الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إسرائيل وحلم إجهاض الدولة الفلسطينية

إسرائيل وحلم إجهاض الدولة الفلسطينية

إسرائيل وحلم إجهاض الدولة الفلسطينية

ربما استطاع الاحتلال الإسرائيلي عبر العديد من طرق ووسائل الإرهاب كالقمع والقتل والمجازر, وجرف المزروعات وهدم البيوت ومحاولات تهويد المدن والمقدسات, أن يحرف التاريخ ويزور الواقع الجغرافي الفلسطيني, ولكنه بكل تأكيد رغم كل تلك المحاولات "لم ولن" يستطيع أن يمسح من الذاكرة العربية يوماً اسماً ورسماً غالياً اسمه الوطن الفلسطيني, سيظل هذا الوطن العربي العزيز, ومهما طال ليل الظلم والاستبداد والوهن العربي المخجل, وطناً حراً مستقلاً وغير قابل للاستبدال والاختزال في وطن آخر.

نعم... ربما يستطيع الصهاينة أن "يزرعوا" في مخيلة أجيالهم عبر التاريخ, أن فلسطين العربية الغالية هي أرضهم اليهودية التاريخية المقدسة, والتي لا بد من استردادها في يوم من الأيام, وأنه ليس هناك من شعب عظيم علم العالم كيف تراق الدماء فداء للأرض والوطن, اسمه الشعب العربي الفلسطيني, ولكنهم بكل تأكيد لن يستطيعوا أن "ينزعوا" من ذاكرة أجيالنا العربية وأطفالنا الصغار نشيد: فلسطين داري, ودرب انتصاري.

فكل المحاولات التي تسعى إليها هذه المستعمرة وحكوماتها المتوالية عبر التاريخ ستفشل فشلاً ذريعاً ـ بإذن الله ـ في إقرار ما لا يمكن التخلي عنه أو استساغته وتحقيقه إلا بفناء كل الأحرار الشرفاء في هذه الأمة العظيمة وقلبها العربي النابض, وأن كل المحاولات السياسية منها وغير السياسية لفصل الأرض الجغرافية عن تلك التاريخية للشعب العربي الفلسطيني لن يتحقق, وهو ما سعت وما زالت لتحقيقه الحكومات الإسرائيلية المتوالية بدعم أميركي عبر إقرار العديد من المشاريع والمخططات وبرامج توطين الشعب العربي الفلسطيني خارج أرضه التاريخية.

وبالطبع فإن هذا النوع من المشاريع والمخططات الصهيوأميركية والتي تحاول فصل الشعب الفلسطيني عن الأرض العربية الفلسطينية والأرض العربية الفلسطينية عن التاريخ الفلسطيني كثيرة, أكثرها تكراراً كانت تلك الدعوات التي تدعو لإقامة دولة فلسطينية في الأردن أو مصر أو العراق عبر التاريخ, أو من خلال توطين الشعب العربي الفلسطيني في تلك الدول الثلاث أو في دول الخليج العربية أو بعض الدول العربية الأخرى كلبنان وسوريا وليبيا على سبيل المثال لا الحصر.

ومن الأمثلة القديمة على ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تلك المحاولة التي قام بها يوسف فايتس في العام 1951م داخل الخط الأخضر ولأكثر من مرة بالاتفاق مع وزير الخارجية موشيه شاريت ورئيس الوزراء بن جوريون حيث حاول يوسف فايتس إقناع سكان قرية الجيش المسيحية الواقعة في الجليل بالهجرة إلى الأرجنتين, وكذلك بعض القرى المسلمة مثل قرية الطره وقلنسوه بالهجرة إلى الدول العربية وبالتحديد ليبيا وشمال إفريقيا.

ولكنها ـ ولله الحمد ـ باءت جميعها بالفشل "إلى الآن على أقل تقدير", رغم أنها ما زالت تتكرر بين حين وآخر, حيث أن ذلك يعني القضاء بشكل كامل على حلم قيام الدولة الفلسطينية على الأرض العربية الفلسطينية التاريخية, وترك الجمل بما حمل لحفنة من الصهاينة الخارجين عن كل القوانين الدولية والأعراف السماوية, ونهاية حلم عودة اللاجئين الفلسطينيين بشكل نهائي إلى أرضهم الفلسطينية العربية المحتلة بعد فراق دام أكثر من نصف قرن.

وآخر تلك الأفكار القديمة المتجددة "بالطبع", ما خرج به علينا السفير الأميركي السابق في الأمم المتحدة جون بولتون في مقال له نشرته الواشنطن بوست في العام 2008م, بعنوان "خيار الثلاث دول"، والذي ينعى فيه مشروع الدولة الفلسطينية، ويؤكد أنّ الحل الوحيد اليوم هو عودة كل من الضفة إلى الأردن وغزة إلى مصر, وهو ربما، ما دفع بمسؤولين أردنيين كبار في ذلك الوقت على رأسهم العاهل الأردني للتحذير من أنّ "شبح ضم جزء من أراضي الضفة الغربية إلى الأردن بدأ يلوح مجدداً في الأفق" ومقال بولتون هذا جاء بعد كتاب خطير جدّاً قدمه الخبير الاستراتيجي الإسرائيلي المعروف جيورا إيلاند، ونُشر من خلال مركز الشرق الأدنى في واشنطن، تحت عنوان "إعادة التفكير في حل الدولتين".

وها هي الصحف العالمية اليوم تطالعنا بخبر شبيه لذلك, ولكن على مسار آخر, وهو المسار المصري, حيث نقلت تقارير إخبارية مصرية يوم الخميس الموافق 28/1/2010م, عن دراسة إسرائيلية خطيرة, مفادها أن "إسرائيل" نجحت بجهود "سرية خاصة" في إقناع الولايات المتحدة الأميركية بالضغط على مصر والأردن للاشتراك في حل إقليمي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يقوم على استمرار سيطرة "إسرائيل" على مساحات ضخمة من الضفة الغربية مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات ضخمة من شبه جزيرة سيناء لإنشاء دولة فلسطينية مستقرة وقادرة على النمو والمنافسة.

وأفادت صحيفة المصري اليوم، نقلاً عن التقرير الذي قالت إنه نشر منتصف الشهر في 37 صفحة من القطع الكبيرة تحت عنوان: "البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين"، أن "عملية الانسحاب الأحادي من غزة عام 2005 كانت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، وبمجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما آن الأوان لتنفيذ الخطوة التالية في هذا المشروع, وأوضحت الصحيفة أن هذه هي الخلاصة التي أنهى بها مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق اللواء احتياط جيورا إيلاند عرض المشروع الإسرائيلي المقترح لتسوية الصراع مع الفلسطينيين في إطار دراسة خطيرة أعدها لصالح مركز بيجين ـ السادات للدراسات الاستراتيجية.

وما يلفت الانتباه في دوام التمسك بتلك المخططات الصهيونية المتكررة لتقسيم الأرض الفلسطينية وفصلها, أو اختزالها في واقع عربي جغرافي آخر, أو السعي لتوطين الشعب العربي الفلسطيني خارج أرضه, العديد من النقاط التي نختصرها في الآتي:

(1) التخبط الجيوسياسي الذي تعيشه الحكومات الصهيونية المتوالية, والذي إن دل على شيء فإنما يدل على العجز المستمر في فرض الإرادة اليهودية وأبعاد المشاريع الصهيونية على الواقع الجغرافي أو التاريخي الفلسطيني.

(2) الوضع النفسي المقلق والخوف المستمر من التفوق الفلسطيني الديمغرافي, والذي يمكن أن يتسبب ل"إسرائيل" بالعديد من المشاكل المستقبلية, وهو ما جعلها دائمة السعي لتقسيم الواقع الفلسطيني وإبعاد الفلسطينيين عن حدود ما تطلق عليه بحدودها الجغرافية والتاريخية.

(3) وهن الحكومات الإسرائيلية المتوالية من احتواء القدرات والإمكانات الفلسطينية البسيطة والتي طالما وقفت أمامها الآلة الصهيونية العسكرية عاجزة, وعليه فإنه ليس هناك من حل ممكن في ظل الأوضاع الراهنة, سوى اختزال تلك القوة في واقع جغرافي آخر, يمكن له أن يعيد رسم الخارطة الأيديولوجية الفلسطينية من جديد, وينهي للأبد حلم الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية.

(4) إفلاس كل المحاولات الصهيونية في تهويد الأرض الفلسطينية داخلياً, أو إخضاع الفلسطينيين للمخططات الصهيونية عبر التاريخ, وبالتالي فإنه ليس هناك من حل ممكن لقيام ما يطلق عليه بالدولة الإسرائيلية الصهيونية "الآمنة", سوى الإقرار بقيام دولة فلسطينية مستقلة, بشرط أن تكون بعيدة كل البعد عن دولتهم المزعومة.

ــــــــــــــــــــــ

الوطن القطرية

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة