الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تجوع مصر ولا تأكل بثدييها

4282 0 644

قبل الثورة المصرية، وتحديداً في 18 كانون الثاني (يناير) 2010 كتب عبد الرحمن الراشد في صحيفة (الشرق الأوسط) مقالاً سخر فيه من البروفسور محمد بديع (واحد من أعظم مائة عالم عربي بحسب الموسوعة العلمية العربية، ومؤسس المعهد البيطري العالي باليمن).

كان عنوان المقال: «بيطري رئيساً للإخوان المسلمين!»، واستهله الكاتب بالقول: «عندما تساءلت: من هذا «البديع» البيطري الذي صار رئيساً لجماعة الإخوان المسلمين، أكبر منظمة معارضة في العالم العربي؟ رد صديق ساخراً: بل من هم الإخوان؟ وكلا السؤالين صحيح».

ثم يعترف الراشد بأنه قال ذلك «من باب التهكم»، لكنه ما لبث أن عاد إلى السخرية، فقال: «إن الإخوان انتخبوا مرشداً جديداً مجهولاً آخر، محمد بديع، أستاذ في الطب البيطري في جامعة بني سويف. لماذا قلدوه الزعامة وهو صاحب تخصص بعيد، في منصب يَفترض اختيار من هو أقرب للاهتمام بالبشر؟».
ثم عيّر الراشد مرشدي الجماعة وقياداتها قائلاً إن معظمهم «علماء مختبرات وعيادات لا سياسيين بالاحتراف، بخلاف ما يحدث في كل أحزاب العالم», وهو ما يجعل الحزب غير سياسي ، بل يحوله إلى «ضحية نجاحه في المدرجات العلمية» بحسب تعبيره.

وقامت الثورة المصرية، وفازت «جماعة البيطري» بانتخابات البرلمان والرئاسة؛ تفوقت «جماعة المختبرات والعيادات وعلم النبات» على «محترفي السياسة» ممن يرى فيهم الراشد جهابذة وبراغماتيين.
ما يضر بديع أن يكون بيطرياً ينفع الأمة ويسهم في رقيها البحثي والمعرفي؟ ما يضر بديع أن يكون بيطرياً يداوي الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؟
لكن هذا ليس بيت القصيد من هذا المقال، وإن كان لا بد منه بوصفه خلفية للنقاش.

انتفض الراشد، كبقية رموز أدعياء الليبرالية، على التجربة الديموقراطية الوليدة في مصر، وحاول بكل طاقته، سواء في عموده اليومي أو في الفضائية قناة العربية التي يديرها، أن يشوه هذا التجربة، وينال منها تارة بالتحامل السافر، وتارة بخلط الأوراق، وتارة بالتحريض على الشرعية، في ظاهرة تسيء إلى كل ما تعنيه الصحافة المسؤولة ومدونات سلوكها ومواثيق شرفها.

وحملة الراشد على الإسلاميين والظاهرة الإسلامية ليست وليدة هبّات الربيع العربي، بل هي قديمة قدم دخوله عالم الصحافة. لكن وتيرة هجومه على الإسلاميين تصاعدت خلال هذه الهبّات.
ولأنه يكتب بتشنج لا يخطئه القارئ العادي، ولأنه تعرض لوابل من النقد بسبب افتقاره إلى الرؤية المتوازنة للأحداث، فقد كتب مقالاً في (الشرق الأوسط) عنوانه: «تخويفنا من نقد الإخوان» (22 كانون الأول/ديسمبر 2012) اشتكى فيه مما وصفه بحملة «الإرهاب الإعلامي» التي يتعرض لها بسبب «انتقاداته» للإخوان، مؤكداً أن هذا «الإرهاب» لن يثنيه عن طريقه.

أكد الراشد حقه في نقد الجماعة؛ لأنها ليست «بقرة مقدسة» بحسب تعبيره، ولا يمكن أن يُصادر هذا الحق لمجرد أنها «سمت نفسها إسلامية، وطبع أعضاؤها زبيبة الصلاة على جباههم» (لاحظ أنهم هم من طبعوها!).
طبعاً يتجاهل الراشد أن النقد ليس حراماً، وأن مأخذنا عليه وعلى فريقه كان ومازال هو التلفيق والتشويه والتماهي مع المشاريع المعادية للأمة وقضاياها.
عادة ما يؤكد الراشد في خطابه المتشنج أن الدين يجب أن يظل بمنأى عن السياسة، وحجته في ذلك، (كحجة فريقه من التيار عينه) هي الحفاظ على طهارة الدين من «أقذار» السياسة، وتلك سمة من سمات الخطاب المتصهين، الذي يشدد على إقصاء الدين بحجة حمايته من «الانتهازيين» كما يصف الكاتب الإخوان في مقاله.

يدافع الكاتب عن حملته المسعورة على الإخوان قائلاً: «لا الوقوف ضد حزب العدالة يعني أننا مع الظلم، ولا الوقوف ضد الحرية معناه أننا ندعو للعبودية، إنها أسماء مثل أسماء الأفراد، سماها أصحابها تيمناً بها أو إغواء للعامة».

مرة أخرى يتهكم الكاتب بالتجربة السياسية لأكبر حركة إسلامية في العالم، لكنه يضيف إليها بعداً آخر، وهو ازدراء الجماهير التي يختزلها في وصف «العامة»- كليشة استشراقية نمطية قديمة مؤداها أن الشعوب العربية غير ناضجة، وقابلة للاستبداد بحكم ثقافتها الإسلامية، وعاجزة عن استيعاب مفهومات الديموقراطية كالتعددية وتداول السلطة.
يعود الراشد مرة أخرى إلى الحديث عن الأبقار، فيقول ساخراً من الذين انتخبوا الإسلاميين ومنحوهم ثقتهم: «على الذين يقدسون الأبقار الدينية، إخواناً أو غيرهم، أن يفسحوا لها الطريق، أما نحن فلا يعنينا أمرها!». أبقار هنا جمع بقر، وبقر، جمع بقرة، فأبقار هي صيغة جمع الجموع كما يقول النحاة. لا أدري لماذا يكثر الراشد من الحديث عن البقر، بينما لم يقع تخصص الدكتور بديع منه موقعاً حسناً. لكن بقرة تسر الناظرين، خير من حمار يحمل أسفارا.

ولا يتوقف الراشد عن تغوله على مصر، وعلى الشرعية فيها، فيكتب مقالاً آخر يسخر فيه من تصويت الشعب المصري على الدستور بنسبة استثنائية وتكاد تكون غير مسبوقة (نحو 64 في المئة).

اختار الكاتب هذا العنوان: «الدستور لن يؤكل المصريين خبزاً»، ووصف التصويت بأنه «بداية طريق من الأشواك والمشاكل»، متهماً الرئيس مرسي بأنه «فرض الدستور» على شعبه (الشرق الأوسط، 24 كانون الأول/ديسمبر 2012).
كان برنامج بانوراما في قناة العربية قد اتخذ هذه العبارة «مرسي يفرض الدستور» عنواناً في 23 كانون الأول/ديسمبر 2012، فهي كما يبدو من «بنات أفكار» الكاتب.

القول بفرض الدستور ضرب من الدعاية الصادمة المتوحشة التي يمكن تسويقها بالإغراق والإرهاب، تماماً كزعم الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش أن شارون رجل سلام، وهو ما دفع وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، إلى القول: إن شارون نفسه لم يصدق ذلك.

ويحرض الراشد على القيادة المصرية، فيقول إن المعارضة «تحارب مشروع الإخوان الذي يهدف إلى الاستيلاء على الدولة من حكومة ورئاسة ومجالس تشريعية وقضاء وتكميم للإعلام»، ثم يكرر القول إن الرئيس «فرض الدستور تعسفاً». صندوق الاقتراع «تعسف»، مادامت رياحه تجري بغير ما تشتهي الفاشية أو البلطجية، أو ربما هي «الفاشجية» للجمع بينهما.

يتحدث الراشد من منظوره الدنيوي المحدود والكليل عن آثار إقرار الدستور على المجتمع المصري، فيقول: «إن المؤسسات الدولية سارعت لوقف القروض والمنح الموعودة لحكومة مرسي...الدستور بذاته لن يؤكل الشعب المصري خبزاً، ولن يؤمن للناس وظائف أو مساكن، والذين صوتوا بنعم لن يغفروا لمرسي عندما ترتفع الأسعار غداً..».
ويتساءل الكاتب: «ما الذي سيفعله مرسي لتهدئة بقية قطاعات الشعب المصري التي غُرر بها وقيل لها إن التصويت بنعم سيمنحها الاستقرار؟».

مرة أخرى، الشعب «مغرر به»، يعني «مغفل»، و يفتقر إلى الوعي اللازم لاتخاذ قرارات رشيدة، و«الراشد» هو من يعرف مصلحة مصر أكثر من شعب مصر! يفتئت هذا الرجل بكل بجاحة على الديموقراطية كما يعرفها الكون كله عندما يردد صدى قناته التلفزيونية (أو هي تردد صداه) من أنه لم يصوّت على الاستفتاء إلا ثلث المسجلين، ما يعني أنه «دستور غير شعبي» بحسب «ديموقراطيته».

طبعاً لا يمكن الجدل مع الراشد حول الحقائق الاقتصادية، ولا حتى عن تطور العملية السياسية في مصر، لأنه لا يعترف بحق الإسلاميين في الوجود. وبالطبع لا يمكن أن تجادله بالآية الكريمة «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض»، لأنه فيما يبدو غير قادر على استيعاب دلالتها.

مذيع العربية محمد الطميحي كان قد طرح على ممثل حزب الحرية والعدالة في لقاء بعد الاستفتاء أسئلة الراشد نفسها عن وضع الاقتصاد المصري، وضرورة قبول القيادة المصرية بدستور «توافقي» من أجل استدرار الدعم من الدول المانحةـ بحسب تعبير المذيع. رد ممثل الحزب بالقول إن مصر لن تساوم على خيار الشعب مستشهداً بالمثل العربي: «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها».

استدعاء هذا المثل في هذه اللحظة التاريخية يرسم خطوط الاشتباك. إنها معركة بين قوة قديمة متطرفة متشبثة بالوضع الراهن الذي يبقي الأمة مستلبة ومستباحة، وبين قوة أخرى جديدة تمتلك الرؤية وترفض التبعية وتصر على الانبعاث من تحت الركام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العرب القطرية
 

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري

الأكثر مشاهدة اليوم

اقرأ في إسلام ويب

التطور المعماري للمساجد

العناصر الأساسية في عمارة المساجد : حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء مسجده في المدينة المنورة جاءت عمارته...المزيد