الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وقفات مع دموع غزة..

وقفات مع دموع غزة..
1605 0 437

المجازر الإسرائيلية المتكررة في حق أبناء فلسطين عامة وغزة على وجه الخصوص حري بها أن تثير اهتمام كل عربي ومسلم غيور على عروبته وإسلامه, فهي بالطبع ليست قضية شعب معزول يواجه آلة عسكرية موتورة, ولكنها كانت ومازالت قضية صراع تمتد جذوره إلى الأبعاد العقدية والدينية, راحت تختلط منذ زمن بالوضعيات السياسية المتقلبة داخل الكيان وخارجه لتفرز ذلك الوضع الممجوج.
ومن هذه الرؤية بشقيها العقدي والسياسي يمكن فهم وضعيات الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة وتصعيدها لآلة الدمار والقتل في غزة على وجهها الصحيح دون غبش تتوارى من ورائه جذور المعركة وحقيقة الصراع وهويته, ويظهر في ذات الوقت الأبعاد السياسية والعسكرية الدافعة لمثل هذا التصعيد.
القتل وسفك الدماء.. عقيدة اليهود:
فعلى الجانب العقدي والديني فان القتل على الهوية الدينية والعرقية هو سمت أصيل في عقيدة اليهود اليوم وموروثاتهم التي تلقفوها من سلفهم الغابر, حبًا وعشقًا في سفك الدماء والفساد في الأرض, فمن يتتبع تاريخ اليهود قريبه وبعيده سيستفزه هذا الحقد الأسود الدفين على الحياة وعلى الحضارة كعقيدة راسخة لدى هذه الطائفة, وسيجد من الوقائع الماثلات ما يؤكد استمرارية عقده السعي للفساد في الأرض والإيغال في سفك الدماء الطاهرة. 
وهذا الوصف الذي أشبعت به نفسيه اليهود وعقيدتهم, هو مجال الافتخار والنشوة بينهم, حتى نجده سافرًا في ذلك الكتاب المنسوب إليهم والموسوم ببرتوكولات حكماء صهيون حيث يقول أوسكار ليفي: "نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه، ومحركي الفتن فيه وجلاديه".. وسواء صح ذلك النقل أم لا, فإن الواقع يصدقه على كل حال.
ومن قبل حكى القرآن عن تلك النفسية الشاذة المعوجة التي لا تعرف من الحب إلا محبة الشر ولا من الأعمال إلا الفساد ولا من وجودها هدفا إلا سفك الدماء, قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:204 ,205]
فما يقع من مجازر في الأرض المحتلة لا ينبغي فصمه عن هذا الواقع النفسي والعقدي, فحبهم الفساد وسفك الدماء لا يعادله شيء إلا حبهم الحياة الدنيا.. فهو غرس متأصل في تلك النفسية.. نفسية اليهود الذين طغت عليهم شقوتهم قبل فسفكوا دماء الأنبياء والمرسلين, ولن يعرفوا الآن ورعًا ولا زهدًا في الفساد يدعوهم لحقن دماء أبناء غزة والضفة وغيرهما ما لم يكن هناك رادع يلجم هذا الاعوجاج والتعطش للدماء الزكية الطاهرة ويردها عن غيها وشرها المستطير.
الأبعاد العسكرية للعدوان المتصاعد على غزة:
أما من الناحية العسكرية فان القيادة العسكرية الإسرائيلية تتهيب الدخول البري والالتحام المباشر مع بواسل المقاومة في قطاع غزة بعد سيطرة حركة حماس, في يونيو من العام الماضي وتخشى من مفاجآت غير سارة توقعها في مأزق جديد وهي مازالت بعد تتخبط من جراء الهزات التي أحدثتها مواجهاتها الأخيرة في لبنان في صيف 2006, والتي أظهرت القدرة العسكرية الإسرائيلية بوضعية هشة ودون رتوش ومسوحات البطولة الزائفة والقوة التي لا تعرف معنى القهر والهزيمة وأزاحت عنها ما تراكم في الذاكرة العربية من خيالات على مدار التاريخ.
فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية تدرك قبل غيرها أن وضع غزة بات اشد بأسًا وقوة وأنها أبدًا لن تكون معركة من طرف واحد تدخل فيها متى أرادت وتنسحب منها متى شاءت, ولكنها حتمًا ستتألم وتذوق مرارة الموت, ولن تخرج سالمة ولا غانمة إلا بجراح جديدة تزيد من تهاويها وسقوطها وفقدان الثقة الجماهيرية في قدرتها مجددًا.
وقد نقل المعلق العسكري للقناة الإسرائيلية العاشرة إيلون بن ديفيد هذه المخاوف عن مصدر عسكري كبير, مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية ترجئ العملية البرية الواسعة لعدة أسباب، منها ما يرتبط بالاعتبارات العسكرية الميدانية, وبتقرير لجنة التحقيق في حرب لبنان الوشيك.
وإزاء هذا التخوف تغيرت الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية من حرب مواجهة مفتوحة غير مضمونة العواقب واجتياح بري مسكون بالمخاوف والمحاذير إلى حرب استنزاف طويلة من خلال الطائرات الحربية والصواريخ الموجهة لتفادي أيه خسائر بشرية في صفوف الجيش, واستنزاف طاقة حركات المقاومة في مواجهات يومية تعوقها عن التخطيط والاسترسال في الاستعداد للمواجهة وتقليص بنيتها البشرية إلى الحد الأدنى.
وتأتي تلك الحملة كذلك في جانب عرضي منها لامتصاص صدمة الغضب التي يشعر بها المستوطنون خاصة في سديروت التي تتلقى قبل غيرها صواريخ القسام والتي فشل الجيش في التصدي لها حتى اللحظة, وهو ما دفع المعلق العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية رون بن يشاي لاعتبار الهجوم الدموي على غزة انعكاسًا لضغوط تمارسها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على المستوى السياسي لتحسين وضعيتها وصورتها عند المستوطنين, خاصة وأن وزير الحرب باراك يعد نفسه ليكون الخليفة المنتظر لأولمرت.
الأبعاد السياسية للعدوان الإسرائيلي على غزة:
أما من الناحية السياسية فثمة أهداف من وراء ذلك التصعيد تكمن في رغبة رئيس الوزراء إيهود أولمرت في الاحتفاظ بتحالفه الهش ومحاولة تثبيت الفارين من مركبته الغارقة وفي مقدمتهم ما يسمى باتجاهات اليمن الصهيوني داخل حكومته التي تتهمه بالتردد في حسم الموقف من غزة والمضي في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية.
فقد سبق ولوح أفيغدور ليبرمان رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" بالرحيل اعتراضًا على توجهات أولمرت وتردده في حسم المعركة مع غزة, ولكن لم يشفع التصعيد في إثنائه عن عزمه, ورحل بالفعل عن تحالف أولمرت المتداعي, وخسر بذلك أحد عشر عضوًا بالبرلمان الإسرائيلي "الكنيست", وهو ما يعنى انخفاض عدد نواب كتلة الائتلاف التي يتزعهما إلى سبعة وستين عضوًا.
ورغم أنه ما زال يتمتع بأغلبية كافية في الكنيست إلا أن هذا الانسحاب يقلص قدرته على المناورة; كما أن هذا الانسحاب قد يعني اضطرار حكومته إلى إجراء انتخاب مبكرة, وهو ما يتحاشاه أولمرت في ظل شعبيته المتهاوية, ووجود منافسه قوية من باراك.
ولا يمكن فصل الرغبة الإسرائيلية التي تصادف قبولاً من السلطة الفلسطينية في زيادة الضغوط على حركة حماس بعدما فشل الحصار في النيل من الحركة ومن عزمها على التمسك بثوابت القضية الفلسطينية التي تراهن عليها السلطة الفلسطينية في مفاوضاتها العبثية عما يحدث حاليًا في غزة.
فقد توقعت "إسرائيل" ومعها بعض القوى الفلسطينية المعارضة لمنهج المقاومة أن حماس لن تصمد أمام الحصار المضروب على القطاع بضعة أشهر وسينهار الأمر داخليًا وتجد الحركة نفسها بعد ذلك في مأزق سياسي وعسكري, ولما فشلت تلك التوقعات والأحلام كان لابد من استغلال التصعيد العسكري على نطاق واسع لزيادة الضغوط على الحركة لجرها إلى تسليم القطاع ليتسنى للسلطة القيام بالشق الأمني من خارطة الطريق والذي يقضي باجتثاث حركات المقاومة ووقف نموها وهو ما تسارعت وتيرته في الضفة بينما نجت منه إلى الآن غزة البعيدة عن قبضة السلطة الفلسطينية.

وأخيرًا نقول: نعم بكت غزة ليلة المجزرة الإسرائيلية ببكاء محمود الزهار الذي فقد ابنه الثاني في خضم المعركة مع اليهود, ومثله بكي كل من فقد ولدًا أو أبًا أو أخًا, ولكنها أبدًا لم تكن دموع الانكسار والانحسار.. ولكنها دموع توقد مشاعل الكفاح الذي لا ينثني ولا يعرف الوقفات ولا التراجعات وفي نورها تمضى القافلة المجاهدة لا تلوي على شيء إلا تحرير الأرض واسترداد العرض, ولن يلوح الفجر إلا من رحم الدجى.

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق