الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لفظ (صلح) في القرآن الكريم

لفظ (صلح) في القرآن الكريم

لفظ (صلح) في القرآن الكريم

تواتر ورود مادة (صلح) في القرآن الكريم، ما يدل على مركزية هذه المادة وأهميتها في الخطاب القرآني. ولا غرابة في ذلك، فالقرآن في الأساس هو دعوة إلى الصلاح والإصلاح، صلاح العالَم وإصلاح الناس، وهو بالمقابل حرب على الفساد والإفساد.

وتفيد معاجم اللغة أن مادة (صلح) تدل على خلاف مادة (فسد). يقال: صلَُح -بفتح اللام وضمها- الشيء يصلُح صلاحاً وصُلُوحاً: زال عنه الفساد. وأصلح في عمله أو أمره: أتى بما بما هو صالح ونافع. وأصلح بينهما: أزال ما بينهما من عداوة وشقاق. ويختص (الصلاح) بالأفعال غالباً. وقوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسيئة، قال تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} (التوبة:102). وقال سبحانه: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} (الأعراف:56). و(صلاح) اسم من أسماء مكة. و(صالح) اسم النبي المرسل إلى قوم ثمود، قال تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحا} (الأعراف:73).

وقد ورد لفظ (صلح) ومشتقاته في القرآن الكريم في ثمانين ومائة موضع، جاء في صيغة الفعل في ثلاثين موضعاً، من ذلك قوله تعالى: {وأصلحوا ذات بينكم} (الأنفال:1). في حين ورد في صيغة الاسم في خمسين ومائة موضع، من ذلك قوله تعالى: {والصلح خير} (النساء:128). وقرن القرآن الكريم بين الإيمان والعمل الصالح في واحد وخمسين موضعاً، من ذلك قوله سبحانه: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (البقرة:25).

ولفظ (صلح) ومشتقاته ورد في القرآن على معان، نذكر منها:

بمعنى (الإيمان)، من ذلك قوله تعالى: {جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم} (الرعد:23)، قال الطبري: و"صلاحهم": إيمانهم بالله واتباعهم أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. ونحو ذلك قوله سبحانه: {فأصدق وأكن من الصالحين} (المنافقون:10). أي: أكن من المؤمنين.

بمعنى (حُسن المنزلة)، من ذلك قوله تعالى في حق إبراهيم الخليل عليه السلام: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (البقرة:130)، أي: إن إبراهيم في الدار الآخرة يوم القيامة لممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحَسُنت فيها منزلته وكرامته. قال بعض أهل العلم: كل ما أخبر عنه القرآن عن إبراهيم عليه السلام أنه {في الآخرة لمن الصالحين}: يعني في المنزلة عند الله، نحو قوله سبحانه: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (النحل:122).

بمعنى (الرفق)، من ذلك قوله تعالى: {اخلفني في قومي وأصلح} (الأعراف:142)، قال البغوي: أي: ارفق بهم.

بمعنى (التزام شرع الله)، من ذلك قوله تعالى: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} (هود:88)، أي: ليس لي هدف من ورائي دعوتكم إلا أن تلتزموا شرع الله، فتأتمروا بأمره، وتنتهوا بنهيه. ونحو هذا قوله سبحانه: {إلا الذين تابوا وأصلحوا} (البقرة:160)، أي: تابوا عن المعاصي، والتزموا شرع الله. ولفظ (صلح) وما اشتق منه كثيراً ما يأتي في القرآن بحسب هذا المعنى؛ وذلك أن إصلاح العلاقة بين العبد وخالقه لا تكون إلا بالتزام شرعه أمراً ونهياً.

بمعنى (الطاعة)، من ذلك قوله تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} (الأعراف:56)، أي: بعد قيام الطاعة فيها لله تعالى. ومن هذا القبيل قوله سبحانه: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (البقرة:25)، أي: آمنوا بالله وأطاعوه. وهذا كثير في القرآن.

بمعنى (بر الوالدين)، من ذلك قوله تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين} (الإسراء:25)، أي: أن تكونوا أبراراً مطيعين قائمين بما لزمكم من حق الوالدين.

بمعنى (الوفاء وحسن الصحبة)، من ذلك قوله تعالى: {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} (القصص:27). قال عمر رضي الله عنه: يعني: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.

بمعنى (المرسلين)، من ذلك قوله تعالى: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين} (الشعراء:83)، أي: اجعلني رسولاً إلى خلقك. ونحو هذا قوله عز وجل على لسان يوسف عليه السلام: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} (يوسف:101).

بمعنى (الحج)، وذلك قوله تعالى: {فأصدق وأكن من الصالحين} (المنافقون:10)، أي: أحج، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وهو قول في المراد من (الصلاح) في الآية.

بمعنى (تسوية الخَلْق)، من ذلك قوله تعالى: {لئن آتيتنا صالحا} (الأعراف:89)، أي: دعَوا الله ربهما أن يكون المولود بشرًا سويًّا. وهذا قول في المراد من الآية. وعليه أيضاً قوله سبحانه: {فلما آتاهما صالحا} (الأعراف:190). وقد قال الطبري هنا: الصواب من القول أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعَوا الله ربهما بحمل حواء، وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء، صالحاً ليكونان لله من الشاكرين. و(الصلاح) قد يشمل معاني كثيرة: منها (الصلاح) في استواء الخلق، ومنها (الصلاح) في الدين، و(الصلاح) في العقل والتدبير. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني (الصلاح) دون بعض، ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يُعَمَّ كما عمَّه الله، فيقال: إنهما قالا: {لئن آتيتنا صالحا } بجميع معاني (الصلاح).

هذه أهم المعاني التي ورد عليها لفظ (صلح) ومشتقاته في القرآن، وهي معان مستفادة من السياقات التي وردت فيها، أو من الآثار التي رويت بشأنها، وهي في جملتها تفيد معنى (الصلاح) بمعناه العام، الذي هو خلاف الفساد، وبمعناه الشرعي، الذي هو طاعة الله والتزام أحكامه.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة