الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان من جبهة علماء الأزهر حول الكوارث الأمريكية وتداعياتها المؤسفة

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:20/04/2002
  • التصنيف: وثائق
  •  
1032 0 397


القاهرة 4 رجب 1422 - 21 سبتمبر 2001

بدءاً تعلن جبهة علماء الأزهر - باسم الإسلام - أن الإسلام لا يجيز سفك دماء الأبرياء، ولا ترويع الناس أيًّا كانت عقائدهم وانتماءاتهم، كما أنه لا يجيز - بل ويجرِّم - الاعتداء على الأهداف المدنية، ولو كان ذلك في حالة حرب دفاعية ما دامت لا تتصل تلك الأهداف اتصالاً مباشرًا بالحرب.

ولقد كان الإسلام بحق هو أول من شرع حرمة الأهداف المدنية، وقرَّر حرمة الدماء إلا في قصاص أو حدّ، ولم يُجز قتالاً إلا من قاتل وحمل السلاح، وكان هو أول من فرَّق بين من حمل السلاح وقاتل وبين غيره، والقرآن الكريم دعا المسلمين جميعًا إلى الدخول في السلم فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين"، وجعل قتل النفس الواحدة ظلمًا بمنزلة قتل الناس جميعًا ظلمًا، فقال تعالى: "... أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا".

فالإسلام وهو دين الحق والسلام بريء من كل أنواع العنف والإرهاب، ودم غير المسلم فيه مصون كدم المسلم، وحتى لو حدث تجاوز من مسلم حاكمًا أو غير حاكم، فالإسلام يؤثمه ويعاقب عليه، والفاعل هو المسؤول وحده عن تجاوزه وليس الإسلام.

لذلك فإن جبهة علماء الأزهر تدين بكل شدَّة وصرامة وحسم ما وقع في بعض المدن الأمريكية من تدمير المنشآت، وإزهاق الأرواح الآمنة، وإشاعة الرعب والفزع بين الآمنين.

والجبهة إذ تعلن ذلك فإنها تحذِّر كل التحذير من إلصاق التهم بالعرب والإسلام والمسلمين جزافًا، فالمسلمون الآن هم الذين تراق دماؤهم، وتنتهك حرماتهم، وتدنس مقدساتهم، وتسلب حقوقهم، وتدمر منازلهم، وتحرَّق حقولهم، وتُسَدُّ أبواب الرزق في وجوههم، بل وتسلط عليهم أسلحة الدمار وهم آمنون، كل ذلك تحت مرأى ومسمع من أنظار العالم وآذانهم، دون أن يتحرك العالم لإنقاذ المعتدى عليهم ولو من الأطفال أو الشيوخ أو النساء.

حدث هذا في البوسنة والهرسك، وحدث ويحدث في الشيشان ولا يزال يحدث، وحدث في ألبانيا، وحدث ويحدث في فلسطين، وقد صمتت قوى العالم ومؤسسات الأمم المتحدة عن هذا كله، ولم يحدث أي ردعٍ لإسرائيل التي بلغت المدى، وأوفت على الغاية في العسف والإجرام، وهي تمتلك من أسلحة الدمار الشامل ما لا يخفى لا على بريطانيا، ولا على فرنسا، ولا على دول العالم وزعمائه خاصة أمريكا ومؤسسات هيئة الأمم. وإن حجم الإرهاب والعنف الذي قامت وتقوم به إسرائيل لا يقل شناعة وإجرامًا عما حدث في واشنطن ونيويورك.

فالمسلمون الآن هم المعتدي عليهم وليسوا هم المعتدين، ويكفي أن نصيبهم مما أصاب الآمنين في تفجيرات نيويورك وحدها هو الأعلى حتى الآن، (700 قتيل مسلم في تفجيرات نيويورك، على ما ذكرت الواشنطن بوست) في الوقت الذي غاب عن مبنى التجارة العالم أربعة آلاف موظَّف يوم التفجير كلهم من اليهود.

إن الجبهة إذ تستنكر بكل شدة إلصاق ما حدث في أمريكا بالعرب والمسلمين قبل ظهور أدلة قاطعة، تؤكد أن الوقائع تصدقها وتساندها فيما تذهب إليه، فبالإضافة إلى ما سبق فإن ما حدث في أمريكا شيء مذهل يفوق قدرات العرب والمسلمين؛ لأنه ثمرة إعداد تقني عالي المستوى، لا تملك أسبابه دولة عربية أو إسلامية، ولا يملكه العرب والمسلمون جميعًا، فضلاً عن أن يملكه فرد مهمًا كانت ثروته، وأمريكا والغرب والعالم كله يعرف ذلك أكثر مما نعرف عنه.

كما تستنكر جبهة علماء الأزهر الدعوة إلى تحالف الدول العربية والإسلامية مع أمريكا لضرب ما أسمته بمكافحة الإرهاب والدول التي تؤويه، بعد أن انفردت أمريكا وحدها بتحديد المقصود من الإرهاب وتعريفه، حتى صار المقصود من هذا الإرهاب دولاً عربية وإسلامية بعينها.

وإن جبهة علماء الأزهر في هذا الصدد تؤيد ما أعلنه السيد محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية من امتناع مصر - حفظها الله - عن الدخول في هذا التحالف، وما أعلنه كذلك من موقف مصر الرافض لتوجيه ضربات عسكرية أمريكية تحالفية ضد الشعب الأفغانستاني المسلم، ولقد كان هذا موقفًا من سيادته سبَّاقًا ندعو قادة الدول العربية والإسلامية جميعًا أن يحذوا حذوه حماية للأبرياء وحماية لأنفسهم؛ لأن مثل هذه الدعوة تشبه كأسًا من الممكن أن تدور عليهم تبعًا لأهواء الدول المتحكمة في هذا التحالف المقترح الذي يسعى لمعاقبة شعب بريء من أجل فرد لم تثبت حتى الآن إدانته، كما أننا ندعو القيادة الأمريكية في هذا الوقت العصيب إلى لزوم التثبت قبل إلقاء التهم على العرب والمسلمين أو الدعوة إلى ما جاء على لسانهم من حرب (صليبية) ضد الإرهاب، فإن هذه كلمة في غاية النكارة ينبغي تصحيحها والاعتذار عنها للأمة الإسلامية، ولا يفوت جبهة علماء الأزهر الناطقة باسم الإسلام أن تطلب من جميع الدول الإسلامية والعربية أن تكون حريصة غاية الحرص – في هذا الوقت العصيب – على أن لا تستخدم في العدوان على جيرانها سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين بغير أدلة في القصاص يقينية ثابتة؛ لأن الإسلام والمصلحة العامة والخاصة توجب على الأمم العربية والإسلامية اليقظة للمخطط الهائل الذي يراد تنفيذه الآن تحت دعاوى مكافحة الإرهاب، وهي مخططات قديمة مجهَّزة لضرب القوى الوطنية والإسلامية في شتى البلاد.

لذلك فإننا ننبه إلى خطورة هذا التخطيط اليهودي الصهيوني الذي ينتهز الأحداث - إن لم يكن هو صانعها - لتوظيفها لأغراضه الخبيثة، ونعتبر ما صدر عن الأزهر الشريف في تلك القضية موقفًا معبرًا عن الحق نتمسك به، وندعو إليه، وندافع عنه، حيث قال فضيلة الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر: إنه إذا قامت الولايات المتحدة بضرب دولة ما دون أن تتثبت فإن ذلك سيكون عدوانًا آثمًا يرفضه الإسلام.

إننا في هذا الوقت ندعو بكل قوة الإدارة الأمريكية إلى التعامل مع قضيتنا الأساسية بفلسطين بروح العدل والإنصاف، وترك الانحياز إلى العدو الصهيوني الذي هو رأس الإرهاب الآن في العالم كله، كما ندعوها أن تبذل قُصارى جهدها في الكشف عن من اعتدى عليها ولو كلفها وقتًا طويلاً؛ لأن ذلك من ضروريات العدل والإنصاف. إننا إذ نستنكر الاعتداء على الأبرياء في كل مكان لا نقبل الاعتداء على الأبرياء من أمتنا مهما كانت الدواعي والظروف.

إن الإرهاب لا يقاوم بتعميم الإرهاب، وإنما يقاوم بتوفير العدالة للمظلومين، واحترام حقوق الشعوب في بلادها وديارها، وشدِّ أزر المستضعفين، وتوفير الأمان للخائفين.

إننا إذ نطلب بأن تكون الأرض العربية والإسلامية بمنأى عن المساعدة في العدوان على الأبرياء، سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين؛ لنذكر بأن الإسلام يحرِّم أشد التحريم على أتباعه أن يعينوا على إخوانهم ولو بشطر كلمة، ومن فعل ذلك بأي وسيلة من الوسائل فهو واقع في أشدِّ المحظورات الإسلامية وحسابه على الله، ثم على الشعوب التي لن تفرط في روابطها الدينية بأي شكل من الأشكال.

إننا نحذِّر قادة الشعوب من هذا المصير المروِّع، ونسأل الله جلَّ جلاله أن يحمي هذه الأمة من كيد الكائدين، وأن يوفِّق قادتها وزعماءها إلى أن يسيروا بها على الطريق المستقيم.

وختامًا نذكِّر بقول الله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب". صدر عن علماء الجبهة وأئمتها صبيحة الجمعة 4 من رجب الفرد 1422هـ، الموافق 21 من سبتمبر 2001م، ووقع عنهم:



أ.د. العجمي دمنهوري خليفة
أ.د. علي يوسف السبكي

أ.د. حسن يونس عبيد
أ.د. حسن جبر

أ.د. سعيد أبو الفتوح البسيوني
أ.د. عبد الستار فتح الله سعيد

أ.د. فرج الوصف
أ.د. محمد أنور بيومي

أ.د. فرج الله عبد الباري عطا الله
أ.د. محمد عبد المنعم البري

أ.د. عبد العظيم المطعني
أ.د. أحمد محرم الشيخ ناجي

أ.د. مروان مصطفى شاهين
أ.د. يحيى إسماعيل أحمد


أ.د. محمد السيد جبريل


مواد ذات صلة



تصويت

تربية الأبناء على أسس سليمة تكفل لهم حياة متزنة نفسيا وجسديا من أهم واجبات الآباء و الأمهات. بحسب ما تراه ماهي أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع في تربية الأبناء؟

  • القسوة المفرطة.
  • التدليل الزائد.
  • الانشغال الدائم و عدم التواصل الكافي.
  • النزاع الدائم أمام الأطفال.
  • غير ذلك.

الأكثر مشاهدة اليوم

وثائق

البيان الختامي للدورة الطارئة التاسعة لوزراء الخارجية

(الصادر في الدوحة في 23 رجب 1422هـ - 10 أكتوبر 2001م)بدعوة كريمة من صاحب السموّ الشيخ "حمد بن خليفة آل ثاني" أمير دولة قطر رئيس المؤتمر القمة الإسلامي التاسع عقد وزراء خارجية الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي اجتماعا طارئا في...المزيد