الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مبادرة بوش.. هزل في موضع الجد

1493 0 462

تمنيت أن يكون الرد العربي على دعوة الرئيس بوش لعقد مؤتمر دولي في الخريف لبحث القضية الفلسطينية مقصوراً على العبارة التي تقول: أفلح إن صدق. ذلك أنني لا أشك في أنه لا يكاد يوجد عربي يملك ذرة من العقل والرشد يمكن أن يصدق أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تسوية حقيقية ـ معقولة ولا أقول عادلة ـ للموضوع الفلسطيني. أستثني من ذلك حالة واحدة بطبيعة الحال هي أن يؤدي المؤتمر المذكور إلى تلبية كل المطالب الإسرائيلية وإغلاق ملف «القضية».

وأذهب في ذلك إلى أن كل الأطراف ذات الصلة غير مهيأة لتحقيق تلك التسوية المعقولة. وقبل أن أشرح حيثيات عدم جدية أو جدوى تلك الدعوة فإني ألفت النظر إلى السياق الذي تطرح فيه. إذ كما أن الفلسطينيين تحدثوا في السابق مراراً عن أنهم بحاجة إلى قوات دولية في الضفة وغزة، لكي تحميهم من الاجتياحات والغارات الإسرائيلية، فإن إحياء الفكرة الآن بدعوى أنها مطلب قديم، يعد من قبيل الاحتيال الذي لا يمكن أن يفترض منه حسن النية. لسبب جوهري هو أن السياق اختلف تماماً الآن. فهذه القوات طلبت منذ سنوات لحماية الفلسطينيين، ولذلك رفضت "إسرائيل" الفكرة بشدة. لكن المهمة المطلوبة منها في السياق الراهن هي تصفية المقاومة وتجريد الفلسطينيين من السلاح. ولأنها مطلوبة في غزة فقط فقد كان هدفها مكشوفاً، ولذلك رحبت "إسرائيل" بالفكرة، وتحمس لها أكثر زعمائها غلواً وتطرفاً.

ولعل ما حدث أيضاً بالنسبة لفكرة المؤتمر الدولي، التي طرحت فلسطينياً وعربياً بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد بين عرفات وباراك رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك. وقد قوبلت الفكرة آنذاك بمعارضة ومقاومة من الإدارة الأمريكية و"إسرائيل". ولكن حين اختلف السياق والأشخاص. فوجئنا بالحماس الأمريكي والإسرائيلي لها، الأمر الذي لا بد أن يدعونا إلى الشك والارتياب، ويقطع بعدم الثقة أو الاطمئنان إلى دوافع الدعوة ومقاصدها.

إن شئنا أن نتصارح أكثر، فلا مفر من أن نعبر عن الدهشة من إقدام الرئيس بوش على مفاجأة الجميع باقتراح فكرة المؤتمر في حين أن الكل يعلم أن الملف الفلسطيني لا يحظى بأولوية لديه، وأن الموضوع العراقي والإيراني يحتل رأس أولوياته. يعرف الجميع أيضاً أن الموعد الذي حدده لعقد المؤتمر الدولي (الخريف المقبل) يسبق بأشهر معدودة حملة الانتخابات الرئاسية التي تنتهي بها فترة ولايته الثانية. من ثم فإن إقدامه على هذه الخطوة يمكن أن يحقق له هدفين، أولهما تحسين صورته على نحو يقدمه بحسبانه الرجل الساعي إلى إقامة السلام في المنطقة، وهو ما يمكن أن يرفع أسهمه داخلياً ودولياً. الهدف الثاني هو الاستجابة لضغوط المحافظين الجدد في مساندة "إسرائيل" ومساعدتها على إغلاق الملف الفلسطيني.

من ناحية أخرى، فإن اقتراحاً من ذلك القبيل يحقق ل"إسرائيل" عدة مصالح، أولها أنه يساعدها على تحقيق أكبر قدر من المكاسب في ظل الانقسام الفلسطيني المشهود واستثماراً للضعف العربي المخيم. وثاني تلك المصالح أن فكرة من ذلك القبيل تمثل دعماً لرئيس الوزراء اليهودي أولمرت نفسه، في أجواء الاتهام والإدانة التي تحيط به، بعد صدور التقرير النهائي للجنة فينو جراد بخصوص فشل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في الصيف الماضي. والمعروف أن الرئيس بوش تدخل شخصياً لتخفيف الضغوط على أولمرت. ووقف إجراء انتخابات إسرائيلية جديدة. خشية أن تسفر الانتخابات عن فوز رجل مثل نتنياهو، قد يفسد «الطبخة» المعدة.

إننا نعلم جيداً أن الرئيس بوش لم يتحفظ يوماً على المخططات والطموحات الإسرائيلية. حتى خارطة الطريق التي طرحت في عهده ، ما إن تحفظ أرييل شارون على 14 نقطة منها. على نحو أفرغها من مضمونها، حتى أيده في ذلك الرئيس الأمريكي، بل أعطاه خطاب ضمانات استجاب له فيه لكل ما أراده.

على صعيد آخر، فليس خافياً أن إطلاق مبادرة الرئيس بوش في أعقاب الانفجار الذي وقع في غزة أريد به تعميق الانفصال بين القطاع والضفة. وهو ما لم يخفه مستشاروه الذين تحدثوا صراحة عن فكرة «الضفة أولاً»، التي يراد بها في نهاية المطاف إحكام الحصار والضغط لإسقاط حكومة غزة. هذا إذا لم تكن تلك الخطوة ترمي في نهاية المطاف لتحقيق الحلم الإسرائيلي بإلحاق الضفة بالأردن وإلحاق غزة بمصر، وتوزيع اللاجئين على البلدين، الأمر الذي ينهي القضية الفلسطينية ويغلق ملفها إلى الأبد.

إن حيثيات الشك في فكرة ومقاصد الرئيس بوش لا تقف عند تلك الاستنتاجات التي سبق الإشارة إليها، وإنما هي كامنة أيضاً في صلب خطابه الذي ألقاه في 16/7. وألقى فيه بفكرة المبادرة الجديدة ذلك أنه قبل أن يطلق دعوته مهد لها بالإشارة التالية حيث قال: إن الشعب الفلسطيني أصبح عليه أن يختار بين بديلين لا ثالث لهما. الأول تجسده حماس بعد أن شاهدها العالم في غزة من خلال قتلة يرتدون أقنعة سوداء ، وهو بديل محبط للآمال ويعني تسليم مصير الشعب الفلسطيني لسوريا وإيران والقضاء على كل احتمال لقيام أي دولة فلسطينية. والبديل الثاني يجسده عباس ورئيس وزرائه فياض اللذان يكافحان لبناء مؤسسات ديمقراطية ولتعزيز أجهزة أمن قادرة على مكافحة الإرهاب، وهو البديل الوحيد الباعث على الأمل والمتاح على طريق تمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته. في الوقت ذاته أعلن أن الولايات المتحدة تعتزم اتخاذ إجراءات انفرادية ومشتركة بالتشاور مع حلفائها لتقديم دعم مالي وسياسي بات يستحقه عباس الآن بعد تمكنه من طرد حماس من الحكومة الفلسطينية. في جانب الدعم المالي وعد بتقديم 190 مليون دولار للإغاثة الإنسانية و228 مليون دولار قروضاً للمشروعات التجارية و80 مليون دولار لإصلاح الأجهزة الأمنية، وفي جانب الدعم السياسي اكتفى الرئيس الأمريكي بوعد بالمساعدة في العثور على «أفق سياسي» وبناء مؤسسات مجتمع فلسطيني قوي، مشيراً في هذا الصدد إلى الدور المتوقع أن يقوم به بلير بعد اختياره ممثلاً للرباعية.

بعد الإشارة الغامضة للأفق السياسي، والمفصلة في الرشوة الاقتصادية، قال بوش: إنه بعد توافر أساس ملائم لقيام دولة فلسطينية ديمقراطية، تبدأ المفاوضات حول المسائل العويصة المعلقة، التي تقود إلى تسوية إقليمية يتعين أن تتمخض عن أمور هي: حدود متفق عليها بصورة متبادلة، تعكس الخطوط السابقة والحقائق الراهنة والتعديلات التي يتم الاتفاق عليها ثنائياً.

لاحظ هنا أن الغموض مستمر فيما يخص صورة الوضع النهائي، ولاحظ أيضاً إشارته في موضوع الحدود إلى الحقائق الراهنة التي يتم الاتفاق عليها، وهي كلها تنطلق من تبني الموقف الإسرائيلي، لأن الذي غير الحقائق على الأرض والذي يطالب بتعديل الحدود حتى لا يعود إلى خطوط الرابع من يونيو 67 هم الإسرائيليون وليس الفلسطينيين ـ لاحظ كذلك أن هذا الكلام عن حدود الوضع النهائي سوف يبدأ بعد توافر الأساس الملائم لقيام الدولة الفلسطينية. أما ما هو ذلك الأساس فقد أوضحه الرئيس الأمريكي على النحو التالي:

لتوفير الأساس اللازم لقيام دولة فلسطينية، يتعين على مختلف الأطراف اتخاذ إجراءات محددة، فعلى الشعب الفلسطيني استنكار الإرهاب بالفعل وليس بالقول. وعلى الحكومة اعتقال الإرهابيين وتفكيك بنيتهم التحتية، ومصادرة الأسلحة غير المشروعة، ووقف الهجمات ضد "إسرائيل"، وإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف، وتنفيذ القانون بمعزل عن الفساد الإداري.

وعلى "إسرائيل" الإفراج عن عائدات الضرائب الفلسطينية وتحويلها لحكومة فياض، وإزالة المستوطنات غير المصرح بها ووضع حد لتوسيع المستوطنات القائمة. وعلى المجتمع الدولي من خلال لجنة الاتصال تقديم دعم حاسم للقادة الفلسطينيين الذين يعملون من أجل السلام. والمساعدة على إنجاح المؤتمر الدولي الذي تطالب الولايات المتحدة بعقده في الخريف، وعلى الدول العربية تأييد حكومة عباس ورفض تطرف وعنف حماس وتوفير المساعدات التي يحتاجها الشعب الفلسطيني، ووقف التحريض على الأحقاد في وسائل إعلامها الرسمية، وإيفاد زوار على مستوى وزاري إلى "إسرائيل".

هذه الشروط التي وضعها الرئيس بوش لبدء الكلام عن الدولة الفلسطينية تعلن أنه على الحكومة الفلسطينية أن تبدأ باعتقال عناصر المقاومة ومصادرة أسلحتها، وتفكيك بنيتهم التحتية وإطلاق سراح الجندي الأسير (لا إشارة إلى أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني)، وإزالة المستوطنات التي لم تصرح بها الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي يعني الإبقاء على كل المستوطنات التي أقامتها الحكومة، مع وضح حد ـ فقط ـ لتوسيعها. أما الشرط الأخير لتوفير إمكانية قيام دولة فلسطينية فهو يخاطب الدول العربية، ويطالبها بتطبيع علاقاتها مع "إسرائيل"، من خلال «إيفاد زوار على مستوى وزاري لزيارتها».

بعد أن يلبي الفلسطينيون والعرب هذه الشروط. يمكن أن يعقد المؤتمر الموعود بحضور دول لم يتم تسميتها، لكنها وصفت بالجيران/ وسوف يتولى رئاسته وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس (الأمر الذي يطمئننا كثيراً) ليتولى المؤتمر توفير دعم دبلوماسي للفلسطينيين والإسرائيليين في مباحثاتهما الثنائية، ودراسة سبل القيام بمزيد من «الإصلاحات».

إنني أستغرب كثيراً أن يتصور الرئيس الأمريكي أن هذا الكلام يمكن أن يكون مقنعاً للعرب وأن ينطلي عليهم. ولا أجد في وصف المبادرة سوى أنها هزل في موضع الجد، أما الرئيس بوش فقد بدا في خطابه وكأنه محتال يفترض في مستمعيه أنهم مغفلون.

ــــــــــــــــــــــ

الشرق الأوسط

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق