الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المُثَقّفُـونَ والأدبُ الهابط

1806 0 644
حين قام وزير الثقافة المصري بإقالة من أشرفوا على نشر الأدب الهابط ، كثر ترداد الصحف من يومية وأسبوعية لكلمة " المثقفين " تحت عناوين كثيرة ، مثل احتجاج المثقفين ، دعوة المثقفين إلى الاستقالة الجماعية ، ثورة المثقفين ، وذكرت بهذا الصدد أسماء لا تذكر إلا في مجالين فحسب ، مجال الدفاع عن السقوط الخلقي أو مجال الإشادة بالإلحاد الديني ، وكأن هؤلاء الذين وصفوا بالمثقفين ، لا عمل لهم في الحياة إلا صيانة الانحدار الخلقي ، والكفر الصريح معـًا بدعوى حرية الفكر .
وقد صودرت حرية الفكر في أمور كثيرة غير هذين فلم نسمع لهم صوتـًا ، إذ ليس هناك مجال يحرصون على حمايته غير الأدب السافل ، والإلحاد الصريح !
والحق أن أصحاب هذا الشغب ليسوا من الأصلاء في عالم الفكر ؛ لأن الأصلاء قد ربأوا بأنفسهم عن الانحدار الشائن ، وفيهم من وجهت إليه دعوة للاحتجاج المفتعل ، كالأستاذ الدكتور " عبد القادر القط " فلم يشأ أن ينحدر مع المنحدرين ، واعتذر بكياسة نعرفها لدى من هو في مثل فضله وأدبه ، وهو بلا شك يعرف مقدار هؤلاء ، ويعلم وزنهم الهش ، فأبى أن يسير معهم في ركب واحد .
وأشد ما يؤلم النفس أن يدعي الثقافة من لا يتأهل إلى الانتساب إليها ، لأن المثقفين الأصلاء الذين تسنموا زعامة الفكر المصري في أزهى عهوده ، كانوا من الالتزام الحقيقي بآداب الفكر الأصيل ، ومن الترفع عن النزوات الهابطة بحيث حاربوا الهبوط الأدبي حربـًا لا هوادة فيها ، وقد ذكرنا كلمة للأديب الكبير الأستاذ " أحمد حسن الزيات " تضع الحق في نصابه ، فشغب شاغب من هؤلاء على " الزيات " وعده في رأيه أزهريـًا قديمـًا ومكانة " الزيات " أرفع من أن ينبح حولها نابح ؛ بل إن من فعل ذلك دل على خوائه وضحالة فكره ، وكان اتهامه لـ"الزيات" شهادة صريحة بفضله وهو الذي حمل مشعل الأدب الرفيع ، فقاد الثقافة المصرية قيادة رفعت رأس مصر في العالم العربي أجمعه ، إذ كانت مجلة الرسالة أقوى مجلة حملت أمانة الفكر في النصف الأول من القرن الماضي ، ومازال تلاميذها يتلمسون العوض عنها فيما يصدر ، رسميـًا وغير رسمي من الصحف والمجلات ، فلا يجدون .
ولندع "الزيات" في جوار ربه ونتحدث عمَّن لا يشك أحد في أصالة اتجاههم وجليل زعامتهم للفكر العربي ؛ لنعرف ما يقول هؤلاء المثقفون الحقيقيون فيكون حديثهم الصريح عصا موسى التي تلقف ما يدعي مثقفو اليوم ونصفهم بالثقافة جبرًا لخواطرهم ، فالواقع أنهم منها بمكان بعيد ، وسيصابون بصدمة عنيفة حين نذكر لهم آراء " عباس محمود العقاد " و " توفيق الحكيم " و " منصور فهمي " وهم جميعـًا من الزعامة الأدبية في مصر والعالم العربي ، بحيث لا ترتفع إلى قاماتهم العالية قامة تتمثل فيمن يعارضون المنحى الخلقي في الأدب متوهمين أنهم وحدهم أولو الثقافة الرفيعة ، وإذا صدَّقوا أنفسهم فيما يتوهمون فلن يصدقهم من يعرف الأصيل من الدخيل .
لقد أدهش " العقاد " ما يزعمه مروجو الأدب الماجن من أن الحرية الفكرية هي الدافعة إلى تصويره ، وكعادته في سبر الأغوار باحثـًا عن الدوافع التي بعثت على هذا القول قال في صراحة : " حكاية الحرية هي نفسها ضرب من النفاق يسير وراءه السبب الصحيح أو السبب الأكبر لهذا الولع بالمسائل الجنسية ، وهو الحرمان الجنسي على أنواعه من حرمان العجز أو حرمان الفاقة ، أو حرمان الحظ والتوفيق ، ولولا ذلك لما راجت كتب الجنس وفضائحه " .
فإذا تحدث العقاد مبينـًا السبب في اصطفاء هذا الضرب من المجون وهو الحرمان ، انقضَّ على شبهة أخرى يروجها عشاق الأدب ، وهي أن هذا الأدب يصف أمورًا لا يجهلها أحد وحينئذ فمن الخير أن تذاع فيقول في نسف هذا اللغو : " وليس أسخف من حجة القائلين بأن كُتُبْ الشهوات والفضائح ينبغي أن تنشر ، لأنها تصف أمورًا واقعة لا يجهلها أحد ، لأن الناس لا يكتبون عن ضرورات الجسد ، وهي واقع لا ينقطع في مكان يسكنه إنسان ، ولا يكتبون عن النقائص التي اصطلحت الأذواق على سترها والسكوت عنها ، ولا نعلم أن قانونـًا وضع من قبل لتحريم الكتابة في هذه الأمور ، فلا حجر على الحرية هنالك ، ولكنه الحجر على فساد الذوق وابتذال الخلق وسماحة الحديث .
وإذن فالقول بأن هذه الأشياء لا يجهلها أحد ليس مما يدعو إلى كتابتها ، فهناك أشياء يعانيها الإنسان في المرحاض وفي غير المرحاض لا يجهلها أحد ، ولكن الذوق يأبى أن نتحدث بها ، فما كل معلوم يجب أن يصرح به حتى يقول هؤلاء : " إنها أشياء واقعية لا يجهلها أحد " ! .
وقد أبدع الكاتب الكبير حين علل الشغف بالتماس هذه المثيرات الجسدية بفقد العقيدة الروحية ، وهو تعلل صائب ؛ لأن كل ذي عقيدة روحية يأنف من حديث الشهوات السافلة ويرتفع بنفسه عن دنس يلطخه بقاذوراته ، أما هؤلاء فليس لديهم ما يحميهم من هذا الهوان ، يقول " العقاد " : " إن الإنسان لا يطلب المثيرات الحسية إلا لأنه فقد القرار على عقيدة روحية أو على فكرة مثالية أو على ثقة خلقية ، ومتى فقد هذا القرار دفعه القلق إلى أن يشغل نفسه بما يثر حسه ، وسئم المثيرات لا محالة ، لأن هذه المثيرات تفقد معناها ولا تصبح مثيرة إذا استمر التنبيه يومـًا بعد يوم ، وهذا الذي عنيناه حين قلنا : إن الولع بالمثيرات تعويض خاسر عن العقيدة الروحية ، وعن الفكرة المثالية وعن الثقة الخلقية ؛ لأن هذه القيم الرفيعة تُزوّد النفس بعوامل الحركة وعوامل السكون في وقت واحد ، وإذا احتاج صاحب العقيدة إلى الصبر والقرار وجد من عقيدته معاونـًا على التبصر والاستقرار " .
وفي كلام " العقاد " وصف وتحليل وعلاج ، فالوصف يتجلى في كشف هذه النفوس المريضة وعزلها عن النفوس الصحيحة ، والتحليل في إيضاح علة الولوع بوصف الأمور الهابطة في المخادع والخلوات ، وهي الحرمان الذي يعانية من يدافعون عن كشف هذه العورات ، والعلاج يظهر في استجاشة العقيدة الروحية ، وضرورة إحيائها لتكون سدًا منيعـًا أمام هذه المنكرات ![يراجع الجزء الثاني من يوميات العقاد ص : 194 ، وص : 443 ] .
هذا بعض ما قاله " العقاد " فماذا قال " توفيق الحكيم " ؟
نعلم أن " توفيق الحكيم " عميد المسرح المعاصر ، وقد وصف في مسرحياته الكثيرة ألوان النشاط الاجتماعي وأحوال النفس البشرية وأجاد تصوير نوازعها المختلفة من هابطة وراقية ، ولكنه في تصوير مشاهد الهبوط لم يتسفَّل إلى حضيض المحظور من الانحدارات الهابطة ، مع أنه أجاد تصوير أدق المواقف الخطيرة بما لا يجرح مشاعر الإنسان المتحضر وكأنه التزم بالتصوير القرآني حين يصف أدق هذه المواقف وصفـًا نبيلاً يرتفع بالقارئ دون أن ينحدر كما في قول الله عز وجل : ( هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وجعل منها زوجها ليسكن إليها ، فلمَّا تغشَّاها حملت حملاً خفيفـًا فمرت به ، فلمـا أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحـًا لنكوننَّ من الشاكرين )[الأعراف/189] .
وقال تعالى : ( أحلَّ لكم ليلة الصيام الرفثُ إلى نسائكم هُنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنَّ ، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم ، فالآن باشروهنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم..)[البقرة/187] .
وقد أنكر على فريق من الروائيين أن يخالفوا الخُلق الرفيع فيما يعرضون من مواقف ، مؤكدًا أن الفن الذي لا يتسم بالخُلق أحط مرتبة من غيره ، لأنه يشقي الإنسانية ولا يسعدها ، ووظيفة الفن الرفيع أن يرتفع بالمشاعر إلى حيث تجد الطمأنينة والاستقرار ، ثم يستشهد بقول "جربو" : " إن الروح الأخلاقي عند الفنان كعبقريته ، يجب أن ينبعا معـًا وفي وقت واحد من أعماق طبيعته ، وإن الفن غير الأخلاقي هو على كل حال أحطّ مرتبة حتى من وجهة النظر الفنية الخالصة ، ذلك أن الفن العالي ليس هو الذي يثير في النفس أحرَّ المشاعر وأعنفها فحسب ، بل ذلك الذي يثير فيها أكرم المشاعر وأنبلها وأرحمها ، وإن خطر الفنّ يرجع إلى تلك القدرة العجيبة التي يستطيع بها أن يستدر عطفك على مخلوقاته ويستلب إعجابك بصوره ، وإن العطف والإعجاب يعديان كالمرض ، فإذا أبدع الفن في تصوير نوع من الشذوذ والانحطاط وحملك بهذا الاعجاب على أن تعطف على الانحلال ، فإن مجتمعـًا بأسره تسري فيه العدوى عن طريق هذا الفن .[فن الأدب لتوفيق الحكيم / ص : 77 ] .
وإذن فعدوى الانحلال الروائي في عالم الفن تنتقل مباشرة إلى المجتمع الإنساني نفسه ويصير الأدب الساقط أداة هدم تكتسح رواسي الاستقرار ، والذين يجنحون إلى هذا الضرب من التسفل يحتاجون إلى دروس في الخلق الإنساني ، إذ أنهم يجهلون ما ترفده كتب الأخلاق من نوازع كريمة ترتفع بقارئها عن التسفل ، ومن يصور الرذيلة هذا التصوير لا يعرف كيف يصور الفضيلة ، إذ هو يجهلها تمام الجهل ، ولو عرف منازعها الشريفة ما انحدر إلى هذه الموبقات ، ومن هنا تخصص قصاصون في الشرق والغرب في تصوير الرذائل وحدها لأنهم لا يفهمون غيرها ، وإذا كان الكاتب بهذا القصور الإنساني الشائه فحرام عليه أن يطالع الناس بمظاهر قصوره ، بل بمظاهر سقوطه ! وقد قال بعض الكاتبين عن قصة بغيضة : إنها أدب جنس ، فرد عليه " العقاد " بأنها جنس فقط ! أما الأدب فلا يليق أن توصف به ، والجنس تعرفه الحيوانات كما تعرفه الأناسي وإذن فلا فارق ! .
أما الدكتور " منصور فهمي " فهو مدير جامعة الإسكندرية من قبل ، وعميد كلية الآداب بالقاهرة ، حين كانت هي الكلية الوحيدة في مصر التي ترسل أضواء الثقافة المعاصرة إلى العالم العربي جميعه ، وقد عرفته الندوات الأدبية في قاعة "يورث" في الجامعة الأمريكية ، وفي جمعية الشبان المسلمين متحدثـًا بارعـًا من كبار المحاضرين ، يقرن اسمه باسم الدكتور طه حسين ؛ إذ كثيرًا ما كانا يشتركان في جدال علمي رشيد ، هذا الرجل العظيم حقـًا قد تحدث عن وباء الأدب الإباحي بالجزء الثاني من مجلة كلية الآداب الصادرة في سنة 1957، وكأنه يتحدث الآن مع مضي ما يقرب من نصف قرن ، إذ ألهمه الله أن يرد على شبهات هؤلاء المتحللين فيدفعها بسيف لا يفل وبمنطق سديد لا يجد المنصف غير الأذعان له عن رضـًا واطمئنان ، تحدث عن الفوضى في فهم الحرية وعن ادعاء أنها لا تتقيد بقيود فقال في دفع هذا المروق : " ولعل أول ما يعن للخاطر أن الحرية لا تتقيد بقيود ، ولا تحدها حدود ، ولكن الحقيقة أن الحرية في الفن الجميل والإلهام الحر عند الفنانين تتقيد بسيرهم في محيط الأزلية ومن الله ، يحدده العقل السليم ، ويقرُّهُ العرف المستقيم ويستسيغه الذوق القويم ، وتهدي إليه فطرة الله .
وعلى ذلك فإن الحرية للفنان الموهوب لا يمكن أن تسول إليه تصوير الفاحشة ليغري بها ، أو تشخيص الخيانة ليحض عليها ، أو تبرز الإباحية ليزكيها ، أو ترسم الضلالة ليدعو إلى السير فيها ، فإن ذلك كله ليس من مطالب العقل السليم أو العرف الصالح أو مألوف الذوق المستقيم ، كلا ، ولا من فطرة الخلق ولا من وحي الله ، فإذا انحدر الفنان إلى تصوير ما أسلفنا فإنك لا تحس إلا الذل والإسفاف الهوان ؛ لأن ذلك من عمل الشيطان ، فليس للفنان أن يلبس الحق بالباطل باسم الحرية في الفن ، وليعلم أن الفن يرتفع ويسمو بالناس إلى المعاني الخالدة ، ولا ينحط إلى حضيض الشهوات ، والفن السليم وراءه الله ، والحق مقصده ومرماه ، والخير غايته وقصاراه" .
ثم يرد في مقال تالٍ على ما يزعمه بعض الأغرار من أن حديث الغرائز الهابطة مما يؤثر في النفوس فهي إذن تتطلبه ، يرد على ذلك فيقول : " ولعلك تقول لي كيف تنكر الجمال فيما يؤثر في النفوس ، فأقول : نعم إن الذي يثير في النفوس شهوات دنيئة هو مؤثر بلا شك ، ولكنه غير جميل ، فليس كل مؤثر يصح أن نخلع عليه صفة الجمال ؛ لأن التأثر بالجمال قد يأتي من وسائل أخرى لا تمت إلى الجمال بصلة كتأثير السحرة الذين تنطلي عليك طرائفهم وأنت واثق أنهم كاذبون ، فهناك فرق إذن بين التأثير الحقيقي الذي يسكبه في النفوس شعاع الجمال ، وبين التأثير الزائف الذي تسوقه غرابة خادعة أو أكذوبة بارعة " .
هذه أقوال صريحة لأئمة الفكر المعاصر من كبار المثقفين ، أنقلها ليعرف من لم يكن يعرف أن زعماء الثقافة الحقيقية يقفون مع الخُلق الكريم في ترفعه ونبله وحيائه ، فإذا جاء مدعو الثقافة اليوم ليعلنوا أنهم في جانب الأدب الإباحي الذي يصور الواقع الخسيس دون حياء ، فليعلموا أنهم بعيدون عن مفهوم الثقافة الحقيقية ! وإذا كان أمثال "عباس محمود العقاد" و "توفيق الحكيم" و "منصور فهمي " قد أبانوا باطل هؤلاء المدعين فلم يبق عليهم إلا أن يعترفوا بأنهم ينحرفون عن معنى الأدب الصحيح .
بقي الإشارة إلى أن وصف الأدب بأنه"هابط"هو من باب المشاكلة ليس إلاَّ،والأدب هو الأدب0
 مجلة "الأزهر"المحرم:1422هـ   

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

دراسات ومقالات

الضحك ..

عجب أو دهشة تعتري النفس نتيجة إدراك المفارقة في حال أو مقال أو صفة.. حتى إذا كانت تلك المفارقة مفتعلة أو مبتذلة كان الحاصل أنها - وإن دعي ضحكًا - سفهًا وخفة. وإن كان الإدراك عصيًا أو غير كامل لم يكن الواقع ضحكًا بل تضاحكًا..أما...المزيد