الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار مع : د. الشيخ سلمان الداية

 حوار مع : د. الشيخ سلمان الداية
3355 0 768

في فلسطين تلك البقعة المباركة من ديار المسلمين يعيش علماء أجلاء وطلاب علم فضلاء، نفع الله بهم في أمكنة كثيرة ومدن متناثرة في فلسطين، وكان من بينهم الشيخ الفاضل الفقيه الدكتور سلمان بن نصر الداية؛ عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث عُرِفَ عنه الانقطاع للعلم والاجتهاد في تحصيله والعكوف على القراءة والمطالعة، ونشر العلم الشرعي في فلسطين، مع سَمْتٍ ووقار، وأدب وحِلْمٍ، وحكمة وعقل.
وللشيـخ جهـود علمية مشكورة، ومشاركات إذاعية وفضائية، منها: مشاركته في الفتيا والجواب عن أسئلة المشاهدين في قناة (الأقصى) الفضائية، وكذلك لديه برنامج علمي دعوي تربوي بعنوان: (سفينة النجاة) في قناة (الأقصى) الفضائية، وغيرها من مشاركاته في بعض المجلات والصحف.


وفي هذا الحوار سوف نرى رأي الشيخ سلمان حول بعض القضايا العلمية والشرعية، وبعض الأمور والنـوازل الواقعـة في فلسـطـين من منظور شرعي:

 

* كيف تقيِّم العلم الشرعي في فلسطين واهتمام شباب فلسطين به؟
إن طول سنيِّ الاحتلال لبلادنا وملاحقته لأهل الالتزام وحرصه على تقويض جهود الأشخاص والمؤسسات العلمية بعامة والشرعية بخاصة وإحكام الخناق على المعابر التي تصل فلسطين بالعالم الخارجي؛ أدَّى كل ذلك إلى تأخُّر بلدنا عن غيره من البلاد المسلمة في الإحاطة بالقدر المسعف من العلوم الشرعية، وحَرَمه أن يرعى المعاهدَ الشرعية التي تُعنَى بتعليم الصغار أصول الشريعة وحفظ متون علومها المختلفة، لذا فإن الطالب - عندنا – يبدأ رحلته العلمية بعد حصوله على شهادة التوجيهي (الثانوية العامة) فيكون قد فاته بذلك العمر الذهبي وبُكور الحفيظة، وهو الأمر الذي يجعله وإن تفرغ للعلم ألَّا يبلغ فيه رتبةً عليَّةً واعدةً؛ إلا من شاء الله.
إضافة إلى أن سخونة الظرف، وشدة الأحداث وتتابعها، ووجود المحتل الغاصب؛ كل ذلك فرض على الشباب اهتماماً بلون معين من ألوان الثقافة ذات العلاقة بطبيعة الظرف، فاختلَّ عند طلبة العلم التوازن العلمي الشرعي، وأوجد عندهم فراغاً شديداً في علوم كثيرة كالفقه والأصول والتوحيد والحديث، وانشغلوا بالفكر والسياسة، ومعلوم أن فقر الطالب في العلوم الأساسية يحرمه من أمور كثيرة؛ أهمها: صياغة الشخصية وَفْق مراد الدليل الشرعي لتكون أَشَدَّ ربانيةً وَأَجْلَى بصيرةً لحقائق الأمور.
ومنها: كثرة الاجتهادات المنطلقة من زادٍ قليل يجعلها تَضِلُّ الحق وتتنكَّب المصلحة وتنعكس سلباً على العلاقة بين الناس بسبب المجاوزة في التصرف والسلوك الذي يطال الدين والنَّفْس والعِرْض والمال.
ثم إن اختلاف الموائد العلمية في المدارس الفقهية لدى العلماء في بلدنا؛ لكونهم أخذوا العلم من بلاد شتى؛ على رأسها مصر والسودان، وقليل منهم أخذه من بلاد المغرب والعراق واليمن والشام والسعودية؛ فقد أعوزنا ذلك الدقة في الفهم والإتقان في التربية والعطاء؛ لاختلاف هذه المدارس وتفاوتها في الدقة والإتقان فانعكس ذلك على طلبة العلم بضعف المستوى.
أما عـن اهتمام شباب فلسطين بالعلم الشرعي؛ فالحديث عنه من شقين: أحدهما: يتعلق بالعالِم، والآخر: يتعلق بالطالب.
 أما الذي يتعلق بالعالِم؛ فلقد زهد كثير من حملة الدكتوراه في العلوم الشرعية في العطاء وبطَّؤوا عن المساجد، فأحدث فيهم ضعفاً في المستوى، وأعطى لمن دونهم فهماً وعلماً مبرراً بأن يركب المنابر قبل أن يتأهَّل، وجعل مادة العطاء في الوعظ والقصص بعيدة عن الأحكام والأخلاق التي بها يُشَيَّدُ البنيان.
وأما الذي يتعلق بالطالب فقد استملكت الشبابَ زهادةٌ في طلب العلم حتى عند الطلبة الذين يتلقون العلم عبر المؤسسات الجامعية والمعاهد المتوسطة؛ فإن تَغَيُّبَ الشباب عن المحاضرات العلمية يؤرِّق ولا يَسرُّ؛ فربما كان عدد المسجلـين فـي التخصصات الشرعية ينوف على الستين؛ فلا يحضر ثلث هذا العدد.
أما اهتمامهم بطلب العلم في المساجد فَهُمْ مِنْهُ كأنهم حُمُرٌ مستنفرةٌ فَرَّتْ من قسورة!


* هل خصوصية ما نعيشه سبب لاستنكاف بعضهم عن هذا العلم؟
      لا شك أن خصوصية ما نعيشه سبب لذلك، لكن الأسباب غيره كثيرة، من أهمها: قصور العالِم وجرأة الجاهل وانزواء المنبر في لون من ألوان الحديث وهو الوعظ القصصي الغث والفكر السياسي. وأنا لا أعيب علم السياسة، لكني أعيب تفرُّده وطغيانه على ما هو أهم منـه أو يعدله في الأهمية.
ومن الأسباب أيضاً: كثرة الأحزاب وانشغالها ببعضها، فأضعف الهمم وبدَّد الجهود.


* هل يمكن أن نجد لهم العذر في ذلك؟
      لا أجد عذراً في ذلك أبداً؛ لأن العلم الشرعي وازدهاره في البلاد المسلمة من أعظم أسباب النجاح والتفوق واسترداد الحق السليب وإعادة المجد إلى الأمة؛ فإن العلم الشرعي هو الذي يغذي الأمة بالأكفياء الذين يحرسون ثغورها في مؤسساتها المختلفة بجدارة واقتدار، ويبعث فيهم روح الجِدِّ والاجتهاد والشعور بالمسؤولية، وإذا كان هذا هو العلم؛ فإن أهل فلسطين هم أَوْلى الناس به؛ ليلمُّوا الشعب ويرصُّوا الصف، ويستنهضوا الهمم، ويستفزوا العزائم، وينمُّوا الطاقات، ويوظِّفوا الـمَلَكات، ويستدفعوا العدو بعِلْمٍ صحيح، وفهم سديد، ونظر بعيد، وحكمة صائبة.
نعم! قد تكون هناك أعذار موجودة مع ضرورة عدم تسويغها للقعود، منها: عدم تميُّز العلماء؛ فنحن عندما نعقد مقارنة بين علمائنا وعلماء بعض الأمصار نجد فرقاً كبيراً في المستوى، وهذا له انعكاساته السلبية، ومن الأعذار: طول مدة الاحتلال عندنا كرَّس مفاهيم وعادات وأعرافاً لم نتخلص منها، ومن الأعذار أيضاً: أن ساحتنا انشغلت لسنوات طويلة بالجهاد، والمشغول لا يُشغل و {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: ٤]، فمعظم أوقات الشباب  مستهلكة ومستنفدة في الجهاد في سبيل الله والمقاومة أو فيما يتعلق بالمقاومة من أسباب نجاحها، فليس بالضرورة أن ينشغل الشباب بالمقاومة المباشرة فهناك التوجيه والتخطيط والإعلام.
ومن الأعذار أيضاً: كثرة الجراح والابتلاء؛ فجميع ما سبق يعكس أثراً سلبياً على همة طلابنا؛ فنحن نواجه كثيراً من الطلاب في الدراسات العليا يأتون غير متابعين لدروسهم وغير محضِّرين لها أو نجدهم أحياناً من المقاومين قد أُصيبوا أو أُصيب أخوهم أو أبوهم أو جارهم، وهذا يسرق منهم أوقاتاً تمنعهم من أن يتفرغوا كما يتفرغ الطالب في أيِّ بلد آخر، وهذا ينعكس سلباً على مستواهم العلمي من الناحية الشرعية.


* هل يمكن أن نبرِّر لعلمائنا في فلسطين عدم تفرُّغهم؛ لانشغالاتهم الكثيرة في أمور عدة، ولخصوصـية ما حدث في فلسطين؟
لا أجـد للعـلـماء مبـرراً في انشـغالهم عن الناس؛ أفراداً ومؤسسات؛ لأنه لا شيء يساوي شرف العلم طلباً وبذلاً؛ فإنه عمل الأنبياء والرسل، وهو أحسن العمل. قال - تعالى -: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [فصلت: ٣٣]. وَيُبَلِّـغُ أَعْـظَـمَ الأَجْرِ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لئن يُهدَى بك رجل واحد خير لك من حُمْر النعم» البخاري.
وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -  قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجُورِ مَنْ تَبِعَه، لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ أجُورِهمْ شَيئاً»صحيح مسلم.
ما أكثر الذين يُجَوِّدُونَ في علم الإدارة، والاجتماع، والسـياسـة، وما أقل من يُتْقِنُ علم الشريعة فهماً وعملاً، فليـس من الحـكمة ونـور البصـيرة أن يـدع المرء ميراث النـبوة لينـشغل في أمـور يتـقـنها كـثـير مـن الناس، قال - تعالى -: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: ١٦]، ألم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»سنن أبو داود؟
فليت شعري لو أن نصحي هذا يبلغ العلماء في فلسطين وغيرها من البلاد بأَنْ لَّا يُؤْثِرُوا على العلم شيئاً، ولا يركنوا لترشيح الناس إياهم في إدارة المؤسسات وقيادتها؛ لأنه من الطبيعي جداً أن الذي يحدِّث الناس حديث الدين ويعلِّمهم عبادة رب العالمين أن يكون له في قلوبهم موقع، ويحظى عندهم بعالي الثقة، ويقدموه في كل ميدان؛ لأنهم يظنونه الأكفأ في قيادة المؤسسات على اختلافها؛ علمية وإغاثية وخدماتية، فهذا فهم الدهماء ولا يبلغ دقة العلماء، فإن الذين يُجَوِّدُونَ في هذا الميدان كثير، لكن الذي يُجَوِّدُ في العلم على مدى الأزمان قليل قليل.
وإن مجال نفعهم للأمة وهم في ميدان العلم أهم وأعلى بكثير من نفعهم للأمة فيما صاروا إليه من ميادين، فشتَّان بين من يُعَمِّرُ القلوبَ - بإذن الله - ويغذي الأرواح ويهذب النفوس؛ لتستوي على سُوقها فهماً وسلوكاً، وبين من يُعَمِّرُ مصالحها المادية.
ولهذا لا أظـن أن هـذا الشيـخ الفـاضــل يجـد سـاعـة أو ساعـتين في اليـوم والليـلة يقـرأ فـيها، وهـذا لا ريب وقـت قليل للنَّهل من العلم، فهذا العلم بحور وليس بحراً، وأنت لا تدرك جلّه حتى تعطيه كلك، وعلماؤنا الأجلاء الأوائل ما وصلوا إلى ما وصلوا بساعة أو ساعتين في اليوم والليلة.. ورحم الله الشافعي الذي نزل عند الإمام أحمد فبات ليلته وكان الإمام أحمد يحدِّث أهل بيته عن الإمام الشافعي، وعندما بات الليل كان على فراشه ولم يقم إلا على الفجر وقد استغربت ابنة الإمام أحمد من هذا الأمر وسألت والدها: أهذا الذي طالما حدثتنا عن علمه؛ لقد نام أول الليل ولم يقم إلا آخره؟! فابتسم وذكر ذلك للشافعي الذي ضحك وأخبره بأنه راجع مائة مسألة من الفقه ولم ينمْ، ولما أقيمت الصلاة صلى الفجر بوضوء العشاء؛ وهذه هي حالهم.
ورحم الله الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم النحو الذي قال: أثقل الساعات عليّ ساعة آكل فيها، وذلك لأنه إذا أكل صُرف عن الكتابة والعطاء.
فلما تفرغوا للعلم أعطاهم الله من فيضه، ولذا ينبغي للعالِم أن يفرغ جهده للعلم الشرعي وهو متيقن أن تفريج الأمة يكون بحراسة هذا الثغر.


* ما المنهج العلمي الذي تنصح به طلاب العلم الشرعي؟
      أن يبادروا إلى الوحيين؛ الكتاب والسنة، وينهلوا منهما نهلاً وافياً؛ حفظاً ودراسـةً، فإنهما سبيل الهداية والنجاة من الضلالة، قال - تعالى -: {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المائدة: ٥١ - ٦١].
وعَـنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُـزَاعِيِّ، قَالَ: خَـرَجَ عَلَيْـنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -  فَقَالَ: «أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا! أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ! قَالَ: فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبُ طَرْفِهِ بِيَدِ اللهِ وَطَرْفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَداً»مصنف ابن أبي شيبة.
وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا! قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»الترمذي.
وينبغي على طالب العلم أن يحقِّق التوازن في ثقافته الشرعية ولا يقتصر على لون من ألوانها ويحرم نفسه من بقية العلوم، فليتزوَّد من الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، والتوحيد وعلم التفسير، والنحو. ولو انشرح لعلم من هذه العلوم فحَسَنٌ؛ شريطةَ أن لا يحمله ذلك على إهمال العلوم الأخرى بالكلية، ولو أَنْ يُدْرِكَ منها حظاً يسعفه في كمال فهمه وجميل عطائه.
ومـن أهمِّ الأمور التـي أنصـح بها أن يُنَشَّأَ الطالب على تعظيم الدليل النقلي وتقديمه، والزهادة في العقل وتأخيره؛ لأن داء كثير من العلماء وطلبة العلم تجرئة العقل على النقل وتحسين المصلحة الموهومة وتقديمها على الدليل المعصوم؛ بسبب قلة الزاد وقصر الباع، وقد قال عمـر بن الخـطاب - رضي الله عنه -: «قاتل الله أصحاب الرأي؛ أعيتهم السنن أن يحفظوها فأفتوا برأيهم فضلّوا وأضلّوا».
كما أني أنصح الطلاب الجادين أن يقرؤوا ويدرسوا الفقه من كتب الفقهاء المحدِّثين الذين جمعوا بين علم الحديث وعلم الفقه وأصوله، فهؤلاء كتبوا الفقه بمِداد الدقة، وحرصوا أن يذكروا الأحكام مؤيدة بأدلتها. ومن هذه الكتب: كتاب المجموع للإمام النووي رحمه الله، وكتاب المغني لابن قدامة المقدسي. ومن الكتب المعاصرة والنافعة: شرح الممتع للشيخ ابن عثيمين، فإن هذه الكتب وغيرها مما كتبه العلماء الذين تميزوا بعلم السنة والفقه والأصول.
أما بالنسبة لكتب السنة فأهمها: الأمهات الست، وأما التوحيد فدراسته مهمة إذ يجعل صاحبه بريئاً من أن يكون شطره لله وشطره لعمله؛ فهو يجعل الإنسان عبداً صالحاً لله - سبحانه وتعالى - ويجعله عبداً كاملاً له.


* شيخنا الفاضل! ما أثر العلماء في تحقيق رسالة المسجد؟
      لا أظن أن رسالة المسجد تقوم بغير العلماء؛ فالمساجد هي محاضن العلماء التي يجدون فيها سكنهم وانشراحهم، وهذه حقيقة تربَّعت على صدور علمائنا من السلف والخلف؛ رحمهم الله تعالى، وضيَّعها كثير من العلماء في هذه الأيام، فانعكس ذلك على مهمة المسجد ودوره، ومن ثم أصبح الناس على الجهالة التي هي أخطر الأدواء، فعَجَّلَتْ بهم أن يكونوا دُمَىً في يد الشيطان من الإنس والجن إلا من شاء الله.


* ما حكم عمل الفلسطيني لدى اليهودي المحتل لأرضه؟
إن اليهود في بلادنا كتابيون حربيون، وليسوا أهل ذمة ولا مستأمنين، وعليه؛ فإن حكم العمل عندهم في الظروف العادية وتحقُّق الغنية - فيما أحسب - حرام، وبعضه أشد حرمة من بعض؛ فإن العمل في حوائطهم وحظائرهم ونحوها حرام، لكن العمل في منشآت السلاح، والمطارات، والموانئ، والجسور ونحوها حرام بدرجة أشد وآكد.
أما حكم العمل في ظروف الضرورة والحاجة؛ ففيه تفصيل:
فمن كان مستغنياً فلا يجوز أن يعمل مستكثراً؛ لأن اليهودي حربيٌّ غاصب يجب بغضه وهجره.
ومـن كان مضطراً أو محتاجاً؛ فإن وجد سبيلاً آخـر ولو قليلاً يسدُّ به رمقه، ويحفظ به مهجته؛ فالعمل في حقه حرام أيضاً، فإن لم يجد ما يسدُّ به رمقه؛ جاز له العمل بقدرٍ يحفظه من العطب من غير زيادة؛ لأن الضرورة تقدَّر بقدرها؛ والزيادة إثم، وقد قال الله في جواز ذلك: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: ٣٧١].


* كيف يكون علاج ظاهرة الخيانة والعمالة للمحتل الكافر؟
  علاجها يكمن في أمور؛ أهمها:
1 - تبصير الناس كافة عبر وسائل الإعلام المتاحة بحُكْم البراء من الكافر، وأنه فريضة لازمة، وأنه من أوثق عرى الإيمان.

2 - تبصير الناس بحكم الجاسوس في الإسلام.
3 - أن يكون أولياء الأمور والمؤسسات الأمنية التابعة لهم في الأمصار المسلمة عيناً ساهرة على سلامة الناس، وأن يُغْلِقُوا أمامهم ذرائع الضعف ويمنعوا الشباب من الهجرة إلى بلاد الكفر، مع الحرص الشديد على إيجاد فرص الكفاية والعمل للناس كافة؛ لئلا يُؤْخَذَ المرءُ من قِبَل الرزق فيبادر بنفسه إلى أعداء الدين.


*ما الحكم المناسب للتعامل مع المنافقين؟
      نعاملهم على الظاهر من حالهم وهو الإسلام، مع أخذ الحيطة والحذر من أن ينالونا بسوء أو يأخذونا على حين غرة، ولنتذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -  لم يجاهدهم بالسيف والسِّنَانِ، بل كان جهاده فيهم بالحجة والبرهان؛ لأن أخذهم بالشدة والبأس له عواقب وخيمة من زلزلة المجتمعات المسلمة واضطراب صفوفها، وإحداث النجوى بين أفرادها، وظهور القلاقل والفتن في أهلها.


* ما حكم الهجرة من فلسطين في ظل الظروف الراهنة والحصار الخانق للشعب الفلسطيني؟
      أحب أن أُذَكِّرَ قبل البدء بالإجابة أن فلسطين أرض رباط، وقد أخبر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -  عن أجر المرابط، فقال: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ» صحيح مسلم.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الذي مَاتَ مُرَابِطاً في سَبِيْلِ اللهِ؛ فَإنَّهُ يُنْمى لَهُ عَمَلهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ويَأْمَنُ مِن فِتْنَةِ القَبْرِ»سنن الترمذي.
وإن الإذن بالهجرة منها إضعاف لجبهتها، وتقويض لصمودها في وجه الكافر المحتل، فضلاً عن أنها هدف من أهداف الكافر يفرح لتحقيقه ويتفاءل بدنوِّ حصول مقصوده، وتحقيق أطماعه وتفرُّده بفلسطين كلها، وبهذا يظهر أن الهجرة مذمومة.


* كيف تقومون بإصلاح القلوب والنفوس في ظل الوضع الخانق لكم تحت الحصار والاحتلال؟
      إصلاح القلوب يحصل بأمور؛ أهمها:
1 - دعوة الناس إلى الإيمان بالله.
2 - تحريض الناس على تقوى الله - تعالى -؛ من ترك المنهيـات وفــعل المـــأمورات؛ فإنها غيث القلوب.
3 - تلاوة القـرآن مع التدبُّر فإنه حياة القلوب ونورها وشفاؤها.
4 - ذكر الله - تعالى - بالمأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والذكر باب واسع يشمل القرآن وغيره من الأذكار الثابتة الأخرى.
5 - ترك الحرام واتِّقاء المتشابهات، فإنهما يُصْلِحَان القَلْبَ بـإذن الله.
6 - إنكار الفتن والضلالات؛ فإنها تنير القلب وتجعله أبيض كالصفا، فَعَن حُذَيْفَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -  يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُوداً عُوداً، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَهٌ بَيْضَاءُ حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: على أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلا تَضَرُّهُ فِتْنَةٌ.. صحيح مسلم.
7 - مجاهدة النفس في فعل الخيرات وترك المنكرات.


* ما دور العلماء في تثبيت المؤمنين في فلسطين؟
ينبغي أن يكون العلماء فرسان الميدان على الدوام، وسياج السلامة للمسلمين، يعلِّمونهم أحكام الدين، ويحيون فيهم عزائم الأمور وأشرافها ويزهِّدونهم في حقيرها وسفسافها، ويحرضونهم على التشبُّث بالأوطان، والثبات في مواجهة الأخطار. ولقد كان للعلماء وطلبة العلم والمؤسسات العلمية دور بارز في تحدِّي الأمة للمحتل وتحريضها على مواجهته والحد من ظاهرة الهجرة من فلسطين.


* ما الطريقة المثلى لمواجهة البدع والخرافات؟
    الطريقة المثلى لمواجهة البدعة هي تعليم السنة وبيان أجرها عند الله تعالى، والتحذير من البدعة، والتذكير بوِزْرها، وأنها هادمة السنن، وأن المبتدع ينازع الله - تعالى - حـقَّه في التشريع، ويردُّ خبره بإكمال دينه، قال - تعالى -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: ٣]، فلو كان المبتدع يعتقد صدق الآية لأمسك عن الإحداث والزيادة بغير علم؛ لأنه ليس بعد الكمال كمال، ويرهب من أن البدعة أشد خطراً من المعصية؛ لأن الثانية تُقْتَرَفُ وصاحبها يعلم بحظرها ويوشك أن يتوب عنها غالباً ولو بعد حين، بخلاف البدعة فإنها شرٌّ محض؛ لأن المبتدع يراها خيراً ويظن أنها تبلغه أعظم الأجر؛ فمن أين يرجع عنها وهو يراها طاعة وقُربة، وهي في الحقيقة كبيرة موبقة بل قد تصل أحياناً إلى الكفر.
 قال - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب: ٦٣].
 وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ وِزْرُهَا وَمِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيءٌ»صحيح مسلم.
ومما يَحُدُّ من ظاهرة الابتداع دعوة ولاة الأمور والقضاة في الـبلاد إلى أن يلاحـقوا المبتـدعة ويمـنعوهم مـن ذلك، بل يوقعوا فيهم العقوبة التعزيرية الزاجرة.
ومما يَحُدُّ من البدع تحذير الأمة من الأهواء؛ فإنها أخطر ما يصيب القلوب، وتحذيرهم من الغلوِّ في العبادة وتعظيم العلماء والمذاهب والأحزاب؛ فإنه أهلك من كان قبلنا، وتحذيرهم من اتِّباع المتشابه؛ فإنه سبيل أهل الزيغ والضلالة، وتحذيرهم من تفسير القرآن بالرأي، وتحذيرهم من التقليد المذموم؛ فإنها جميعاً ذرائع الابتداع كما بيَّن ذلك الشاطبي في (الاعتصام) وشيخ الإسلام في (الفتاوى)، والله - تعالى - أعلم وأحكم.


* لا ينفك مجتمعنا الفلسطيني عن السياسة؛ ألا ترى ضرورة صناعة بيئة علمية تُعنَى بدراسة الفقه السياسي على أصوله الصحيحة؟
    نعم! أرى ضرورة ذلك، وأتمنى أن يكون ذلك سريعاً؛ حتى نحفظ شباب الإسلام وطلبة العلم من الشطط والزيغ والتطرف والغلو والمراوغة ولعبة السياسة. وحبذا لو يَتَبَنَّى الأساتذةُ العلماءُ في بلاد الإسلام فكرةَ إنشاء دبلوم متوسط في السياسة الشرعية لطلبة البكالوريوس في التخصصات المختلفة الذين تنزع أرواحهم إلى فقه السياسة الشرعية؛ لينطلقوا في فهم الواقع وأحداثه المتلاحقة من قواعد الشرع وضوابطه انتهاء إلى الحلول الصحيحة الصائبة وإدراكاً لمصالح الأمة المأمولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البيان 253 ، باختصار.

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق