الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

(دولة الاحتلال) ومبدأ الاختصاص العالمي للقضاء الوطني

3343 0 1185

الثابت أن محاكمات نورمبرج للقضاء الوطني، والقوة التي انتهت إليها نتائج هذه المحاكمات، كانت تطوراً هاماً في العدالة الدولية، وبقطع النظر عن دور الهولوكوست في التوصل إلى هذه النتائج، إلا أن أحكام نورمبرج قد أسست لمرحلة جديدة في القانون الجنائي الدولي. وقد لاحظنا أن المحرقة اليهودية قد ارتكبها رسميون ألمان وفقاً لقرار رسمي من الحكومة الألمانية عندما كان اليهود يتمتعون بالجنسية الألمانية، وبصرف النظر عن الأسباب التي دعت الألمان إلى ارتكاب هذه الجريمة وسواء كان ذلك بسبب تصرفات اليهود أو كان بسبب النزعة العنصرية عند الألمان، فإن العالم كله قد أجمع على أن هذه مرحلة جديدة تعززت بها العدالة الدولية، وانتهت مسيرتها في عام 1998 عندما نشأت أول محكمة جنائية دولية دائمة في تاريخ البشرية. ومن الواضح أن التكييف القانوني لمحرقة اليهود هو قطعاً أنها جرائم إبادة ضد الإنسانية إذا كانت قد استهدفت ديناً معيناً أو جنساً معيناً، ومن الطبيعي أن استهداف الضحايا بسبب إدانتهم جنائياً لا يدخل في إطار هذا النوع من الجرائم، كما أننا علمنا من أخبار هذه المحرقة من مصادر يهودية، ولم يتحدث الألمان حتى اليوم عن مدى صحة هذه الوقائع. ولكن ترتب على هذه الحقائق أن دولة الاحتلال أعطت نفسها الحق في ملاحقة كل من تظن أنه اشترك بشكل أو بآخر في هذه المحرقة والتي ارتكبت قبل قيام دولة (الاحتلال)، وقد أكدت هذه الدولة خلال محاكمة إيخمن عام 1962 أن قضاءها يتمتع بالاختصاص الجنائي العالمي، وكان واضحاً أن أساس هذا الاختصاص العالمي للقضاء الإسرائيلي ينصرف فقط إلى الذين يرتكبون جرائم ضد اليهود وحدهم، فهو مبدأ خاص بهذه الدولة وحدها. ومن الواضح أيضاً أن هذا الاختصاص العالمي قد وصل إلى انتهاك السيادة الوطنية للدول الأخرى، وسوغ قيام هذه الدولة بخطف المتهمين من الدول التي يتواجدون فيها.
واليوم انقلبت الآية فقد أصبح اليهود هم الجناة وأصبح الفلسطينيون والعرب هم الضحايا، فلماذا تهاجم دولة الاحتلال مبدأ الاختصاص العالمي الموضوعي الذي يعطي القضاء الوطني في بعض الدول الحق في محاكمة أي شخص مهما كانت جنسيته أو عقيدته أو الإقليم الذي ارتكبت فيه الجريمة، مادامت الجريمة تقع ضمن طوائف الجرائم الخطيرة وهى جرائم الإبادة الجماعية والجرائم الإنسانية. ويجب أن نلاحظ أن كل من تناول محرقة الفلسطينيين في غزة ليست جرائم حرب وإنما هي جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، والسبب هو أن جرائم الحرب هي مجموعة الأفعال الخطيرة الواردة في اتفاقات جنيف الأربع، والتي ترتكب أثناء القتال أو الصراعات المسلحة ويفترض أنها بين جيوش متحاربة، وأن هذه الأفعال قد ارتكبت رغم إجراءات الحيطة والحذر التي التزمها الجيشان المتحاربان. صحيح أن بعض مخالفات دولة الاحتلال لاتفاقية جنيف الرابعة تعتبر في مرتبة جرائم الحرب، إلا أن ما حدث في غزة من هذه الزاوية يمكن أن يشكل أيضاً جرائم حرب، فضلاً عن كونه جرائم متعمدة مخططة استخدمت من جانب الجاني من طرف واحد عبر مدة زمنية طويلة، لم يكن ممكناً إزاءها التمييز بين أسلحة محرمة وغير محرمة، كما لا يمكن أن نتحدث بصددها عن محاربين وغير محاربين، أو عن أهداف مدنية وأهداف عسكرية. هي إذاً جرائم ضد الإنسانية كما أنها جرائم إبادة، تماماً كما حدث في محرقة اليهود، حيث قامت السلطات الألمانية صاحبة السلطة والسيطرة على اليهود في ألمانيا بإحراقهم. فالتشابه بين محرقة غزة ومحرقة اليهود تشابه تام، حيث أراد الألمان إبادة اليهود وأراد يهود إسرائيل إبادة الفلسطينيين.
هذا التشابه التام يعطى للدول العربية الحق في تعقب كل المجرمين الإسرائيليين في أي مكان، وجلبهم إلى قضائهم الوطني وتنفيذ العدالة الواجبة فيهم، فلا تستطيع (دولة الاحتلال) أن تدعي بأنها وحدها صاحبة الحق في خطف من تشاء أو محاكمته أمام قضائها، وإنما للعرب أيضاً نفس الحق في مواجهة اليهود الذين ارتكبوا هذه الجرائم ليس فقط في غزة وإنما منذ قيام (دولة الاحتلال). وإنني أدعو بهذه المقالة إلى حرب قضائية وقانونية شاملة ضد المجرمين الإسرائيليين الذين ظنوا أنهم أفلتوا من العقاب، وكما أن جميع دول العالم تتفهم مطالبات إسرائيل بتسليمها مجرمي محرقة اليهود كما يحدث الآن بالنسبة لأحد المتهمين الذي جاوز التسعين من عمره حيث تدور المفاوضات لتسليمه ومحاكمته.

ـــــــــــــــــــــــــ

المصريون ( بتصرف يسير)

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

مقالات و تحليلات

(دولة الاحتلال) ومبدأ الاختصاص العالمي للقضاء الوطني

الثابت أن محاكمات نورمبرج للقضاء الوطني، والقوة التي انتهت إليها نتائج هذه المحاكمات، كانت تطوراً هاماً في العدالة الدولية، وبقطع النظر عن دور الهولوكوست في التوصل إلى هذه النتائج، إلا أن أحكام نورمبرج قد أسست لمرحلة جديدة...المزيد