الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عصرُ الإلحاد ..خلفيته التاريخية وبداية نهايته

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:22/04/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
5253 0 601
عصرُ الإلحاد .. خلفيته التاريخية وبداية نهايته
تأليف :محمد تقي الأميني الندوي 
عرض وتحليل: الأستاذ الدكتور إبراهيم عوضين

هذا الكتاب ـ كما يشير عنوانه ـ يقدم وصفـًا لعصر الإلحاد في أوروبا ودوافعه وآثاره ونهايته في نحو ثمانين صفحة من القطع المتوسط مضيفـًا حلقة إلى حلقات تلك السلسة الممتدة ، التي نهض بها كثير من مفكري المسلمين في شبه القارة الهندية وباكستان .
وقد اضطر المؤلف إزاء ضخامة الصورة وتعدد عناصرها التي تغطي عصر الثورة الصناعية ومحدودية المساحة التي قدمت فيها .. إلى أن يكثف عباراته لتقدم كل عبارة منها أكبر قدر ممكن من الأفكار المتزاحمة بما تضمنه من آثار .
ومؤلف الكتاب له جولات كثيرة في ميدان الدراسات العقدية والفكرية والمقارنة ، قدم خلالها نحو عشرين كتابـًا ، وهو من مواليد الهند سنة 1926م ، وتخرج من الجامعات الإسلامية ، وعُيّن أستاذًا بدار العلوم ندوة العلماء بـ " لكهنو " ثم أصبح مسؤولاً عن التدريس والإشراف على الشؤون الدينية بجامعة " عليكرة " الإسلامية .
وقد ترجم الكتاب إلى اللغة العربية الدكتور " مقتدى حسن ياسين " وكيل الجامعة السلفية بالهند ، وقام الدكتور " عبد الحليم عويس " بمراجعته وإعداده للطبع سنة 1404هـ الموافق 1984م .
والمؤلف إنما رأى في عصر الثورة الصناعية عصرًا للإلحاد ، لأنه لاحظ أن الإلحاد في هذا العصر أصبح علمـًا ومنهج حضارة وفلسفة يبشر بها ، ولم يعد سلوكـًا فرديـًا ولا حتى سلوكـًا جماعيـًا عارضـًا ؛ فقد وجد بالنظر الفاحص أن أوروبا ما اعتنقت النصرانية قلبيـًا ورسميـًا فحسب لكنها إلى ذلك قد اعتنقت عقليـًا وفكريـًا وتنظيميـًا ما أفاءته عليها الوثنية اليونانية الرومانية والفكر الفلسفي الدائر في هذا المحور ، كما وجد أن فلاسفة كثيرين قد بذروا بذور الإلحاد في نظريات ومذاهب وحاولوا تلفيق أديان جديدة لها بعض السمات الشكلية للدين ، ولكنها من صنع الإنسان نفسه ، ولا علاقة للوحي السماوي بها .
وتحت هذا الستار نفثوها سمومـًا في شتى مناحي الحياة الأوروبية جيلاً بعد جيل معتمدين على الهيمنة الإعلامية والثقافية في التبشير بها ، مع إخفاء مضارها الفتاكة .
والكتاب يضم مقدمة وتمهيدًا وأربعة فصول ، عمل المؤلف في أثنائها على أن يقدم لأوروبا في هذا العصر الممتد الصورة العقلية في علاقتها بالروح والقلب، والسلوك الإنساني .
وكانت المقدمة نافذة تلفت القارئ إلى دور السياسة ـ حين تستبد بالأمر ـ في تزييف الدين وإبرازه في هيئة منفرة تتراكم فيها العقائد البالية والعادات والتقاليد القديمة على الرغم مما بين السياسة والدين من توافق إذا كانا متوازنين ، كما تلفته إلى لجوء السياسة لاختراع دين مصنوع يؤازرها ويعينها في إزهاق روح الدين السماوي الخالص والتنفير منه وعزله عن الحياة ؛ حتى يفقد فعالياته الفطرية ، وتلفته إلى منهج المؤلف في استعراض ذلك .
مقررات قرآنية تكشف دور الدين المزيف في هدم الحضارات :
تحت هذا العنوان مهَّد المؤلف لدراسته ، فقدم من الآيات الكريمة ما ينبه إلى تلك النتائج الهدَّامة التي بلغت خمسين أثرًا ، كل أثر منها يكفي وحده في زلزلة كيان البشرية ، وختم هذا التمهيد مقررًا : أن هذه الآثار المدمرة التي بين القرآن الكريم أنها تنشأ عن تزييف الدين ، قد أصابت مسلمي العصر الحاضر ، كما أصابت من قبل النصارى واليهود وغيرهما من الديانات السابقة ، وكانت أبرز هذه الإصابات وقوع المسلمين بين براثن التأويل والتزوير والاغترار والانخداع والاحتكار الديني والطائفي التي وقع فيها من سبقهم من أهل الديانات الأخرى ، على وعد منه بأن يضمن بقية الكتاب الشهادات التاريخية التي تؤكد وقوع هذه الآثار وتوضحها .

الدين قبل النشأة الثانية :
تحت هذا العنوان قدم الفصل الأول ، ويقصد المؤلف بالنشأة الثانية ، النشأة الثانية لأوربا التي سبقت بتسلل عبادة الأوهام النصرانية فانحرفت بها وجعلت منها دينـًا ضعيفـًا هشـًا منقطع الصلة بالإنسان ، من كل ما هيأ الفرصة لتحريف النصوص ، وتمكين العقل البشري من إخضاع الدين لرغباته لمدة تجاوزت ألف عام من سنة 486 إلى سنة 1495م .
ويذكر المؤلف أن عبادة الأوهام تلك قد بدت في عدة مظاهر من أهمها :
1- توهم أن غاية التدين ومنتهى الأخلاق يتمثل في قتل الجسد .
وقد نشأ هذا الوهم من الحكم على الإنسان بأنه مجبول على المعصية مفطور على الشر ؛ فسادت الرهبنة والزهد .
2- وفي مقابل هذا الوهم ساد وهم آخر يعتمد على المكر والخداع ، ليحول الدين إلى طقوس ومظاهر شكلية يتمكن بها من اختراق وهم الرهبنة والزهد ليسود الترف والانحلال فيملأ الفراغ الذي نشأ عن اعتزال الحياة باسم الرهبنة .
3- وفي ظل هذين الوهمين المتقابلين تحول الدين إلى مظاهرة فارغة تحتمي بسلطان الكنيسة لتوفر لمن يبدون التزامهم بها أيسر السبل التي توفر لهم حاجات الحياة من غير جهد ولا عمل .
وباسم نشر الدين انتشرت الحفلات الدينية التي استغلت للتسلية وتحقيق المتع المادية وإشباع النهم الجنسي .
4- الاهتمام بالاختلافات في الفروع وتعصب كل لما يراه ؛ من كل ما فرق شمل الدين وجعله ديانات كثيرة يخاصم كل دين منها ما سواه من الديانات الأخرى حتى انتشرت عبادة الأولياء والتماثيل استجابة لروح الصراع المتعصب .
5- سيادة وهم جمود الإنسان ومقاومة كل من يخرج على ذلك بشتى وسائل القهر والمقاومة ؛ من لعن وطرد وسجن وتعذيب بالغ العنف ينتهي بالشخص إما إلى الموت أو إلى التوبة والرجوع عن آرائه كما جاء في توبة " جاليليو " حين قال : إن الأرض تتحرك فواجه من أسباب القهر ما اضطره إلى أن يعلن توبته ورجوعه عن أقواله تلك . قائلاً : " أنا المدعو بـ " جاليليو " في سن السبعين أركع وأنا سجين أما صاحب القدس وأقبل الإنجيل وأعترف بخطأ القول بحركة الأرض وأكره الإلحاد وألعنه " ، وهكذا أفرغ الجو من الدين السماوي الخالص لا ليسود الدين السياسي فحسب ؛ بل ليسود ، وليتعاون مع الفساد البشري والاجتماعي كي يظل محتفظـًا بسلطانه وتسيده .

حركة الإصلاح الديني :
وفي الفصل الثاني تعرض لحركة الإصلاح الديني في أوروبا ، فلم يكن ممكنـًا أن ينال هذا الفساد كل التأييد والرضا من جميع الناس ؛ فالفطرة البشرية المستقيمة تظل تبحث – مهما بلغ ضعفها – عن وسيلة للخلاص من الشذوذ والانحراف السائد .
1- وقد رأى الباحثون الأوروبيون أن أوروبا استفادت كثيرًا من الاتصال بالمسلمين والوقوف على الدين الإسلامي في أثناء الحروب الصليبية وما أمدتهم به مراكز الأندلس العلمية ، وتمثلت تلك الإفادات في اقتباس علوم الطبيعة والنجوم والفلسفة والرياضيات من المدارس العربية ثم أخذت تنتشر في أوروبا منذ القرن الرابع عشر كما صرح بذلك " جان ديوت يورث " و " رينان " وغيرهما .
2- وكان من أبرز ثمار ذلك ظهور شخصيات أوروبية عنيت بالإصلاح الديني مثل " جان كالفن " 1509 ـ 1564م و " إيراسمس " 1466 ـ 1536م" و " مارتن لوثر " 1483 ـ 1546م ، وعلى الرغم من تعرض هؤلاء الإصلاحيين للطرد واللعن والسب بناء على أحكام محاكم التفتيش أثمرت جهودهم الإصلاحية تأسيس فرقة " البروتستانت " في ألمانيا ، ثم انتشرت في أوروبا حتى سيق قادتها ومعتنقوها إلى محاكم التفتيش ؛ لمعارضتهم طريقة حياة البابا لإسهامهم في التقدم العلمي والحضاري المناهض للدين الجامد الذي كان يسود أوروبا ، ولم يكن هؤلاء الإصلاحيون –الذين نهضوا بحركات الإصلاح الديني- مقطوعي الصلة بعامة الناس ، فقد صادفت هذه الحركات اتجاهاً أوروبياً يميل إلى الإصلاح وينشده ؛ فكانت البداية الإصلاحية في أوروبا قائمة على الدين الصحيح ، حتى ذهب بعض المفكرين إلى أن أساس جميع الحركات التقدمية في أوروبا قد قام على الدين الصحيح ، وذهبوا إلى ما هو أعمق من ذلك وأبعد وهو أن الغريزة الدينية طبيعة في الإنسان .
3- ومع هذا وقعت حركات الإصلاح الأوروبية في أخطاء كان من أبرزها :
(أ) الفشل في إيجاد توازن بين العقل والعواطف .
(ب) العجز عن التوصل إلى كيفية صحيحة للإيمان .
(ج) عدم بذل الجهود المخلصة لتوضيح التوافق بين الإصلاح والسنن الطبيعية .
(د) عدم الاهتمام بربط الإصلاح بالناحية الإيجابية للشؤون الاجتماعية
والحضارية.
(هـ) عدم المزج في الإصلاح بين العقل والقلب ولا الاهتمام بإيجاد التوازن بين الدين والدنيا حتى تحل مشكلات الحياة وكان نتيجة ذلك أن جاء الإصلاح محدودًا جدًا .
ويدعم المؤلف ملاحظاته تلك بعدة شهادات تاريخية صدرت عن " هـ . و ويكمن " و " أ . ج . جرانت " .
4- وفي استعراض المؤلف لمقومات حركة الإصلاح ذكر أن ضعف الدين وفشله كان أهم مقومات نجاح حركة الإصلاح .
هذا إلى أنها وسعت نطاق الفكر واتجهت إلى إعادة عصر الترف اليوناني السابق وتغيير صورة المجتمع بما فرضت عليه من اختلاط مشين فيما تبنته من حفلات ومجالس تشتمل على الرقص والغناء والعروض السافرة وتوجيه المناهج الدراسية إلى كل ما يتصل بالنفس الإنسانية وإنشاء أساليب جديدة للصناعة وإضعاف سلطة الملوك والأغنياء ، وتشجيع حركة الكشوف الجغرافية ، وما تمخضت عنه من تأسيس المستعمرات الأوروبية .
5- ومع تغير صورة أوروبا ونشوء عالم جديد فيها نتيجة هذا الإصلاح .. أصبحت الحاجة ماسة إلى دين شامل للتوجيه والإرشاد بما يحتويه من تعاليم شاملة ، ولكن هذا العالم الجديد لم يحظ بهذا الدين ؛ إذا اكتفى بتلك الصورة الباهتة الضعيفة للدين ؛ فلم يتوفر له من أسباب التوازن ما يحميه من تغلب الجانب المادي على الجانب الروحي ، بل زاد من عنف الانحراف إلى الجانب المادي أن الدين النصراني الذي فُرِّغ من أهم خصائصه .. وأصبح مقصورًا على الرهبنة ومعاداة التطور وأصبح ملهاة يتسلى بها القائمون على العالم الجديد ، ففقد كل أدواره الحيوية لتخلفه التام عن التطور ، ولفقدانه ما يقدمه لحركات الإصلاح من دعم يتلاءم مع ما جد من تغير .
مع هذا كله .. أصبحت الحاجة ماسة إلى دين يتخلى عن بعض مبادئه الأساسية ويتفاهم مع الأفكار الحديثة ويتفاعل مع الحياة الاجتماعية بكل جوانبه على أن لا يتدخل في الشؤون الأخرى ؛ فكانت النصرانية الجديدة التي طورها " بولس " هي التي تستطيع أن تقوم بذلك الدور ، وما زالت أوروبا تعيش إلى اليوم في ظل هذه التركيبة الغريبة التي تقوم على التمسك بدين ذي عقيدة ميتة وبعض عادات وسلوكيات لا تحقق للنفس إلا التسلية والمتع الجسدية التي استمدها في أوروبا من هيمنة آثار الحضارة الرومانية عليها كما أوضح ذلك " جيبون " في كتاب سقوط الإمبراطورية الرومانية .
وبذلك لم تتوافر أية قوة للتفكير الديني في نشأته الثانية على يد حركة الإصلاح اللوثرية ؛ فانتشر التفكير اللاديني .

العصر الحديث وأحواله الخاصة :
وفي الفصل الثالث تحدث المؤلف عن أوروبا في العصر الحديث الممتد من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر فذكر أن أوروبا في هذا العصر كان يسيطر عليها الاتجاهات اللادينية على اختلاف مظاهرها ، وذلك لأن الدين الحقيقي لم يكن ممكنـًا أن يتفاهم مع ما نشأ فيها من اتجاهات ونظريات تتلخص في :
1- نظرية القومية والوطنية .
2- المذهب الطبيعي .
3- الحضارة المادية .
أما النظرية القومية فتنسب إلى " ماكيا فيللي " الذي استوردها من روما مع ما استورد منها من العلوم والفنون الأخرى .
ولكنه عرضها بأسلوب جديد مقررًا أن الدولة القومية هي أعلى كيان في الكون وأن الدولة لذلك ليست أخلاقية ولا قانونية ، بل هي سياسية فقط ؛ فهي غير محتاجة إلى الأخلاق ولا إلى الدين ولا إلى القانون .
ولا مانع في الدولة القومية من أن يبقى الدين تابعـًا للسياسة وخادمـًا لها.
ولإصابة الحياة في أوروبا بالجدب رحبت بنظرية القومية الميكيافيلية ؛ليبقى الدين آلة مستخدمة في يد السياسة كمتعة نفسية أو زينة لمجالس السمر على الرغم من سطحية النظرية القومية بما تقوم عليه من إهمال للأخلاق والسلوكيات .
ولم يقف هذا الترحيب الأوروبي بالميكيافيلية على رجال السياسة ، بل لقد انضم إليهم رجال الدين هناك فأثمر ، ذلك دينا جديدًا هو " الدين الطبيعي " الذي لم يلبث طويلاً حتى حل محل الدين السماوي .
وفي مبحث مستقل عمل المؤلف على التعريف بهذا الدين الجديد ؛ فذكر أنه الذي يبقى حرًا من جميع العادات والتقاليد ، وينبني على الطبيعة الإنسانية فقط وقد نهض بالتبشير به كثيرون مثل : " بودن " و " تورالبا " و " لورد هربرت " ويلاحظ أن هؤلاء جميعـًا كانوا حريصين على تحرير الإنسان من سلطة رجل الدين الذي كان يهيمن على كل مقدرات الحياة الأوروبية ؛ ولذلك قام هذا الدين الطبيعي على مقولة : " إن الإنسان يتلقى وحيـًا باطنيـًا مستمرًا يوجهه ويحرره مع نصائح الموجهين الدينيين ".

مناقشة وتقويم :
ثم أخذ المؤلف يناقش هذه الفكرة تحت عنوان " أخطاء الدين الطبيعي " منبها إلى ما في " الوحي الباطني " من خداع مضلل ؛ إذ لا يمكن أن يصان الإنسان في ميدان الحياة عن الهوى والشهوة الشخصية التي تصيب الفطرة بالانحراف .. وموضحـًا أن فكرة " الدين الطبيعي " فكرة قد تخدع في الظاهر ، ولكنها أمام الواقع الإنساني قادته إلى الإلحاد واللادينية ، وذلك لاستحالة بقاء الفطرة مصونة من الزيف والغش بعد وقوعها تحت تأثير الوراثة والتربية .
ومع أن انتشار الدين الطبيعي استلزم التنفير من دين الوحي ، وجدت طائفة أخرى لا ترى حاجة حتى إلى تعاليم الدين الطبيعي ، طلبـًا لمزيد من الحرية .
وكان من أثر ذلك أن ظهر في بداية القرن الثامن عشر مصطلح " حرية التفكير " في الأدب الإنجليزي ؛ قصدًا إلى تحرير التفكير من جميع القيود .
وتحت عنوان " أسلوب سيطرة الدين الطبيعي على دين الوحي " ذكر المؤلف أن الدين الطبيعي قد اختار أسلوبـًا سياسيـا للتغلب على دين الوحي حيث تدرج من الدعوة إلى اختبار كل شيء بالمقياس العقلي فبدا متوافقـًا مع الكتب المقدسة .
ثم بالمقياس العقلي قرر أنه " لا يعقل أن يوحي الله إلى بعض الناس مباشرة بينما يحرم البعض الآخر من الوحي بينما هناك من يجهلون الوحي تمامـًا " ، ويخلص الدين الطبيعي من ذلك إلى أنه لا حاجة للوحي ؛ لكفاية الدين الطبيعي من جهة ، ولأن الوحي ليس ممكنـًا من الناحية النفسية والخلقية .
وهنا يعرض المؤلف لجعل العقل مقياسا في الحكم على شؤون الدين والحياة؛ مقررًا أن التسليم بما للعقل من دور في إثبات الحقائق والأشياء لا يعني أن هذه القدرة مطلقة فالتجربة والمشاهدة تثبتان أن دور العقل في الدين والحياة محصور في مدى محدود ، لا يستطيع الخروج عليه ولو تجاوزه لأصبح تدخله مضرا .
بل إن العقل ليبدوا عاجزًا في أكثر من أوقات الحياة حتى إنه لينحط إلى أودية العواطف والشهوات وينسى دوره في التوجيه ، وإذا وجد توجيهـًا ، فإنه لا ينفع ، ولا يؤدي إلى نتيجة .
فمحدودية العقل تحول بينه وبين الأشياء والأمور التي تخرج عن حدوده .. ومن أبرزها أمور الدين ، فالنقطة التي ينتهي عندها عمل العقل ، يبدأ منها عمل الدين .
هذا إلى جانب أن العقل بطبيعته سريع التغير والتلون تأثرًا بما يكشفه وما يقف عليه كل يوم ، مما كان يجهله ، بحيث يقع هذا التغير من جيل إلى جيل ، بل في الفرد الواحد من عام إلى عام ، من كل ما يقرر أن العقل لا يصلح مقياسـًا لتنظيم الحياة الإنسانية .
ومن هنا يتقرر أن العقل لا يمكن أن يقوم بتحليل دين الوحي ، ولا يمكن أن يعارض أموره الأساسية .
وتقريرًا لهذا قدم المؤلف نماذج تمثل العصور المختلفة ، وتوضح مظاهر الانخداع في قيمة العقل وقدرته ، بدءاً باستحالات الفيلسوف " زينون " المولود في القرن الخامس قبل الميلاد ، والتي استند فيها إلى عقله ، فحكم بأن الحركة خداع ووهم ، وأنها مستحيلة الوجود .
ومرورًا بالفيلسوف " بيركلي " 1685م – 1753م الذي أوصله عقله إلى القول بأن جميع الموجودات إنما هي تصورات ذهنية ، وليس هناك شيء موجود خارج الذهن .
ووقوفاً أمام " هيجل " سنة 1770م _ 1831م الذي وصل بعقله إلى أن وجود الكون قام على أساس التناقض ، واجتماع الشيء وضده . بعد أن كانت عقول السابقين تجزم باستحالة اجتماع الشيء وضده .
وبهذه النماذج الفكرية يثبت أن المقياس العقلي ضعيف ، وأن الشيء الذي يوافق هذا المقياس لا يكون حقيقة قوية ثابتة . ويتقرر بالتالي أن المقياس العقلي لا يصلح لاختبار حقيقة الدين الثابتة .
ويستدرك المؤلف ، فيذكر أن عدم صلاحية العقل لاختبار حقيقة الدين لا يعني تعارض العقل مع الدين ، ولا يعني استغناء الحياة عن العقل ، بل إن للعقل دوراً مهما في شؤون الدين والحياة معًا ، لقيامه ببسط الأدلة التي تدعم المعتقدات الدينية، والتي تمد الحياة بكل جديد .
وهكذا يتقرر أن الدين الطبيعي ، ومذهب حرية التفكير لا يستطيعان أن يقودا سفينة الحياة التي تلعب بها أمواج بحر الشهوات والعواطف إلى ساحل النجاة .
مع الحضارة الحديثة :
ويذكر المؤلف أن الوقوف على حقيقة الدين الطبيعي ، وإصابة العقل والفطرة بالخلل والتشويه ، واستبداد الشهوات والغرائز بسفينة الحياة حتى أصيبت باليأس من الوصول إلى الشاطىء ... كل ذلك كان من نتيجة ظهور الشعور بضرورة الإصلاح وأهميته ، ونظرا لفقد القيادة القوية والبرامج المتوازنة التي تنهض بعبء الإصلاح المطلوب ، فتح المجال أمام بعض الإصلاحيين غير المؤهلين التأهيل المناسب ، فلم يتمكن هؤلاء من الوصول إلى العلاج الحاسم واكتفوا بتقديم المهدئات والمسكنات ، وبرز من بين هؤلاء الإصلاحيين اثنان من المفكرين ، هما " جان جاك روسو " سنة 1712 – 1778م ، و" إيمانويل كانت " سنة 1724- 1804م وهما – كما يقرر الواقع – لم يتجاوزا دور المفكر إلى دور القائد ، ولذلك جاءت إصلاحاتهما محدودة للغاية .
أما " روسو " فقد فرض عليه توجهه الإصلاحي أن يسبح ضد تيار الحياة الجارف في ذلك الحين ، حيث كان الدين والأخلاق في وضع متدهور ، لما ساد من سوء الاعتقاد عن الدين النصراني في البلاد البروتستانية والكاثوليكية بسبب اتهام معظم القساوسة بالانحلال ، وتحول النصرانية إلى مجرد أخلاق شخصية جذابة ، لاتقوم على أصول دينية .
لذلك لم يجد " روسو " مفرًا من أن يواجه تطرف عشاق الحضارة الحديثة بالتطرف في تقويمها ، فلم يلتفت إلا إلى سلبياتها كي يبرز مساوئها في مواجهة الدين والأخلاق ، ومع ذلك كان الدين الذي يدافع " روسو " عنه هو الدين الطبيعي الذي ظهر خلله وقصوره .
ولكنه حاول أن يرفع من قيمته بما قدم من إيضاحات و تفسيرات لم يستطع بها أن يجلي الغموض في هذا الدين ، ولا في حل لغز النصرانية . 
كما لم يستطع أن يبين السبيل لصيانة الفطرة من الوراثة وغيرهما من المؤثرات ، حتى يستطيع الإنسان بها أن يصل إلى الدين الطبيعي .
بل إن حياة " روسو " نفسه الأخلاقية قد راحت ضحية الهوى والنزوات ، فكانت حياته مليئة بالمخزيات الفاضحة ، والأعمال القبيحة السوداء .
وأما " كانت " فقد حاول أن يوجه الحياة والفلسفة وجهة جديدة. وكذلك انتهى الحال بـ " كانت " الذي حاول أن يخلص الدين من عيوبه القاتلة : فقد دخل هذا الميدان فاقداً التصور الواضح للدين لانحصاره في الرؤية النصرانية فحسب،ولذلك قرر أن الأخلاق حرة غير مقيدة بقيود الطبيعيات وما بعد الطبيعيات والنفسيات والقضايا الدينية ، فجرد النصرانية من مقومها الأساسي ، وهو الأخلاق.
ولعدم وقوف " كانت " على التصور الواضح للدين ، اضطر إلى الاعتماد على بعض المقولات التي أوقعته في تناقضات خطيرة ، فعلى الرغم من إعلانه الحفاظ على الدين ، نجده لا يولى العبادات الدينية أي نوع من الأهمية ، ولذلك فإن أفكار " كانت " لم تنجح في إخراج الدم الفاسد من جسم الحضارة الحديثة .
ويختم المؤلف هذا الفصل مقررًا أن الشخصيات التي برزت في العصر الحديث ، مع محاولات الإصلاح لم تكن قادرة على أن تنفخ روح الإيمان والعقيدة في القلوب والنفوس ، بعد أن تغيرت طبيعتها الداخلية ، وشوهت فطرتها الإنسانية.
كما فشلت هذه الشخصيات في أن تقود سفينة الحياة المعرضة للطوفان ، كي تصل بها إلى ساحل النجاة .

بعض نظريات الإلحاد :
وفي الفصل الرابع قدم المؤلف أربع نظريات ، رأى أنها كانت من أبرز النظريات التي عرفها القرنان التاسع عشر ، والعشرون ، لما أحدثته من آثار في التفكير الأوروبي في هذا العصر ، وهي نظرية التطور لـ " دارون " 1809 ـ 1882م ، التي رأت أن أصل الإنسان حيواني وليس علويـًا ، ونظرية الغريزة لـ " مكدوجل " سنة 1817م ، التي حولت دفة الفطرة الإنسانية ونقاءها إلى ظلمة الغريزة ونظرية الجنس لـ " فرويد " 1856 ـ 1939م التي حولت العفة والشرف إلى الجنس المستهتر ، ونظرية الاشتراكية لـ " ماركس " 1818 ـ 1883م التي كسرت المرآة الروحية للإنسان بحجارة الاشتراكية الجامدة .
وفي سبيله إلى ذلك قدم عن كل نظرية دراسة موضحة ، فتتبع نشأة الدارونية ، وحقيقتها ، والإنسان في ميزانها ، ومكانها من الفلسفات السابقة والمعاصرة ، ومكانة الفطرة فيها ، وأثرها في البيئة والإنسان ، وموقف " دارون " من الدين ، وكيف أنه اضطرب في أمر الدين ، فلم يستطع أن ينكره إنكارًا صريحـًا على الرغم من أن نظريته تفرض ذلك ، من كل ما يوضح أن فلسفته قد فشلت في حل كثير من مشكلات الحياة .
ومع ذلك عمل بعض رجال الدين النصراني في أوروبا على إيجاد توافق بين نظرية " دارون " وبين نصرانيتهم المحرفة ، فالنصرانية التي ترى أن الإله حل في المسيح وأنه ـ تعالى ـ تحول إلى إنسان لا تختلف كثيرًا عن الدارونية التي ترى الإنسان في صورة متحولة عن الحيوان .ولم يقف في وجه " الدارونية " إلا الإسلام الذي لا يعترف بتحول الإنسان.
وفي حديثه عن نظرية الغريزة ، بين المقصود بالغريزة ، وأقسام الأفعال الغريزية ، موضحـًا أنها تقوم على تقرير أن الإنسان صورة متطورة للحيوان ، ولذلك فالغريزة فيه تماثل الغريزة في الحيوان ، وعلى هذا فالدين فيها ليس من أصول الفطرة الإنسانية ، ولكنه وليد عواطف عديدة ، فهو من اختراع الإنسان ،إذ الدين إنما ظهر نتيجة شعور الإنسان بالعجز ، وخضوعـًا لعاطفة الخوف .
وفي حديثه عن نظرية الجنس عرض لأصول تلك النظرية ، وما أقامها عليه من مسلمات ، مقررًا أن نظرية " فرويد " لا تنتظم حياة الإنسان بكاملها ، ولا تجري في طبقات الحياة المختلفة ، وأحوالها العامة ، ولكن الفوضى الجنسية لعصر الإلحاد قد جعلت من هذه النظرية العرجاء محور علم النفس الحديث ، فأعطت فرصة كبيرة لتحقيق الفوضى الحيوانية ، والتحرر الغرائزي ، والتفلت من تعاليم الدين ، وقيود الشرف والأخلاق .
وكذلك صنع مع نظرية الاشتراكية ، فذكر أنها حرب دائمة ضد الدين ، وضد جميع ما وراء الطبيعيات ، وأنها على علاقة وثيقة بنظرية " دارون " ، ونظريتي الغريزة والجنس ، فلقد نظر " ماركس " في الاشتراكية إلى الإنسان والكون من وجهة نظر خاصة ، لا يوجد فيها إله ، ولا روح ، ولا دين ، ولا أخلاق ، ولا قيم إنسانية ، بل إنها جميعـًا من وضع الإنسان الذي يتبع الأحوال الاقتصادية ، فكانت صورة مكررة للمزدكية التي جعل فيها زعيمها " مزدك " المجوسي المال والأرض مشتركة مثل الهواء ، والماء ، وكان شعارها " الإباحية العامة " و " حرية القول والفعل " .

إفلاس .. وتطلع إلى البديل :
من هذا العرض المزدحم بالصور الجزئية ، يخلص المؤلف إلى أن كل نظريات الإلحاد قد أفلست ـ على الرغم مما واكبها من التقدم العلمي والصناعي المذهل ـ وأن كل المحاولات لتلفيق دين ، أو اختراع دين طبيعي يجد الإنسان المكدود في كنفه راحته واطمئنانه .. كل هذه المحاولات قد فشلت .
ولم تستطع إلا أن تستند في انتشارها إلى أسباب العنف والقهر ، حتى استعانت بالقوة البوليسية لفرضها على الإنسان في بعض الأجزاء من العالم ، واعتمدت في الغالب على الإعلان والدعاية المكذوبة الخادعة " عالية الصوت " .
وكان هذا الفشل المتوالي لهذه النظريات الإلحادية نذيرًا بأن ساعة الانفجار قد أوشكت ، وأن شمس الإيمان قد قاربت أن تشرق من جديد ، في عالم آخر يحكمه المتواضعون لله ، الذين تنبأت الكتب السماوية الصحيحة بأنهم ورثة الأرض : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرضَ يرثُها عباديَ الصالحون * إن في هذا لبلاغـًا لقومٍ عابدين )[الأنبياء:105 ، 106 ] .

بهذه الرؤية المتفائلة ـ بعد تلك الجولة الشاقة المرهقة ـ ختم المؤلف الأستاذ " محمد تقي الأميني " ، فجاءت خاتمته بصمة إسلامية يمتاز بها الإسلام من دون غيره ، حيث أشاع الطمأنينة في نفوس القارئين إلى أن الإنسان مهما ضلت به أقدامه في مسيرة الحياة .ومهما شطحت به أفكاره واضطربت .. لابد من أن يعود في النهاية إلى بوابة الأمان والتوازن .
ولقد بذل المؤلف جهدًا شكورًا في ربط أطراف الأحداث على تشتتها وتوزعها ، ليشكل منها تلك الصورة المتكاملة ، مستهينـًا في سبيل ذلك بما تحمله من جهد مضن .
ثم ضاعف ما بذل من جهد في تحميل نفسه عناء إجمالها في تلك الحدود التي تفرضها مساحة الكتاب بدلاً من أن يشغل بها مئات الصفحات التي قد تتجاوز الألف .
ولكنه بذلك التكثيف فرض على قارئه أن يشاركه في تحمل الجهد المضني الذي يجعله يخرج من الكتاب ـ بعد الإعادة والتأمل ـ لاهثـًا ، متلاحق الأنفاس ، مكدود الفكر ، فلعل فيما قدمت ما ييسر على القارىء أمره ، والله المستعان .



مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق