدفة رغم أنها كانت لزمن طويل تقدم خدمات كبيرة للولايات المتحدة ، إلا أن الأخيرة تشعر بأن هذه الأنظمة قد استنفدت مهمتها.
ومن هنا يمكن أن نفهم الموقف الأمريكي والأوروبي من حركات التحرر الفلسطينية ضمن هذا السياق ، فالأوروبيون طلبوا من عرفات والسلطة تفكيك بنية حركتي حماس والجهاد بالكامل ، وهذا يؤكد الجانب الاستراتيجي المتمثل في تفكيك كافة العوائق أمام المشروع الصهيوني ، إن المطلوب الآن هو القضاء على كافة الحركات الجهادية في فلسطين ولبنان لأنها تشكل عقبة أمام المشروع الصهيوني .. وفي هذه الأثناء فإن عرفات لا يدرك حتى الآن بأن إسقاط الحركات الجهادية هو إضعاف لموقفه حتى في أثناء التفاوض .
والخلاصة التي أرغب في الوصول إليها أن الدولة الفلسطينية ليست بالضرورة انتصاراً ولا تناقضاً مع المصالح الأمريكية والصهيونية ، والحركات الجهادية بمختلف توجهاتها تشكل عائقاً حقيقياً أمام تقدم المشروع الصهيوني والأمريكي، وهذا هو محور الصراع الآن .

د. البرصان: أعتقد أن الجانب الفلسطيني يدرك أن الحركات الجهادية مثل حماس والجهاد تخدم استراتيجياته، وأن علينا التفريق بخصوص هذه الحركات بين الموقفين الإسرائيلي – الأمريكي ؛ فالكيان الصهيوني يطالب بالإنهاء الكامل لوجود هذه الحركات ، إلا أن الموقف الأمريكي شهد تغيراً في الآونة الأخيرة تجاه الحركات الجهادية حيث لم يسمع أحد في السابق بأن الولايات المتحدة تعتبر حركات حماس والجهاد منظمات إرهابية إلا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الماضي .

د.علوش : مرة أخرى أعود إلى مسألة آلية اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية ؛ فرغم كافة المتغيرات التي تؤثر في صنع السياسة الأمريكية تجاه العرب إلا أن هناك ثابتاً هو نزع أوراق القوة من الطرف العربي والفلسطيني ومنح القوة للطرف الصهيوني ، وهذا الثابت غير المتحول في تاريخ السياسة الأمريكية والصهيونية في المنطقة ، وضمن هذا السياق مطلوب من ياسر عرفات التنازل عن كافة أوراق وعوامل القوة ومطلوب أيضاً تحييد الأنظمة العربية .

د. البرصان: يجب الإشارة إلى أن الخلفيةالثقافية والدينية لدى صانع القرار السياسي تؤثر في صناعة القرار السياسي.

مستقبل القضية الفلسطينية :
ما هو مستقبل القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي ، وخاصة في ظل وثيقة بيريز قريع التي كشف عنها مؤخراً؟
جواد الحمد: لقد بدأت الولايات المتحدة تفكر بمنطق سياسي أكثر واقعية بلا شك بعد أحداث واشنطن ونيويورك، وقد اكتشف الأمريكيون الآن أن قضية فلسطين لا تزال مبرراً مشروعاً لدى الجماهير العربية للقيام بأي أعمال ضد الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ، وكان خطاب ابن لادن والدكتور الظواهري وتنظيم القاعدة عقب أحداث نيويورك وواشنطن بشأن القدس وفلسطين واضحاً، واستقطب تعاطفاً هائلاً في الشارعين العربي والإسلامي، بل رحبت بعض القيادات الفلسطينية المحسوبة على خط التسوية بهذه الخطابات أيضاً، واكتشفت الولايات المتحدة أن هذا الأمر خطير ؛ فكان لا بد من طرحٍ ما بخصوص القضية الفلسطينية لإفقاد ابن لادن وتنظيمه ورقةالقضية الفلسطينية وهي الورقة التي لها البعد الديني والعاطفي والفكري والسياسي والإنساني والحقوقي .
من هنا اتجه الحزب الجمهوري لتبني ما توصل له الحزب الديمقراطي سابقاً فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية .
وكذلك فإن الأوروبيين في بيانهم أيدوا قيام دولة فلسطينية لإفقاد أي حركة عربية أو إسلامية أو غيرها ورقة قوية، وهي القضية الفلسطينيةالتي تحرك الشارع العربي والإسلامي ، ومن هنا أقول إن حجم التغير الحاصل بعد هجمات أيلول على صعيد النظام الدولي ينعكس على القضية الفلسطينية بشكل مباشر.
إننا نلحظ الآن بأن العالم بدأ يتفق واقعياً مع الطرح الرسمي العربي الذي لا يجد أي مشكلة في وجود «إسرائيل» ، بل إنه يطالب فقط بالانسحاب من الضفة والقطاع طبقاً للقرارات الدولية الصادرة بعد عام 1967.
والسؤال الذي نستطيع طرحه هو: هل يمكن الرهان على التحولات الدولية الجديدة ؟
وهل يمكن الاعتماد عليها بأنها ستغير شيئاً جديداً في المنطقة أم لا ؟
نحن أمام ثلاثة عوامل متغيرة في هذا الصدد هي : العامل الإسرائيلي ، والدولي والفلسطيني ، فالعامل الدولي يتجه لتحقيق شيء ما، والجانب الإسرائيلي لديه مشكلة في أن شارون الذي يتزعم الليكود الإسرائيلي المتطرف والذي يرفض فكرة الدولة الفلسطينية قد قبل المبدأ الآن ، وهو ما حصل لدى حزب العمل في السابق في الفترة التي أعقبت عام 1988، وعليه فإن الموقف الإسرائيلي يتلخص في أن ثمة توجهات حاسمة لدى حزب العمل وعند قطاعات من حزب الليكود ، وعند الأكاديميين الإسرائيليين أيضاً تولدت القناعة بالحاجة لدولة فلسطينية مستقلة ويبقى الاختلاف في الدور الوظيفي لهذه الدول في الفكر الإسرائيلي والأمريكي عنه في الفكر العربي والإسلامي .
أما الجانب الفلسطيني فلديه الآن فرصة تاريخية حيث إن الولايات المتحدة تحاول أن تعمل بالمقايضة بين سكوت العالم العربي عن حربها على ما تسميه « الإرهاب » مقابل التقدم في القضية الفلسطينية ، وهذه المقايضة بطبيعة الحال غير عادلة. والفلسطينيون اليوم أمام خيارين أولهما الرهان على الموقف الأمريكي والأوروبي ، وهو موقف محكوم بالسقف الإسرائيلي ، وثانيهما الاعتماد على الورقة الجديدة التي امتلكها الموقف الفلسطيني والتي لم يكن يمتلكها من قبل ، وهي المقاومة التي تهز البنية الأمنية للاحتلال وهي أقوى من الثورة الفلسطينية وأقوى من انتفاضة عام 1987 بحكم وجود قيادة ميدانية واحدة لهذه الانتفاضة الأخيرة وهذه المقاومة .
إنني أعتقد أن هذه الورقة الفلسطينية القوية لم تكن موجودة من قبل ، وأن عرفات لم يفرط بها إلا عندما نظر إلى مصالحه الشخصية بسبب حالة الضعف التي يعيشها، وهو الآن يتعاطى بالرهان على الموقف الأمريكي الذي هو في حقيقته الموقف الإسرائيلي أي أنه مع الأسف ينتظر الكرم الإسرائيلي لإعطاء الفلسطينيين دولة بمواصفات معقولة لـ « إسرائيل » وهذه المواصفات المعقولة تعني أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح وأن ترتبط بالكيان الإسرائيلي من الناحية الأمنية ، وأن ترتبط سياسياً بالأردن .
لذلك فإن الرهان الفلسطيني الآن جمد الرهان على الانتفاضة والمقاومة، علماً بأن المتابعة الدقيقة لتغيرات المجتمع الإسرائيلي والإحصاءات والبيانات المتوافرة تشير إلى أن هذه الانتفاضة الأخيرة لو منحت فرصة مناسبة لكان يمكن أن تجبر الجانب الإسرائيلي على الاستسلام للمطلب الفلسطيني في الضفة وغزة وشرقي القدس بشكل يفوق كثيراً ما يتحدث عنه بيريز وقريع ، ويفوق أيضاً ما عرض في قمة كامب ديفيد، وهذا لم يكن بحاجة لوقت طويل حتى يتحقق، والوضع الدولي حتى الآن يسمح بذلك.
د. البرصان: إنني أؤكد أنه في المحصلة علينا أن نعرف كيف ندير الأزمة وخاصة في الوقت الذي انقلبت فيه الولايات المتحدة لمحاربة أكثر حلفائها في المنطقة مما زرع حالة من عدم الثقة بينها وبين هؤلاء الحلفاء، ومن جهة أخرى فإن أمريكا اليوم تعمل على تغيير المناهج التي تدرس في الدول الإسلامية وهو الأمر الذي من غير المرجح أن تقبل به هذه الدول، ما صنع شرخاً كبيراً بين الولايات المتحدة وحلفائها سياسياً وثقافياً وأيديولوجياً ، وعلينا نحن استغلال هذه الحالة .
د. علوش : أود التركيز على جوهر الصراع في الساحة السياسية ، فأقول : إنه كما كان ضرب وحصار العراق شرطاً ضرورياً لنجاح مؤتمر مدريد ، كذلك الأمر بالنسبة للدور الوظيفي المستقبلي الذي ستلعبه الدولة الفلسطينية فلن يترك معلقاً وغير محدد بالنسبة للطرف الأمريكي والصهيوني ، فأمريكا لا تتورع عن السعي لإنشاء دولة فلسطينية أشبه بتلك التي كان يقودها جيش العميل لحد في جنوب لبنان، ومثل هذا المشروع يعترضه عائقان ، الأول داخلي ويقتضي ضرب الحركات الفلسطينية المقاتلة سواء الإسلامية أو غيرها ، والعائق الآخر يقتضي تحجيم وضرب دور الأنظمة العربية التي تعيش حالياً تضارباً مع المخطط الصهيوني - الأمريكي .
وضمن هذا السياق أود التأكيد على أن صراعنا مع العدو الصهيوني ليس على حق العودة ولا على الضفة وغزة ، لأن المشروع الصهيوني يمثل تاريخياً قاعدة استعمارية ضد هذه الأمة لتجزئتها وإبقائها ضعيفة وهو المشروع الذي ما يزال ينمو سرطانياً فإما أن يقتلنا ويفتتنا ويغير هويتنا الحضارية أو يفشل في ذلك ولا خيار غير ذلك ، فهذا الصراع ذو طبيعة تناحرية ولا يمكن حله إلا بالعنف . ومن جانب آخر فإن المرحلة القادمة من الحرب على ما يُسمى « الإرهاب » تقتضي إعادة تنظيم المنطقة بحيث يسهل فرض الشروط السياسية للطرف الصهيوني - الأمريكي فيما يُسمى « العملية السلمية » ، وبالتالي أتوقع في المستقبل تصعيد الصراع في المنطقة وإذا ما تم التوصل إلى حل فسيتم بالشروط الأمريكية والصهيونية ، وبالتالي سيهيئ البيئة لمزيد من الصراع.

جواد الحمد: أود القول : إن المطلب الأمريكي والإسرائيلي للدور الوظيفي للدولة الفلسطينية له ملامحه وعوامله الكثيرة والواقع العملي لكيفية تطبيق هذا المطلب سوف يتغير ، فقد تتآكل بعض هذه المطالب والشروط ، بعد أن يصطدم الطموح الفلسطيني بالواقع الذي سيتعامل معه لوجود فجوة بين الاثنين، وسيتساءل الشارع الفلسطيني متى سنتحرر من الأغلال بعد أن يرى دولة صغيرة مقيدة ومكبلة.
وهذه الدولة ربما ستبقي المقاومة جزءاً من أيديولوجيتها وخاصة في ظل بقاء طرح حركات مقاومة بأن فلسطين يجب أن تتحرر من البحر إلى النهر، ومن هنا قد تكون جذوة المقاومة قابلة للانفجار في أية لحظة حتى إن خمدت فترة من الزمن ، وعليه فإن الدور الوظيفي لهذه الدولة لن يكون نهاية المطاف ، ومن هنا فإقامة هذه الدولة مكسب فلسطيني، وسيصبح هذا المكسب قاعدة للانتقال إلى ما هو أفضل في ظل ما ذكر.

د. علوش: أتمنى الأخذ بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وحلفاءهما لن يقبلوا بتأسيس دولة تكون مكسباً للفلسطينيين ، فهم لن يسمحوا بإيجاد موطئ قدم يستخدم ضدهم ، بل على العكس هم يريدون الدولة الفلسطينية موطئاً لأقدامهم، فدون تحقيق شروط ضرب المقاومة وتفكيكها وإضعاف الدول العربية لن تقوم دولة فلسطينية.

جواد الحمد: إنني أعتبر قيام الدولة مكسباً فلسطينياً من منطلق أنه لا يمكن فرض كافة الأهداف الإسرائيلية على الفلسطينيين ، ففكرة إنشاء « دولة سعد حداد أو أنطوان لحد» مستحيلة في الضفة والقطاع .

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق