الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فلسطين... أسوار مآلها الانهيار

1668 0 424

تحطيم الحدود بين مصر وغزة غيّر كثيراً من المشهد السياسي في المنطقة، وأفشل كثيراً من المخططات، فكيف قرأت الصحافة الإسرائيلية هذا الحدث؟ في مقال نُشر في "هآرتس" يوم 28 يناير الماضي، يبين "موشيه آرنس"- وهو من كبار الاستراتيجيين الإسرائيليين، وكان وزيراً سابقاً للدفاع- المقدمات التي انطلقت منها النخبة الحاكمة في "إسرائيل"، حين قررت فرض الحصار على الفلسطينيين: "عندما جاءت سيطرة حماس على غزة وإطلاق الصواريخ الكثيفة على "إسرائيل" بعد فك الارتباط، أصرت حكومة أولمرت على وجوب معالجة المشكلة من خلال سلاح الجو والهجمات المؤقتة محدودة النطاق على قطاع غزة. وعندما لم تؤد هذه العمليات إلى إيقاف الإرهاب ضد سكان سديروت، ادعى أولمرت ووزير الدفاع الجديد إيهود باراك بأن زيادة هذه العمليات ستؤدي إلى حل المشكلة".

"بعد ذلك جاء دور النظرية التي أُخذت من الكتب الدراسية في الاقتصاد: "إسرائيل" ستحدد ثمن العمليات الإرهابية الفلسطينية حيث سيكون هذا الثمن باهظاً جداً. المخربون في القطاع سيقومون بتحليل الوضع ويتوصلون إلى الاستنتاج بأنهم خاسرون، فيتوقفون عن إطلاق النار. ولكن اتضح أن الإرهابيين في القطاع يستخدمون كتب اقتصاد مختلفة. كلما قُتل فلسطينيون أكثر، كلما ازداد عدد الصواريخ التي تطلق على سديروت. وعندها بدأت تطرح اقتراحات فضائحية: كل هجمة صاروخية، ستُقابل بتدمير مناطق معينة في القطاع، وطُرحت شعارات حمقاء من قبل وزراء كبار في الحكومة مثل: إنْ كان أطفال سديروت لا يستطيعون النوم في الليل، فلن يكون بإمكان أطفال غزة أن يناموا".

"وأخيراً جاءت الحماقة الكبرى: فرض الحصار على غزة لمنع إمدادات الوقود والأغذية عن السكان، وعندئذ سيقوم المواطنون بالتأكيد بالضغط على المخربين لإيقاف هجماتهم". ولعل الموضوع الأساسي المتكرر في الصحف الإسرائيلية أن "الأسوار مصيرها الانهيار مهما كانت عالية"، كما جاء في مقال "جاد شمرون" (معاريف 28 يناير 2008) الذي بيّن أنه من اللحظة التي خرج فيها الجيش الإسرائيلي من غزة، كان انهيار سور رفح حدثاً متوقعاً مسبقاً، إذ إن التاريخ يدل على أن الأسوار مهما كانت عالية، فمصيرها الانهيار حين يحرسها حراس تعوزهم الدوافع. فقد حصل هذا في سور الصين العظيم، وحصل في برلين قبل 19 سنة، ومع ذلك، فقد فوجئت حكومة "إسرائيل"، وفوجئ الجيش الإسرائيلي عندما فجّر بعض الحماسيين السور".

وتتكرر الفكرة نفسها، أي حتمية انهيار الأسوار أمام الجوعى، في مقال بقلم "يوفال البيشان" (معاريف 27 يناير 2008)، فهو يقول: "من سمع أصوات أولئك الناس البسطاء، رأى حقيقة إنسانية بسيطة نسيها متخذو القرارات ومقررو المصائر. والحقيقة هي أنه لن يوجد أبداً سور يستطيع أن يوقف إنساناً يقرقر بطنه ولا يوجد له شيء يخسره. حتى لو كان ذلك جداراً هو الأشد إحكاماً، وإلى جانبه كتائب جنود ذوي خبرة، فلن يساعد الأمر. لن يوقف شيء إنساناً فقد كل أمل ليحسن حياته في الطريق إلى المكان الذي يلوح أنه الحل الوحيد لما يعانيه من ضيق. فالضرورة قوة باعثة عظيمة". ثم يرسم الكاتب صورة للخريطة الإدراكية التي تحدد مجال الرؤية للمستعمرين فيقول: "يؤمنون في "إسرائيل" وفي الولايات المتحدة كما في جنوب أفريقيا سابقاً، بالأسوار إيماناً شديداً. فهم يقيمون جدراناً عالية بين البلدات المنعمة في النقب وبين البدو الفقراء، وينشئون في يافا أحياء مسورة تسويراً جيداً للأثرياء فقط، ويستأجر أصحاب الأموال خدمات حراسة خاصة، لإبعادهم من أولئك الذين لا يملكون شيئاً تقريباً. فالفقر والضيق يبقيان في الجانب الثاني، لا يراهم أحد من أولئك المسؤولين عنهم، وهكذا ينشأ وهْم أن الحياة المرفهة للمستغلين يمكن أن تستمر إلى الأبد. بيد أن التجربة الإنسانية، كما قيل آنفاً، تعلمنا أن هذا وهم، إذا ما دفعتَ من هو أضعف منك دفعاً زائداً إلى وضع لا يكون لديه فيه ما يخسره، فإنه سينهض آخر الأمر ويعمل عملاً: سينقض على مزرعتك، ويغتصب امرأتك ويفجر دارتك. لهذا، فإن قصة انهيار السور في غزة، هي قبل كل شيء قصة إنسانية بسيطة ودرس اجتماعي واضح: لن ينمو أي مجتمع إذا نشأت حوله جزر من الفقر والضيق، ولن يخفيها أي جدار. هذا أهم درس يجب أن يتعلمه متخذو القرارات في "إسرائيل"".

 وتؤكد أسرة تحرير "هآرتس" في افتتاحيتها يوم (25 يناير 2008) أن "الحصار في غزة فشل" فتبيّن "أن مئات الفلسطينيين يتدفقون على رفح المصرية ويهزأون من السياسة الإسرائيلية في الدفاع، بينما تنجح حماس في عملية مخططة جيداً في أن تنزع عنها الحصار وتكسب عطف العالم، وتُنسي الناس نار القسّام على سديروت". "رئيس الوزراء يتحدث عن الحاجة إلى مواصلة الحصار على غزة، والحكومة تعرب عن خيبة أمل من مصر، وكأنه كان هناك أي احتمال في أن يعمل المصريون على حماية مصالح إسرائيلية في محور فيلادلفيا ولا يفكروا قبل كل شيء في مصالحهم. لقد فشل الحصار على غزة، الذي أعلنت الحكومة قبل أسبوع فقط بأنه يعطي ثماره".

"لقد نجحت حماس في عملية مخططة جيداً في أن تنزع عن غزة الحصار، وتكتسب عطف العالم وتُنسي الناس نار صورايخ القسّام على سديروت. إن نار القسّام مستمرة، أما سياسة العقوبات على غزة فقد انهارت، وحماس تتعزز سياسياً في الداخل والخارج، وواضح للجميع أن إعادة إقامة الحدود في فيلادلفيا من دون موافقتها ستكون متعذرة. الحرج الذي تتميز به ردود فعل "إسرائيل" الرسمية في وسائل الإعلام الدولية يدل على أن التطورات في قطاع غزة أصابت حكومة "إسرائيل" بالذهول".

ويتنبأ ناحوم برنياع في مقال بعنوان "الجوع لن يهزم حماس بل العيش بكرامة" (يديعوت أحرونوت 28 يناير 2008) بأن "السهولة التي انهارت بها الحدود في رفح ستؤدي في وقت ما إلى مسيرة مشابهة تجاه الجدار في كيسوفيم، أو نير عام أو ياعر باري (أي نحو فلسطين المحتلة قبل عام 1967). ولا يوجد جوانب لدى الجيش الإسرائيلي على مسيرة جماهيرية كهذه، على رأسها يقف نساء وشيوخ وأطفال. فهل سيطلق الجنود النار عليهم؟ هل سيطاردونهم إلى داخل سديروت؟ نحن سنرى في السائرين عدواً نهض لإبادتنا. أما العالم فسيرى فيهم لاجئين عادوا إلى ديارهم".

"انهيار الحدود بين سيناء وغزة يعرض للخطر العلاقات الهشة بين مصر و"إسرائيل". بعض من الأدمغة الواهية في وزارة الدفاع سخفت مشهد الجماهير الفلسطينية التي تتدفق إلى العريش ورفح وقالوا: أصبح القطاع الآن هو مشكلة المصريين وليس مشكلتنا. وهم لم يفهموا أنه بالنسبة للمصريين فتسلل الفلسطينيين إلى سيناء هو مجرد مصدر قلق. أما بالنسبة لنا فهو مشكلة أمنية خطيرة، ليس لها في هذه اللحظة جواب. حالياً، الجهة الوحيدة التي خرجت كاسبة من الحصار على غزة هي حماس فقد تعززت مكانتها وامتلأت مخازنها. رعاياها يكنون لها الإحساس بالجميل. العالم العربي معجب بها. بكلتا يدينا أعطينا حماس هذا النصر".

والله أعلم.

ــــــــــــــــ

الاتحاد الإماراتية

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق