الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار حول أمراض القلوب ونقاء السرائر

5490 0 1176

المؤمن عالي الهمة لا يقنع بالدون، ولا يقر له قرار في هذه الدنيا، فهو متطلع دائما إلى

الأكمل والأحسن، يستشعر أنه في ميدان سباق، فيأخذ أهبته، ويعد عدته، ويشمر عن

ساعد الجد والاجتهاد، حتى يصل إلى مطلوبه فيكون من السابقين "والسابقون السابقون أولئك المقربون". لقد ربى الإسلام أبناءه على استشعار هذا المعنى في أمر الآخرة حتى جعل الفرد المسلم يتطلع إلى أن يجعله الله إماما للمتقين، فقال الله عز وجل عن أولئك النفر من عباده: " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ".

وبالتأمل في أدلة الشرع نجدها حين تتحدث عن الآخرة تدعو صراحة إلى المنافسة والمسارعة والمسابقة والسعي، وحين تتكلم عن الدنيا تدعو صراحة إلى المشي الهوينا والانتشار في الأرض، وعدم التكالب أو التنافس في طلب هذه الدنيا، ومن هذه النصوص:

"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين"

وقوله تعالى بعد أن وصف شيئا من نعيم الجنة: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله

وذروا البيع ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون"، وغيرها من نصوص القرآن الكريم.

أما نصوص السنة فكثيرة أيضا، ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في

اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل".

يقول ابن حجر رحمه الله: وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازا، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة فإن كان في الطاعة فهو محمود.

مما يجلب الخير للفرد والمجتمع أن ينقي أفراده سرائرهم مما علق بها من أحقاد، وما عشعش فيها من أغلال تجاه بعضهم البعض، وأن يتعامل بعضهم مع بعض وفق الضوابط الإيمانية والشرعيّة، ولبيان أهمية هذا الأمر وخطورته في آن واحد كان لنا هذا الحوار مع فضيلة الشيخ ناصر العمر:

* أين تتجلى خطورة أمراض القلوب؟

- يقولون إن المرض في الأبدان وأيضا في الأديان، ومن هنا نبدأ الحديث فمن المتعارف عليه على مر العصور والأيام أنه ليس كل ما سمي مرضا يكون بالضرورة مرضا في البدن، فربما يكون ذلك المرض في النفس أو في العقيدة ونعنى بذلك- بالطبعالعقيدة غير الصحيحة، وهذا بلا شك أخطر بكثير من المرض الجسدي، ومن هنا جاءت الفكرة أن يهتم بعض العلماء بإلقاء الضوء على هذه الأمراض التي تصيب الروح قبل الجسد، وليس الأمر يقتصر على أمراض دون غيرها فهناك بلا شك علاقة وثيقة تربط بينهم.

* ونحن نتحدث عن الأمراض.. ما معنى المرض الذي له صلة بالقلب؟

- عند الحديث عن مدلولات المرض القلبي نستعرض هنا ما ورد في تفسير القرطبي أن ابن فارس وهو من علماء اللغة قال (إن المرض هو كل ما خرج بالإنسان عن حد الصحة، من علة، أو نفاق، أو تقصير في أمر ما) وهنا لعلنا نستشف من هذا التعريف أنه يمكن للمرء أن يعرف أن المرض لا يكون فقط في الجسد بل أيضا يكون في النفس، أما القلب، فهو في صورته الحسية مضخة دم، وهو يعطي الحياة والحركة.. هذا في الماديات. أما في الأمور المعنوية. فإن المعقولات تتركز وتتحول إلى قضايا تعقد في القلب عقداً لا تطفو بعده من جديد.. وتسير حركة الحياة على وفق هذه القضايا.

* وما حد الاعتدال فيما له صلة بالقلب؟

- حد اعتداله أن يكون بصدد أي عقيدة تعرض عليه فارغاً منها ومن سواها، ثم يناقش القضيتين، فأيهما يقتنع به يدخله في قلبه. أما أن يبقى قضية فيه ثم يناقش الأخرى، فليس في هذه عدالة استقبال أو اعتدال في صحة القلب.. بل حد اعتداله: أن تدخل أرجح العقائد وأصوبها فيه، هذا هو الحق والاعتدال. لأن الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه حتى يناقش بهما قضيتين بل هو قلب واحد، وحيز واحد، والحيز الواحد لا يدخل، ولا يتداخل فيه مظروفان أبداً. فإذا كان في قلبك قضية ثم ناقشت الأخرى؛ فلن تدخل الأخرى أبداً.

ونذكر هنا نموذجا لمن أدخل في قلبه قضية وأخرج أخرى، أدخل الحب للمسلمين، وأخرج بغضهم، ما ذكره الإمام أحمد وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوءه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.. فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى.. فلما قام تبعه عبد الله عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، فقال: إني لاحيت(أي خاصمت)أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، فعلت؟ قال: نعم قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعار، أي تنبه من نومه، وتقلب على فراشه ذكر الله حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا.

فلما مضت الليالي الثلاث، وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله: إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم، ولكن سمعت رسول الله عليه وسلم يقول ثلاث مرارا: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. وطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوى إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت، قال عبد الله: لما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي والله التي لا نطيق ".

* بعد أن تبينت لنا حقيقة مدلولات المرض..فما هي أخطر أنواع أمراض القلوب؟

- يمكن حصر أمراض القلوب في أنواع ثلاثة هي: عضوية، نفسية، إيمانية، والإيمانية هي

الأخطر على الإطلاق حيث أن الأولين، سبب للألم والشقاء في الحياة الدنيا فقط، بينما الثالث سبب للشقاء في الدارين الأولى والآخرة " ومن يعرض عن ذكر ربه فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى" والنوع الثالث والأخطر هنا هو الأمراض الإيمانية وهي الأمراض التي تمت الإشارة إليها في القرآن الكريم، وقد ورد في كتب التفاسير الكثير

من الشرح لهذه الأمراض ومنها تفسير الإمام القرطبي الذي ذكر فيه عشرة أوصاف أو أسماء لها هي : (الختم والطبع والضيق والمرض والران والموت والقساوة والانصراف والحمية والإنكار) فقال في الإنكار:"قلوبهم منكرة وهم مستكبرون "وقال في الحمية: "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية" وقال في الانصراف:" ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لايفقهون" — وقال في القساوة: " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله" وقال:" ثم قست قلوبكم من بعد ذلك" — وقال في الموت :"أو من كان ميتا فأحييناه " وقال" إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله.

" — وقال في الران: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" وقال في المرض:"في قلوبهم مرض" — وقال في الضيق:" ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا" — وقال في الطبع:" فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون" وقال: "بل طبع الله عليها بكفرهم" — وقال في الختم:" ختم الله على قلوبهم".

* كيف يمكن لنا تشخيص الأمراض الإيمانية للقلب؟

- مرض القلب هو نوع فساد يحصل ويشمل فساد الكمية أو الكيفية، فالأول إما لنقص المادة فيحتاج إلى غذاء روحي متكامل، والثاني يفسد به تصوره وإرادته فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وتتغير إرادته بحيث يبغض الحق النافع، ويحب الباطل الضار، فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب كما فسر مجاهد وقتادة قوله تعالى في سورة البقرة "في قلوبهم مرض" أي شك، ومرض القلب ألم يحصل في القلب كالغيظ الذي سببه الحقد والحسد، والمرض دون الموت، فالقلب يموت بالجهل المطلق ويمرض بنوع من الجهل، فله موت ومرض وحياة وشفاء، وحياته وموته ومرضه وشفاؤه أعظم من حياة البدن وموته ومرضه وشفائه، قال ابن عباس: "إذا ذكر الله العبد خنس من قلبه فذهب وإذا غفل التقم قلبه فحدثه ومناه.

* ما موقع الحسد من هذه الأمراض القلبية؟

- الحسد من أمراض القلوب، الحسد كما قال بعضهم في حده: إنه أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال المحسود، وقال طائفة من الناس إنه تمني زوال النعمة عن المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها بخلاف الغبطة فإنه تمنى مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط، والتحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضا في قلبه، ويتلذذ بزوال النعمة عنه وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه بزوال الألم الذي كان في نفسه. ومن أمارات الحسد أن يكون ديدن الحاسد التنقيص من جهد المحسود وقدره في جميع المحافل، كأن يحمل جميع أفعال المحسود وأعماله على أسوأ الاحتمالات وأقبحها، وإن كان لها أوجه خير كثيرة عند إحسان الظن بالمسلم الذي هو الأصل في التعامل بين أفراد الأمة الخاتمة. في هذه الحال، فإن أي تنقيص أو تفسير محمول على أقبح الوجوه مع توافر أوجه كثيرة لحمله على أحسنها، إنما هو فقط تعبير عن الحالة المرضية التي يعيشها الحاسد، وليست تعبيرا عن حقيقة الحكم الصادر في حق المحسود.

* هل للهوى دخل في مثل هذه الحالة؟

الهوى، ومرض الشهوة، وإرادة الشر متى خضع له قلبه وعقله، فالمريض بهذا الداء يدفعه الطمع الذي يقوى الإرادة، والطلب يقوي المرض بذلك، وهكذا مرض الحسد وغيره من أمراض النفوس، وإذا كانت النفس تطلب ما يبغضه الله فينهاها خشية من الله كان ممن دخل في قوله تعالى في سورة النازعات "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى" فالنفس إذا أحبت شيئا سعت في حصوله بما يمكن حتى تسعى في أمور كثيرة تكون كلها مقامات لتلك الغاية، فمن أحب محبة مذمومة أو أبغض بغضا مذموما وفعل ذلك كان آثما، مثل أن يبغض شخصا لحسده له فيؤذي من له به تعلق، إما بمنع حقوقه أو بعدوان عليه، أو لمحبة له لهواه معه فيفعل لأجله ما هو محرم، أو ما هو مأمور به لله فيفعله لأجل هواه لا لله، وهذه أمراض كثيرة في النفوس والإنسان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشرق 29/8/2010م

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق