الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار مع عضو اللجنة الشرعية ببعثة الحج القطرية1430هـ

حوار مع عضو اللجنة الشرعية ببعثة الحج القطرية1430هـ
4615 0 1312

 

الشيخ موافي عزب عضو اللجنة الشرعية ببعثة الحج القطرية ذكر شرحا وافيا لما يجب القيام به قبل التوجه إلى الحج خصوصا مع اقتراب موعد سفر حجاج قطر إلى الديار المقدسة، حيث أكد أهمية التوبة ورد الحقوق والأمانات إلى أصحابها سواء كانت حقوقا مالية أو معنوية، لافتا إلى وجوب استئذان المدين من الدائن بحال عدم قدرته على السداد قبل السفر.
ومما جاء في الحوار:


* ما الذي يجب على الحاج عمله عندما يشرع في السفر من قطر إلى الأراضي المقدسة؟
— معلوم أن العبادات الكبرى في الإسلام لها مقدمات، فلو نظرنا إلى الصلاة لوجدنا أنها تبدأ بالطهارة أولا ثم تأتى السنن القبلية حتى تدخل في الفرض الأكبر، وكذلك الصيام يسبقه صيام تمهيدي في شعبان كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم شعبان إلا قليلا.
معنى ذلك أن التهيئة السابقة للعبادة لها دور في إنجاح العبادة، فأنا عندما تكون عندي تهيئة نفسية للعبادة أدخلها وانأ مستعد للتفاعل معها والتأثر بها.
وبما أن الحج أحد أركان الإسلام الكبرى وهو الركن الوحيد الذي يشمل كل العبادات التي يشترك فيها البدن والمال والروح، فهو جهاد وجهد نفسي وبذل مادي ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم جهادا بقوله: "الحج جهاد"
والجهاد لا يمكن لكل إنسان أن يقوم به على الوجه الأكمل، وهو يحتاج إلى تهيئة واستعداد مسبق.
والعلماء بينوا أن جهاد النفس مقدم على جهاد الشيطان، مقدم على جهاد المنافقين والمشركين، لأن الإنسان الذي لا يجاهد نفسه لا يستطيع أن يبذل نفسا ومالا ولا يصبر على أن يفارق أهله ووطنه.
فإذا قام المسلم بما ينبغي من مقدمات الحج أثمر حجه بإذن الله تعالي.


* ما هي أبرز مقدمات الحج برأيكم؟
 — أبرزها التوبة، وهى عبارة عن إغلاق ملفات قديمة كانت تمثل بعض التجاوزات الشرعية التي يقع فيها الإنسان بحكم طبيعته البشرية، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " ولا يوجد مسلم معصوم بعد النبي عليه الصلاة والسلام.
والعلماء قسموا أعمال الإنسان إلى قسمين:
- أعمال جوارح تمثل 30% فقط من العبادات
- وأعمال قلوب وتمثل 70%من العبادات
إذن فمعظم أعمال الإنسان تكون سرا بين العبد وربه والنبي صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى أن من شرار الخلق عند الله "عباد إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها " لأنهم يظهرون للناس الصلاح والاستقامة، وهم خلاف ذلك في الواقع.


* ما هي أبرز الأشياء التي ينبغي على المسافر للحج أن يتوب منها؟
 — التوبة تكون من أمرين أو حقين: حق لله تبارك وتعالى، وحق للعباد
لقد جعل الله عز وجل للناس حقوقا مشتركة وجعل لهم حقوقا خاصة وحقوقاً عامة.
فهناك حقوق خاصة بالله وحده
وهناك حقوق خاصة بعباد الله فقط
وهناك حقوق مشتركة بين حق الله والعباد.
ولو ضربنا مثلا على ما قلنا بجريمة القتل لوجدنا حق الله تبارك وتعالى فيها أقل من حق العبد، فإذا عفا أولياء القتيل عن القاتل فالأمر يرجع إليهم وحدهم "فمن عفي له من أخيه شيء ". لقد ترك الله تبارك وتعالى مسألة إقامة الحد على النفس التي اعتدت لصاحب الدم، فإذا عفا صاحب الدم انتقل الأمر من القصاص بالقتل إلى دفع الدية، فإذا تنازل أولياء القاتل عن الدية سقطت عن القاتل، ويبقى بعد ذلك حق الله عز وجل وهو صوم شهرين متتابعين، وبعدها يغلق الملف.
الأمر يختلف في قضية الزنا ففيها حقان: حق العبد وحق الله تبارك وتعالى. وحق الله فيها لا يسقط فلو تنازل إنسان عن حق الزنا في عرضه فان الله لا يقبل هذا التنازل، لأن حق الله تبارك وتعالى أعظم. ولو جاء رجل أمام القضاء وقال تنازلت عن حقي فيمن زنا بزوجتي أو ابنتي، فان تنازله لا يلغي حق الله عز وجل في توقيع عقوبة الجلد أو الرجم على الزاني.
والحقوق الواجبة على الإنسان تختلف، ففيها حقوق مالية وحقوق غير مالية.
فمن كان عليه حقوق مالية للغير فهو مطالب برد الحق الى صاحبه قبل أن يسافر للحج.
ومعروف أن الأسفار مظنة الهلاك والموت سواء كانت بالطائرات أو الباصات أو السفن. ولا تسلم الأسفار مع تقدم المواصلات من المخاطر. ومازالت الأخطار محدقة بالمسافرين سواء كان سفرهم لطاعة أو لمعصية.
وواجب على المسلم الذي يشرع في السفر لأداء فريضة الحج أن يرد حقوق العباد وأن يرد المظالم لأهلها.


* ماذا تقصدون برد المظالم إلى أهلها؟
 — أقصد رد الأمانات والودائع إلى أهلها، ولا يخلو إنسان من أمانات مستحقة له أو عليه، ومعظم الأمانات تكون غير مسجلة وغير مكتوبة وتعتمد على ثقة المسلم في أخيه المسلم.
ومهما كانت الأمانات صغيرة أو كبيرة يجب ردها لأصحابها، وإذا وافق صاحب الأمانة على بقائها عند المسافر للحج فقد أعفاه من المسؤولية.
ومن الأمانات الواجبة على الحاج: "كتابة الوصية" وهى عبارة عن بيان للذمة المالية للإنسان، والدليل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبيتن ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" وهذا الأمر النبوي عام في السفر وفي غير السفر.
والحكمة من كتابة الوصية أن الإنسان لا يدرى متى يدركه الموت، فينبغي عليه كتابة ذمته المالية مبينا فيها ما له وما عليه، وكتابة الوصية تحمي كاتبها كما تحمي غيره. وتبين للورثة ما على مورثهم من ديون وماله من حقوق.
ومعلوم أن الدين يمنع صاحبه من دخول الجنة حتى لو كان شهيدا ولو كان مؤديا لفريضة الحج.


* ماذا يفعل المسافر للحج إذا كانت عليه ديون مستحقة؟
 — إذا كان الدين حالا واجب السداد خلال السفر للحج ينبغي على المدين أن يستأذن الدائن في السفر للحج، ويقول له اعذرني لأني غير قادر على أن أجمع بين قضاء الدين ونفقة الحج، ورد حقوق العباد المالية مقدم على حق الله، لأن حق الله عز وجل مبنى على العفو والمسامحة، أما حق العبد فمبني على الشح والأنانية والمطالبة، ولو كان للفرد مال عند أب أو أخ فإنه لا يتنازل عنه.
وحكمة استئذان صاحب الدين قبل السفر للحج هي أن المسافر قد يموت فإذا مات ترتفع عنه المطالبة كأنه معفى عنه. وهو تأشيرة سماح للراغب في الحج بأن يسافر لأداء الفريضة ويؤجل سداد الدين إلى بعد عودته.
ومعلوم أن من حق الدائن أن يمنع المدين (يحبسه) من الحركة إلى أي مكان بعيد حتى يرد ما عليه من دين.


* هل رد الحقوق يقتصر على الأمور المالية فقط؟
— رد الحقوق يشمل الأمور المالية والمعنوية، فمن كان على خلاف وخصومه مع قريب أو صديق فعليه أن يستسمحه في العفو ويسعى للصلح حتى لو كان المسافر للحج صاحب حق فعليه أن يعفو ويصفح كما يطلب من الآخرين أن يعفوا ويصفحوا عنه.
وأول من يطلب عفوهم الأقارب وذوي الأرحام عملا بقول الله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" وتطبيقا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعفو المسلم عمن ظلمه ويصل من قطعه ويحسن لمن أساء إليه.


* وما هي الآداب العامة التي ينبغي على المسافر للحج أن يقوم بها قبل السفر؟
 — هناك آداب يجب على المسافر للحج أن يقوم بها أبرزها وصية أهله بتقوى الله عز وجل وحثهم على الطاعة، وأن يلتزموا الأدب مع الناس، وأن يستودع الله دينهم وأمانتهم وخواتيم أعمالهم، يفعل ذلك ليكون أعذرهم إلى الله عز وجل، وليست هناك وصية أعظم من تقوى الله عز وجل. وبذلك يكون تركهم على هدى الله عز وجل.
ومن الآداب الواجبة على المسافر للحج اختيار الرفقة الصالحة طوال رحلة الحج، وكما يقول المثل فان "الصاحب ساحب" و"المرء على دين خليله" ومن فوائد اختيار الصحبة الصالحة أنها تعين الحاج على أداء الفريضة بأفضل الصور ودون الوقوع في المخالفات والمعاصي.
ومن تلك الآداب تعلم كيفية أداء مناسك الحج سواء عن طريق القراءة أو السؤال أو حضور الندوات والمحاضرات التي يتحدث فيها العلماء عن كيفية أداء مناسك الحج. ويستحسن أن يحمل المسافر للحج كتيباً ترشده لكيفية أداء مناسك الحج والعمرة.
وعدم تعلم فقه مناسك الحج يوقع الناس في أخطاء قد تبطل ثواب الفريضة بالكامل، ومن لا يعرف مناسك الحج لا يعرف ما المطلوب منه.
ومنها معرفة آداب الإقامة في مكة المكرمة عاصمة ملك الله عز وجل في الأرض والعاقل هو الذي يعرف كيف يكون ضيفا مؤدبا على ملك الملوك.
المسافر للحج بحاجة لدورة توعوية في كيفية السلوك الصحيح وآداب التعامل مع الناس طوال السفر للحج وخلال الإقامة في مكة. خاصة أنه يلتقي أناسا من جنسيات مختلفة لهم عاداتهم وسلوكياتهم التي لم يتعود عليها. عليه أن يحسن التعامل معهم ويصبر على خشونتهم حتى يخرج من حجه سالما بلا أخطاء.


* هل يصح للمسلم أن يقترض لأداء فريضة الحج؟
 — المسلم غير مطالب بالاقتراض للحج. والأصل في الحج أنه فرض على"من استطاع إليه سبيلا " القادر ماليا وبدنيا. فإذا لم يكن يملك نفقة الحج فلا يصح له أن يقترض.
ولماذا يقترض المسلم ويشغل ذمته ويدين نفسه ويحملها بما لم يأمر به الله عز وجل.


* ما رأيكم فيمن يطلبون من غيرهم مساعدتهم على أداء الفريضة سواء بتحمل نفقات سفرهم كاملة أو تحمل جزء منها؟
— هذه صورة مزرية وغير مطلوبة ينبغي للمسلم أن يترفع عنها لأنها تنافي مقصد الشرع من فرض الحج.
إذا لم يكن المسلم قادرا على أداء الفريضة فلماذا يريق ماء وجهه ولماذا يسأل الناس إلحافا؟
وقد قال العلماء لو أن الولد بذل لوالده نفقة الحج فلا يلزمه الحج لأن فيه "منة " من الابن لوالد فقد يقول له أنا تحملت نفقة حجك، فإذا كان هناك احتمال للمن من الابن لوالده فكيف يكون الحال بالنسبة لشخص لا تربطك به صلة قرابة.؟
والذين يسعون للحج على نفقة غيرهم يرجون تحقيق مقاصد دنيوية أكثر من مقاصد دينية. هم مصابون "بشهوة نفس "في الحج بأي صورة ليقال أنهم حجوا.


* وما الحكم إذا كان الحج على نفقة الدولة أو جهة العمل؟
— الحج على نفقة الدولة جائز شرعا ولا حرج فيه طبقا للشروط المفتوحة لجميع المواطنين دون استثناء، بشرط أن يكون الوصول إليه بطريق مشروع دون تحايل ودون سطو على حقوق الآخرين.
وهو منحة من ولي الأمر يستفيد منها المواطن في أداء الفريضة.


* هل الحكم يختلف بالنسبة للذين يسافرون مع بعثات الحج الرسمية؟
 — هؤلاء يسافرون لمصاحبة الحجاج وتسهيل أداء مناسكهم، فإذا أدوا عملهم على الوجه الأكمل ثم تيسر لهم أداء الفريضة فهي مقبولة إن شاء الله.
وقد يكون حجهم أكثر ثوابا ممن يسافرون للحج على نفقة الدولة لأنهم يبذلون من مالهم الخاص لشراء" الهدي" وما يلزم من نفقات الحج.


* هل من حق الموظف أن يطالب بدوره في السفر للحج إذا كانت جهة العمل تتحمل سفر احد موظفيها سنويا؟
 — إذا كان السفر للحج حقا ممنوحا لكل الموظفين فمن حق الموظف أن يطالب بدوره مثل باقي زملائه.


الحج عن الغير
* ما هي ضوابط الحج عن الغير؟
 — الحج عن الغير معروف منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد سمع صلى الله عليه وسلم في موسم الحج رجلا يقول "لبيك اللهم عن شبرمة " فسأله: من شبرمة هذا؟ قال الرجل: أخ لي أو قريب لي.
فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: أحججت عن نفسك قال لا، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: فحج عن نفسك أولا ثم حج عن شبرمة.
إذن فالحج عن الغير جائز وله ثلاثة أنواع:
حج التطوع كأن يحج الابن عن والده أو أمه أو أي أحد متطوعا بنفسه وماله
حج الإنابة بأن ينيب المسلم غير القادر صحيا شخصا للحج نيابة عنه بمقابل مادي.
حج الإجارة بأن يستأجر المسلم غير القادر بدنيا وصحيا من يحج نيابة عنه
وتختلف درجات الأجر والثواب في كل حالة من الحالات الثلاث.
وفي الحالات الثلاث ينبغي لمن يحج عن الغير أن يذهب للميقات ويقول:"لبيك اللهم بحجة أو عمرة عن فلان" بعدها يتم تحويل الحسنات التي يقوم بها الحاج والمعتمر لحساب الشخص الذي يحج عنه.
ويجوز لمن يحج عن الغير أن يدعو لنفسه ويكثر من الطاعات التي يجعلها الله في ميزان حسناته.
ويكفيه أن الحسنة في مكة بمائة ألف حسنة عن غيرها من الأماكن.


مساعدة الزوجة على الحج
* هل الزوج مطالب شرعا بتحمل نفقات حج زوجته؟

 — الأصل في المسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله " وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم كلهن حججن معه وحججن من بعده.
وكون الرجل عنده زوجه أحسنت أو أساءت فهو غير مطالب شرعا بأن يدفع لها نفقة الحج. لأنه خارج دائرة الإنفاق .

فالزوج مكلف بالإنفاق على الزوجة بنص قوله عز وجل: "لينفق ذو سعة من سعته "وقوله: "ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله" فهو مطالب بالنفقة في الأكل والشرب والسكن.
وإذا كان الزوج غنيا فلم لا يقوم بإكرام زوجته بتحمل نفقات حجها خاصة أن له أجرا مثل أجرها، وتعتبر مساعدتها نوعا من البر بالزوجة والإحسان إليها. وسيخلف الله عليه بأضعاف ما أنفق على حج زوجته.
ويتعلق بالمسألة إذا أرادت الزوجة أن تحج من مالها واحتاجت لسفر زوجها معها كمحرم فيجوز لها أن تدفع له أجر تطوعه إذا اشترط ذلك.


المفاضلة بين الأبوين والزوجة
* بخصوص الحج عن الغير أيهما أولى الحج عن الأب والأم أم المساهمة في حج الزوجة؟
 — غالب الأحاديث النبوية تتحدث عن الحج عن الوالدين، وأقل ما ينبغي على الابن أن يحج عن أبويه إذا كانا توفيا ولم يحجا ويأتي بعد ذلك مساعدة الزوجة على الحج.

ــــــــــــــــــــــ

الشرق 15/11/2009م، باختصار.

مواد ذات صلة



تصويت

فيروس كورونا أربك العالم كله، وفي الابتلاء به كثير من الدروس والعبر، فأي درس تراه أهم:

  • الأمر كله لله فعلينا أن نعلق القلوب به، ونعود إليه.
  • تقوية المنظومة الصحية في كل بلد.
  • أهمية النظافة والوقاية والأخذ بالأسباب.
  • أهمية التكاتف والتعاضد بين العالم كله للقضاء على مثل هذا الوباء
  • كل ما سبق