الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فلسطين الجريحة.. بين الشلل العربي والتواطؤ الصهيوأمريكي

فلسطين الجريحة.. بين الشلل العربي والتواطؤ الصهيوأمريكي
2723 1 515

ارتفع حصاد الاجتياح الذي قامت به القوات الصهيونية على حي الزيتون شرق مدينة غزة والخليل حتى الآن إلى 37 شهيدًا، وأكثر من 45 مصابًا معظمهم من كتائب الشهيد عز الدين القسام، من بينهم حسام الزهار القائد الميداني بكتائب القسام ونجل الدكتور محمود الزهار عضو القيادة السياسية لحركة حماس.

وأكد الدكتور الزهار خلال زيارته لجثمان نجله وهو يرقد في ثلاجة مستشفى الشفاء على أنه لا فرقَ بين شهيدٍ ارتقى وآخر، فكلهم فداءٌ للوطن، مؤكدًا أن دماء ابنه حسام الذي ارتقى شهيدًا صباح يوم الثلاثاء (15/1) في قصف صهيوني "فداءٌ للوطن ولفلسطين وللأقصى"، وأكد أن المجزرة هي إحدى نتائج زيارة بوش للمنطقة، وأن الشعب الفلسطيني سيدافع عن نفسه بكل الوسائل حتى تحرير كامل الأرض من البحر إلى النهر.

والذي يؤلم النفس ويزيدها آلاما، ليس همجية هذه المجزرة فحسب، فهي ليست جديدة على أخلاق الصهاينة المحتلين وممارساته، وليس تواطؤ القوى الكبرى في الشرق والغرب، وليس صمت المجتمع الدولي ومنظماته، ولكنه في حال الشلل والصمت العربي عن اتخاذ أي فعل حقيقي وجاد يوقف المحتل عند حدوده، ويشعر الفلسطينيون بانتمائهم العربي والإسلامي.

فتدمير غزة، ليس مسئولية الكيان الصهيوني وحده، وإنما بالأساس هو مسئولية حال التيه التي تغط فيها الأنظمة العربية منذ ثلاثة عقود، وجرت في خلفيتها الكثير من جرائم الاحتلال ومجازره بدءًا من صبرا وشاتيلا وانتهاء بمجزرة غزة الآنية.

وإذا كان الحصاد المر طيلة العقد ونصف العقد الماضيين، هي السمة الرئيسية للحقوق الفلسطينية والعربية، فقد حقق الكيان الصهيوني خلالهما ما لم يقو عليه منذ احتلاله لفلسطين قبل أكثر من نصف قرن. ولعل أخطر ما حققته هو إحداث قطيعة معرفية وسيكولوجية في مفردات الصراع مع العالم العربي، حتى وصل الأمر إلى إقناع العالم بعدالة همجيته وغزوه لمنازل الفلسطينيين، وانتهاك أدميتهم.

فلم يعد السؤال يدور الآن حول كيفية وقف هذه الهمجية، ولكنه بالأحرى يرتكز حول ما الذي أوصلنا إلى هذه الدرجة من الخنوع والقبول بما يقرره الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية؟ وهو سؤال يدرك الكثير منا إجابته، ولكننا نؤثر دفن الرؤوس في الرمال حتى لا يعاتبنا الفلسطينيون على صمتنا المطبق.

ولعل الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس الأمريكي بوش للمنطقة ضمن عناصر الخطة الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية للرئيس عباس خير دليل على ذلك، فحديث بوش عن عزمه العمل نحو إقامة دولة فلسطينية ما هو إلا أكاذيب واهية. وقوله العجيب في هذا السياق إن حماس تنتهج التطرف والقتل ووصفها بالإرهاب، ودعا الفلسطينيين لتبني توجه عباس السلمي!!

يُذكر أن بوش اطَّلع أثناء زيارته الكيانَ الصهيونيَّ على خطة موسَّعة للهجوم على غزة، يدور الحديث فيها عن استخدام هجمة متحركة وثابتة وشرسة لعزل المناطق القريبة من السِّيَاج الصهيوني، والتي تزعم قواتُ الاحتلال أنها تُستخدم لإطلاق الصواريخ تجاه مغتصبات الاحتلال في كل مرة عن باقي المناطق.

وأكدت حركة حماس على أن "هذه الجرائم لا تُخيف الشعب الفلسطيني، وستستمر حماس مع غيرها من القوى في توفير الحماية للشعب الفلسطيني والدفاع عنه، وإن مراهنات الأمريكان والاحتلال والسلطة على إضعاف حركة حماس عبر هذا الحصار والعدوان لن تفلح في كسر إرادة الحركة أو دفع الشعب الفلسطيني للتخلي عن حقوقه، وستُثبت الأيامُ أن كل هذه المراهنات وهْمٌ سيتبدَّد مع ثبات الحركة وقوتها".

وفي ظل كل هذا نجد أن الرأي العام العربي والضمير العربي غائب وجامعة الدول العربية لم تجتمع ولم تبادر للدعوة إلى اجتماع إلا بعد أن تم التلويح لها بضرورة أن تبادر على الأقل ولو من باب حفظ ماء الوجه ورفع العتب. نحن أمام مشاهد ستحفظها الذاكرة العربية وينبغي أن تحفظها.

لقد تآمر الكل على حماس، وأصبح الجندي المعتدي الأسير، قضية العرب والعالم، وقضية بعض قادة السلطة الفلسطينية الذين استثمروا ذلك سياسياً، وأخذ المتفاهمون معهم في الطرف الصهيوني يدعونهم إلى القفز إلى المتفق عليه وتطبيق وثيقة جنيف، وتناسوا آلاف الفلسطينيين في سجون الاحتلال والسلطة.

إن الظروف تشير بوضوح إلى تواطؤ محكَم ونسيج سام ضد حماس وسلطتها وضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

كل هذا والعرب في حالة صمت وشلل، وإن ارتفع فصوت سياسي باهت غريب مريب يدعو لحياد بارد ويقول بعقلانية لا تستشعر حال الجسد ولا ألم الجرح ولا معنى الكرامة ولا مبدئية التضامن الإنساني، صوت يقول إنه محايد لا يدافع عن الفلسطينيين ولا يريد أن يدافع عنهم، ولكن " إسرائيل" التي تربطنا بها علاقات لا تقوم بما ينبغي من ضبط النفس، من حقها أن تحافظ على الأمن وأن يشعر مواطنوها بالاطمئنان...؟!

ولكن ما الذي يستطيع أن يقوله المرء في مثل هذه الحالة البائسة التي وصلت إليها سياسة وحصافة وثقافة وإعلام في أمة العرب؟ هل يستنهض المرء الأمة أم يستنهض المقاومة أم يبكي على الأمة والمقاومة معاً؟ ببساطة مطلقة لا يمكن للشعب الفلسطيني أن يتنازل عن أرضه وحقوقه وحياته من دون ردة فعل ومقاومة للقتل على الأقل، ولا بد من أن يدافع عن نفسه ودمه وإرادته بكل الوسائل المشروعة.

نحن أمام وقائع عربية أصبحت شبه مسلمات فمعظم الأنظمة العربية تعيش حالة بؤس سياسي وتنظيمي وعسكري واقتصادي وإعلامي وثقافي، وهناك تواطؤ يجعل المخيم الفلسطيني ذاته لا يتحرك لنصرة ابن الشعب الفلسطيني المحاصر والمقتول والمقهور في السجون. ولا يرتفع صوت مع القضية أو مع الحق أو مع المقاومة والكرامة، ولا ينصر أحدٌ الدم البريء، ولا المرأة والطفل في سجون العدو.
وبهذا أصبحنا نسير في الطرق التي تُرسَم لنا، ولا نخرج عن المدارات التي تخطها أيدي الأعداء لتحدد لنا مسارات تحركنا.

من يقول إن على الحكام العرب، في أوضاعهم الحالية ومعطيات العصر من حولهم، أن يُشهروا سلاحهم في وجه من استباحهم.. يخطئ، ذلك لأن حسابات الحكام اليوم عقلانية.. واقعية إلى أبعد الحدود، ولكنهم أوصلونا عمليًا إلى حالة من الضعف تجعل حسابات المواجهة خاسرة بالمنطق العقلاني.. وتجعل منطق الاستكانة والذل عقلانياً وفق مقاييس الضعفاء.

فالرأي العام العربي غير موجود، والسياسة العربية في جيب أعداء الأمة، ومشاريع الإستراتيجية العربية غائبة ومغيّبة، ومطلب التضامن العربي حتى في أدنى درجاته صار أحد أحلام المتمسكين بمستقبل عربي منشود. فيا له من زمن عربي رديء.

حتمية المقاومة المشروعة
لم يبق أمام الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية إلاّ اللجوء إلى المقاومة بكافة أشكالها بما فيها اللجوء إلى العمليات الاستشهادية لكنس الاحتلال الصهيوني البغيض، والقضاء على إرهابه وعنصريته، وتدمير المستعمرات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية، واستعادة الأرض والممتلكات والثروات والحقوق المغتصبة.

إن ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها وبمبادئ وأهداف الشرعية الدولية تدفع جميع الأعمال العدوانية كالغزو والاحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية للدول والاستعمار الاستيطاني بالإرهاب، وتؤيد حق الشعوب والأمم في مقاومة الاحتلال وحق تقرير المصير ونيل الاستقلال الوطني، وتدين الإمبريالية والعنصرية والصهيونية، وتؤكد على عدم شرعية احتلال أراضي الغير بالقوة وتحرّم استخدام القوة والحروب العدوانية كأداة لفرض سياسات معينة أو الحصول على مكاسب إقليمية أو إجبار المغلوب على أمره توقيع اتفاقيات إذعان كما حصل في لاهاي عام 1919 وفي أوسلو 1993.

كما تستند شرعية المقاومة الفلسطينية إلى عدم شرعية الكيان الصهيوني وإلى عدم شرعية الاحتلال والحروب العدوانية والمستعمرات الصهيونية، وإلى حق الدفاع المشروع عن النفس وعدم القبول بالواقع الذي ينتج عن استخدام القوة.

لذلك فإن الشعب الفلسطيني بتبنيه للمقاومة هو في حالة الدفاع المشروع عن النفس في مواجهة الهولوكوست الصهيوني ومن أجل تحرير وطنه وسيادته واستقلاله.

كما أن العمليات الاستشهادية تجسد هذه الظاهرة وهي من أنبل الظواهر التي ظهرت في تاريخ النضال العربي والإسلامي للتصدي للاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وينفذها أبطال يقدمون حياتهم في سبيل شعبهم وأمتهم وعقيدتهم، ليس هربًا من الحياة بل حبًا في الحياة الحرة الكريمة، فهم اختاروا خط التضحية والفداء والشهادة لتحقيق أفكارهم وتحرير شعبهم ونيل ثواب الآخرة.

لقد ظهرت وتصاعدت العمليات الاستشهادية بعد تكالب الاحتلال على بناء المستعمرات الصهيونية، وتهويد المقدسات الإسلامية، وبعد توقيع اتفاقيات الإذعان في أوسلو، وبعد استخدام العدو الصهيوني الأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً.

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

مقالات و تحليلات

فلسطين الجريحة.. بين الشلل العربي والتواطؤ الصهيوأمريكي

ارتفع حصاد الاجتياح الذي قامت به القوات الصهيونية على حي الزيتون شرق مدينة غزة والخليل حتى الآن إلى 37 شهيدًا،...المزيد