الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا كان استئناف المفاوضات من هذه البداية؛ فما آخرها؟

1931 5 694

رئيس سلطة حركة فتح والمتحدثون باسمها وفي إطار تبرير عودتهم إلى المفاوضات العبثية يسوقون ثلاث حجج؛ الأولى: أن الشعب الفلسطيني لن يخسر شيئاً جراء جولة إضافية لمفاوضات دارت عشرين سنة وتمت فيها مئات اللقاءات، والثانية: أنهم ذاهبون للمفاوضات على أساس رسالة الرباعية الدولية المتضمنة كل المرجعيات الرسمية المتعلقة بالحدود والأمن والمستوطنات والقدس.. والثالثة: أن المفاوضات خير أو أقل سوءاً من الجمود التام فالشعب الفلسطيني لا يملك بدائل.. ويستدلون على هذا التوصيف بمقولة أن حماس أوقفت المقاومة.. وأقول:

أما زعمهم أن الشعب الفلسطيني لن يخسر شيئاً فليس صحيحاً.. لأن الشعب الفلسطيني يخسر بل يخسر كثيراً مع كل نجاح لنتنياهو ومع كل تغيير لقواعد ومرجعيات المفاوضات، ويخسر كثيراً عندما يحل نتنياهو مشكلة ائتلافه الحكومي بإطلاق المفاوضات فيرضي حزب العمل وعندما لا يوقف الاستيطان فيرضي المستوطنين، والشعب الفلسطيني يخسر كثيراً عندما تنطلق مفاوضات كل غايتها أن تتبدد حصيلة الرأي العام العالمي الضاغط على الاحتلال، وعندما تتبدل العناوين السياسية المتعلقة بالمنطقة من ( تقرير جولدستون، والاعتداء على سفن الحرية، وحصار غزة، وتعطل عملية التسوية، واعتداءات المستوطنين.. ) ويحل بدلاً منها عناوين: (التقى الوفدان، وإجراءات بناء الثقة، وحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وحقها في حدود آمنة..) ويخسر كثيراً عندما يرى العالم المسؤولين الفلسطينيين يتبادلون المجاملات والابتسامات والزيارات مع القتلة والإرهابيين المطلوبين لمحاكم دول كثيرة بتهم جرائم حرب، ويخسر كثيراً عندما تنطلق المفاوضات على أساس شروط نتنياهو التي ثبت أنه يستطيع فرضها على عباس ومن فوقه على أوباما وهي (الاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية، وتقديم أمن الاحتلال، واستمرار الاستيطان، وأن تقوم السلطة بمساعدة الكيان في الدفاع عن نفسه أمام العالم بخصوص كل الجرائم المطلوب فيها..) والشعب الفلسطيني يخسر كثيراً عندما يضع السيد عباس بيان الفصائل في دمشق بما فيها الشعبيتان والديمقراطية وحزب الشعب والأحد عشر فصيلاً كلها تحت أقدام أصغر شرطي من فلسطينيي دايتون الجدد وعندما يمكن سلطة الأقلية تحت جناح الاحتلال من التصرف في حاضر الأكثرية ومستقبلها، وعندما يحول المنظمة والممثل الشرعي لهذا الشعب ذيلاً للعدو وتتخذ قراراتها بخمسة من ثمانية عشر هم أعضاء اللجنة التنفيذية المفترضة فتتحول إلى هزء شائه بين المنظمات وتخسر حتى ذكريات الاحترام التاريخي.. فهل بعد هذا كله يقال: إن الشعب الفلسطيني لن يخسر شيئاً؟! ربما يكون صحيحاً لو أن الشعب الفلسطيني تنازل - مثلهم – عن حقوقه في الدم والهدم وآلاف الأسرى وملايين المهجرين والمبعدين، وباع المقاومة والثورة بالتعاون الأمني مع الاحتلال وبالتوحد معه ضد المقاومة والتآمر على المحيط العربي والإقليمي..

وأما زعمهم أن الرباعية الدولية بعثت لهم برسالة تتضمن كل المرجعيات الرسمية فهذا غاية الكذب وأقبحه.. والرسالة منشورة في كل الدنيا ونصوصها واضحة وهي لم تتناول لا تصريحاً ولا تلميحاً إيقاف الاستيطان ولا قضايا الوضع النهائي، ولم تذكر أو تنوه بالقرارات الدولية ذات العلاقة، ولم تلتفت ولو بإشارة إلى الاتفاقات السابقة.. ما يجعلها مجرد صياغات هزيلة فارغة من المضمون ومعدة لتكون مجرد ورقة توت مخرقة يتستر بها الطرف الذي كان يرفض العودة إلى المفاوضات بدون مرجعيات ويعتبر ذلك تنازلاً عن الثوابت الوطنية والالتزامات.. رسالة الرباعية ما هي إلا رسالة تستير إعلان وهي أمريكية لا علاقة للرباعية بها يؤكد ذلك ما أعلنه السيد كوشنير – وزير خارجية فرنسا – من الغضب والامتعاض بسبب عدم دعوة الأوروبيين إلى قمة واشنطن.. لأجل ذلك اعتبرت صحيفة هآرتس العبرية الصهيونية في نسختها الإلكترونية السبت قبل الماضي 21/8 أن نتنياهو وبعد عام ونصف من الجمود السياسي يمكنه- وفق قولها - تسجيل أول إنجاز سياسي وإن كان متواضعاً..

وهذه أهم نصوص الرسالة: 1- ( .. المفاوضات المباشرة لحل كل القضايا العالقة بشأن الوضع النهائي يجب أن تؤدي إلى تسوية عن طريق التفاوض بين الأطراف، تضع حداً للاحتلال الذي يرجع إلى 1967 وتسفر عن إنشاء دولة فلسطينية).. لاحظ عبارة "كل القضايا العالقة" ستجد أنها لم تحدد هذه القضايا؛ ما يعني أن وضعها على جدول الأعمال سيكون مشكلة في حد ذاتها، فهل هذه ضمانة على بحثها أصلاً، فضلاً عن إثبات حق فيها؟ ولاحظ عبارة "يجب أن تؤدي إلى تسوية" ستجد أنها صيغة طلب – أو أمر – وستجد أنها لا تحمل أية أدوات إلزام أو آليات تنفيذ! ولاحظ عبارة الـ67 ستجد أنها وردت في معرض توصيف الاحتلال وليس في إطار تحديد أو توصيف الدولة التي وصفت بالتنكير (دولة !) ولم توصف بأكثر من فلسطينية وأنها ستنتج عن المفاوضات.. 2- أما عن دور الرباعية فقد جاء في الرسالة أنه (دعم الأطراف في مرحلة المفاوضات) والسؤال: ما المراد بالدعم هنا؟ هل هو إشراف، أم وساطة، أم ضمان على التنفيذ؛ أم سيكون مجرد تشجيع وتصفيق، أم سيكون تدخلاً على قاعدة تعدد المكاييل الأمريكية؟ 3- وجاء في الرسالة ما اعتبره الطرف الفلسطيني سقفاً زمنياً للمفاوضات هو عبارة: (يمكن أن تثمر خلال عام).. لاحظ كلمة يمكن! التي لا تعني أكثر من فرضية تحمل الانتفاء بقدر ما تحمل الإثبات! 4- وجاء في الرسالة "العتيدة!" (النجاح سيتطلب دعماً إقليمياً ودولياً مستمراً للمفاوضات وأيضاً لعملية موازية لبناء الدولة الفلسطينية والبحث عن سلام إقليمي عادل ودائم وكامل كما جاء في أطر مدريد وقرارات مجلس الأمن ومبادرة السلام العربية) لاحظ إخلاء مسؤولية الاحتلال باكراً واستبدالها بمسؤولية عامة يتساوى أمامها العدو مع كل الدول الإقليمية! ولاحظ أن التطبيع يجب أن يبدأ وأن يكون سبباً لنجاح المفاوضات – حسب الرسالة - بمجرد بدئها!

وأما زعمهم أن المفاوضات خير أو أقل سوءاً من الجمود التام وأن الشعب الفلسطيني لا يملك بدائل.. والتدليل على ذلك بزعم أن حماس أوقفت المقاومة.. فالأخبار يومياً ترد هذه الفرية.. وهذه أخبار آخر خمسة أيام فقط وتتعلق بالمقاومة الخبر الأول: "الأمن المصري" يصادر 90 قذيفة كاملة الأجزاء مضادة للطائرات كانت في طريقها إلى غزة، الخبر الثاني: تدريبات "إسرائيلية" أمريكية لمواجهة المقاومة الفلسطينية 3- إصابة ثلاثة مقاومين خلال تصديهم لقوة "إسرائيلية" شرق مخيم البريج، 4- مقتل أربعة صهاينة في عملية للمقاومة بالخليل... فهل يقال بعد ذلك إن المقاومة أوقفت عملياتها أو أنها تتساوى مع السلطة ذيل الاحتلال؟

آخر القول: ما تسوقه سلطة منظمة فتح ومتحدثوها هو دليل إضافي على أنها لم تعد تملك لتسويق نفسها وسياساتها ومؤامراتها إلا محاولات الاستغفال والتدليس.. أما الحقيقة التي لا جدال فيها فهي أن هذه السلطة لم تعد تمثل لا في المفاوضات ولا في السياسات ولا في المواقف إلا مجموعة صغيرة لا تملك إلا المضي تحت رغبات الاحتلال..

والسؤال: إذا كان استئناف المفاوضات قد بدأ بالأكاذيب والتدليسات؛ فماذا سيكون آخرها؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الشرق القطرية

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق