الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ومضات علمية للحضارة الإسلامية "1"

ومضات علمية للحضارة الإسلامية "1"
4028 1 726

أنزل الله -عز وجل- أول آية من كتاب الله تعالى تحث المسلمين وتحضهم على العلم والتعلم، قال تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1-5]. وقد رفع الله -عز وجل- قدر العلماء حيث قال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 17]. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( مبينًا أهمية العلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [مسلم وابن ماجه].
وعندما أُسر المشركون في بدر، جعل الرسول عليه الصلاة والسلام  ( فداء كل واحدٍ منهم أن يعلم عشرة من الصحابة، وقد نشط المسلمون في جميع العصور في طلب العلم والمعرفة حتى تركوا لنا ميراثًا حضاريًّا رائعًا، يعبر عن تفوقهم في كل مجالات الحضارة. وهناك وسائل عني بها الإسلام لاكتساب العلوم منها:

المساجد:
وهو أهم المنارات التي أضاءت للمسلمين طريق العلم والمعرفة، فكان أول شيء قام به الرسول صلى الله عليه وسلم  ( بعد هجرته إلى المدينة بناء المسجد، مما يدل على أهميته في حياة المسلمين، وليعلموا أن المسجد هو أول خطوة في بناء الحضارة وتحقيق الازدهار والتقدم، فكان المسجد مكانًا لاجتماع المسلمين مع الرسول ( يسألونه ويجيبهم، ويتناقشون في أمور دينهم ودنياهم، وتقام فيه حلقات الذكر، ويجلس المسلمون صغارًا وكبارًا ليتعلموا القرآن وأمور الإسلام.
ومن أهم المساجد التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية: المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في المدينة، والمسجد الأقصى في القدس، والمسجد الأموي في دمشق، ومسجد عمرو بن العاص، والجامع الأزهر في مصر، ومسجد القيروان في تونس، ومساجد أخرى كثيرة خرَّجت لنا أجيالاً مسلمة واعية استخدمت العلم في خدمة الإسلام ورفع شأن حضارة المسلمين، ومن هنا ارتبطت نهضة الحضارة الإسلامية، بقيام المساجد بدورها على الوجه الأكمل.

الكتاتيب:
والكُتَّاب عبارة عن مكتب تعليمي، يتعلم فيه أطفال المسلمين القراءة والكتابة وأحكام تلاوة القرآن الكريم، ويقوم بتعليمهم أساتذة متخصصون في علوم القرآن، ويعد الكُتَّاب خطوة جديدة نحو تطوير المنشآت التعليمية بعد أن ضاقت المساجد عن استيعاب أعداد المتعلمين صغارًا وكبارًا، فانتشرت هذه الكتاتيب في كل بلاد المسلمين، وهذه مرحلة متطورة تدل على ازدهار العلم وارتفاع شأن العلماء والمتعلمين.
المكتبات:
وقد قام الحكام المسلمون بإنشاء المكتبات المملوءة بالكتب النافعة في مجالات العلوم، واشتهرت بغداد ودمشق والقاهرة بمكتباتها الزاخرة بأمهات الكتب في كل فروع المعرفة الإسلامية ، وبعضها كان به فهارس تعين الطلاب وحجرات لإقامة الغرباء.
المدارس:
وتعددت المدارس، وتنوعت ما بين خاصة بالخلفاء والحكام وأبنائهم، التي تؤهلهم لتولى المناصب القيادية في الدولة الإسلامية، وعامة لرعاية أبناء المسلمين في مختلف فروع المعرفة.
وقد برع الوزير السلجوقي (نظام الملك) في إنشاء العديد من المدارس، وكانت على درجة عالية من النظام والفخامة، وقد انتشرت هذه المدارس في بغداد وأصفهان والبصرة والموصل وغيرها، ومن أشهر هذه المدارس: مدرسة نور الدين محمود زنكي، وتعرف بالمدرسة النورية الكبرى بدمشق، وأنشأها سنة 563 هـ على مساحة واسعة، وجعل فيها قاعات للمحاضرات، ومسجدًا للصلاة، وحجرتين للمعلمين، ومسكنًا لخادم المدرسة، ومراحيض ليستخدمها الطلاب، وقد تميزت بروعة البناء ودقة وجمال تصميمها، وارتفاع مستوى التعليم فيها.
وكانت هذه المدارس منارات لتخريج العلماء، وقد وُضعَتْ بها نُظُمٌ عالية لاختبار قدرات الطلاب، وتوجيههم حسب كفاءاتهم ومواهبهم ومصاحبة الطلاب لأساتذتهم في مكان واحد، وتمتع الطلاب وخاصة المتفوقين بكافة الميزات والمكافآت؛ تشجيعًا لهم، إلى جانب العناية بالترفيه عنهم، وإقامة الرحلات المفيدة لهم، والاهتمام بتنمية أجسامهم وعقولهم. هذا بالإضافة إلى العناية بتعليم الفتيات، فقد اهتموا بهن اهتمامًا لا يقل عن اهتمامهم بالفتيان.

مجالات العلوم: ومن أهم مجالات العلوم التي اهتم المسلمون بتعليمها: العلوم الأصيلة، والعلوم المقتبسة.
أولاً: العلوم الأصيلة:
هي العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية وأصول الدين وما يخص الأمة من آداب وتاريخ، وقد أبدعها المسلمون أنفسهم، ولم يقتبسوها من غيرهم، ومن أبرز هذه العلوم:
- علم القراءات القرآنية:
وُجدت القراءات مع وجود القرآن الكريم، فقد كان جبريل -عليه السلام- يُقرئ النبي ( بأكثر من طريقة؛ تيسيرًا على الناس؛ لاختلاف لهجاتهم، واهتم صحابة الرسول ( بحفظ القرآن وتدوينه وتعليمه، واشتهر من بينهم بحفظ القرآن علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وسالم مولى حذيفة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وغيرهم رضي الله عنهم.
وقد أخذ عنهم عدد كبير من الصحابة -أيضًا- والتابعين في الأمصار، فراح الناس يقرءون على طريقتهم في القراءة إلى أن جاء القرَّاء المشهورون، ووضعوا القواعد من أجل ذلك.
ومن هنا نشأ علم القراءات، ،وقد أسهم هذا العلم وعلم التجويد في الحفاظ على قراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة، والحفاظ عليه من التحريف والتبديل، كما أسهم علم التجويد في نشأة علم أصوات اللغة العربية، والتي وضع لها علماء المسلمين القواعد فيما بعد، واستفاد منها علماء اللغة في العصر الحديث.

- علم التفسير:
هو العلم الذي يبحث في أوجه معاني كلام الله تعالى، ومعرفة المراد منه، ومعرفة أحكامه وحِكَمه، وما اشتمل من عقائد وأسرار، ومن طرق تفسير القرآن:
- تفسير القرآن بالقرآن.
- تفسير القرآن بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
- التفسير بقول الصحابي.
- التفسير بقول التابعي.
- التفسير بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين.
- التأويل.
وفي عهد التابعين ومن بعدهم انفصل علم التفسير عن علم الحديث، واستقل بكتب خاصة به، فظهرت تفاسير عديدة على مر الزمن، ويمكن تقسيمها حسب المنهج العلمي الذي اتبعه العلماء، إلى قسمين:
- التفسير بالمأثور: ويعتمد على النقل والرواية والأخبار، ويشمل تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وبأقوال الصحابة أو التابعين
- التفسير بالرأي: وهو تفسير القرآن بالاجتهاد والاستنباط، بالاعتماد على اللغة العربية ومعاني الألفاظ، والتفسيرات المأثورة، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وفيه يجتهد العالم بعد أن يحيط بالعلوم اللازمة لتفسير كتاب الله، وهي العلوم السابقة.
كما اهتم المسلمون في العصر الحديث أيضًا بالتفسير العلمي للقرآن، كما اهتم المعاصرون أيضاً بجمع تفاسير الصحابة والتابعين ومن بعدهم من خلال الرسائل الجامعية وغيرها، وإحياء ما هو مخطوط من ذلك، وقد قدم تفسير القرآن للحضارة الإسلامية خدمات جليلة، منها: أنه ساعد على استنباط الأحكام من كتاب الله، ومعرفة قواعد وأصول الحضارة الإسلامية في كل مجالات الحياة، كما ساعد على فهم مقاصد كتاب الله.

علم الحديث:
لقد حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم   على سماع أحاديثه، وبلغ حرصهم على تتبع سماع هذه الأحاديث أن كان بعضهم يتبادلون ملازمة مجلسه ( يومًا بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله (، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم ، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
وكان الرسول ( يحضُّ المسلمين على تبليغ ما يسمعون، فقال: (نضَّر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع) [الترمذي]. وكان أبو هريرة وابن عباس أكثر الصحابة حفظًا لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أما تدوين الحديث فقد بدأ في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز، إذ أمر بجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكلف بذلك أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ومحمد بن شهاب الزهري، فبذلا جهدًا كبيرًا في جمع حديث الرسول (، وكانت هذه المرحلة الجمع بدون تنقيح.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة أخرى أكثر عمقًا بظهور جماعة من علماء الحديث نظروا فيما جمعه محمد بن عمرو بن حزم وابن شهاب الزهري، وجمعوا الصحيح منها، وتركوا الضعيف والموضوع، وهي المرحلة المعروفة بمرحلة تدوين السنة، ولعل أقدم كتاب جمع الصحيح واهتم بالتنظيم والتبويب هو موطأ الإمام مالك -رضي الله عنه- (ت 179هـ).

ونشط العلماء في جمع وتدوين أحاديث الرسول ( في القرن الثالث الهجري، ويعد هذا القرن هو القرن الذهبي لتدوين الحديث، فقد ظهر في هذا القرن أصحاب الكتب الستة: ومنها: صحيح البخاري للإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)، وصحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري
(ت 261هـ)، وقد اتبع هذان العالمان الدقة والأمانة في جمع الأحاديث النبوية، فنالا ثقة المسلمين جميعًا، وأصبح كتاباهما أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى.
كما ظهر ما يعرف بكتب السنن، كسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، كما ظهرت المسانيد، كمسند أحمد بن حنبل، ومسند أبي عوانة، والمستخرجات والمستدركات كمستدرك الحاكم على الصحيحين. كما ظهر علم مصطلح الحديث، وهذا العلم يهتم بمعرفة الحديث الصحيح والحسن من الضعيف والموضوع، كما ظهرت كتب خاصة بالضعيف، وأخرى خاصة بالموضوع.

وظهر أيضًا علم الجرح والتعديل أو علم الرجال، والذي يهتم بدراسة شخصيات الرواة من حيث الثقة والأمانة والكذب والتدليس، وبالجملة من حيث قبول حديث الراوي أو عدم قبوله، وهل هو متروك أم يؤخذ عنه الحديث، وممن كتبوا في هذا العلم الإمام البخاري، فكتب كتاب التاريخ، وكان شيخه على بن محمد المديني قد سبقه في كتاب (علل الرواة)، و(الضعفاء) و(الكبير) للإمام العقيلي، و(تهذيب الكمال) للحافظ المزي، و(ميزان الاعتدال) للذهبي، و(لسان الميزان)، و(تهذيب التهذيب)، و(تقريب التهذيب) للحافظ ابن حجر، وغير ذلك.
وبعد هذه المرحلة تأتي مرحلة الشرح والاختصار لتلك الكتب، فألف العلماء شروحًا لموطأ الإمام مالك كشرح الزرقاني على الموطأ، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، وشرح النووي لصحيح مسلم للنووي، وباقي الكتب الستة، وشرحوا غيرها من كتب الأحاديث الصحيحة، وكان ذلك على يد علماء أفاضل عكفوا على دراسته وكتابته وشرحه.
وقد اهتم العلماء في كل العصور بسنة رسول الله ( حتى عصرنا الحالي. والسنة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، الذي تُستمد منه أسس وقواعد الحضارة الإسلامية في كل المجالات
.
______________
موسوعة الأسرة المسلمة (باختصار)

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.