الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هي والله لوجه الله

هي والله لوجه الله
8757 8 1061

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واتبع هداه، وبعد:
فقد تابعت الجلسة الأولى لمجلس الشعب المصري وقد لفت انتباهي أمران، الأول يتعلق بأعضاء مجلس الشعب أنفسهم حيث دخل كثير منهم المجلس وهم يبكون.
أما الثاني فهو هؤلاء المؤيدون من الإسلاميين الذين رفع بعضهم لافتة تطالب أعضاء المجلس بالتواضع، وهتف آخرون قائلين:

(لا للمنصب ولا للجاه هي والله لوجه الله)
وحين رأيت النواب على هذا الحال من التواضع والانكسار لله تعالى، وسمعت هتافات مؤيديهم استبشرت جدا وتملكتني حالة من الإحساس بقرب هؤلاء من التوفيق بإذن الله تعالى، فالتواضع والانكسار وإظهار الافتقار لله العزيز، ونسبة الفضل إليه سبحانه،ومعالجة النفس ولجمها والبعد بها عن الزهو والكبر والفخر لهو من أقصر الطرق للفوز بتوفيق الله تعالى وفضله.

نسبة الفضل إلى الله تعالى:

{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ }.
وهكذا أصحاب المنهج الحق منهج الإسلام النقي الصافي إذا مكّن الله لهم في بقعة أو نصرهم في موقعة استشعروا عظم النعمة ولم ينسبوا لأنفسهم فضلا لأنهم يوقنون أن الأمور كلها بيد الله وليس للعبد فيها من نصيب.
ولهذا لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا طأطأ رأسه تواضعا حتى كادت جبهته تلتصق بظهر ناقته، وكان يردد قوله تعالى:

{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا }.
أما أصحابه رضي الله عنهم فيروى أنهم كانوا يرددون:
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده).

وهذا الذي رباهم عليه القرآن أن يستشعروا نعمة الله عليهم، وأن ينسبوا له تبارك وتعالى الفضل والمنة.
ففي غزوة الأحزاب وبعد أن نصرهم الله على عدوهم ورد كيد الكافرين إلى نحورهم، قال الله تعالى لعباده المؤمنين:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا}.
وفي موقف آخر يقول الله تبارك وتعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }.

وحين تحدث القرآن عن غزوة بدر وما من الله به على المؤمنين من نصر وعز وتمكين بعد أن كانوا أذلة خائفين رباهم على نفس المعنى، معنى استشعار الفضل والنعمة من الله تعالى ونسبتها إليه وحده ونسيان حظ النفس وعدم الغرور بما من الله تعالى به على عباده فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.
وبعد ان من الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين بالنصر والفتح وانتشار دعوة الحق في الأرض قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم:
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.

أما العجب فعاقبته أليمة:

فبعد النصر والعز والتمكين قد يتسلل إلى بعض النفوس نوع غرور أو كبر أو زهو بما من الله تعالى به على العباد فتكون العواقب وخيمة وأليمة، تماما كما حدث مع المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حين قال بعض الناس يومها: لن نهزم اليوم من قلة، فكانت الهزيمة وكان الفرار من ساحة المعركة حتى عاد الناس إلى رشدهم وعلموا أن النصر منة من الله تعالى يمن بها على من يشاء من عباده كما قال: { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}(آل عمران: من الآية126).

وقد سطر القرآن الكريم هذا المشهد العجيب فقال الله تعالى:
{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}.

إنها الحقيقة التي لا مراء فيها أن الأمور كلها بيد الله، وأن النتائج ليست دائما بحسب جهد العبد وطاقته لكنها في الحقيقة بيد الله الذي لا ناصر لمن خذل، ولا غالب لمن نصر، ولا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز:
{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
ولهذا كان من أذكار النبي ودعائه صلى الله عليه وسلم:

" يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".
فيا نواب الشعب اعلموا أن ما بكم من نعمة فمن الله تعالى وحده ليس باجتهادكم ولا هو ثمرة كدكم وعنائكم، فتواضعوا لله تعالى ولعباده، واجتهدوا واعملوا وثابروا واصدقوا اللجوء إلى الله تعالى ليعينكم وينجح قصدكم، وتذكروا قوله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } (الأعراف:58).

وفقنا والله وإياكم لما يحب ويرضى، ورزقنا وإياكم الإخلاص والصدق والتواضع،والحمد لله رب العالمين.
 

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق