الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من مقاصد الصيام

من مقاصد الصيام

من مقاصد الصيام

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فإن الله تعالى لم يفترض الصوم على عباده ليعذبهم به، ولا لنفع يعود عليه من جراء صومهم، فهو سبحانه الغني عن عباده وعن عبادتهم، وإنما افترض عليهم ذلك لنفعهم في معاشهم ومعادهم، وفي دنياهم وفي أخراهم، وفي نفوسهم وفي أبدانهم، وفي أخلاقهم وفي دينهم.. ومن تدبر مقاصد الصوم وجد من هذه المصالح ما يفوق الوصف ويتخطى العد والحصر..

فالصيام (كما يقول ابن القيم): "هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من سائر الأعمال، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه.. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوار الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من صحتها. والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى".

ويمكن جمع فوائد الصيام في خمس فوائد رئيسية تحمل بين طياتها ما هو أعظم من مجرد عناوينها.. فمن ذلك:
أولا: تحصين الصائم من الأخلاط الرديئة:
فالصوم يحفظ على العبد قوته، ويحميه من ورود الأمراض التي غالبا ما تأتي بسبب التخمة وكثرة الطعام (فإن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)، وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)(صحيح الجامع 5674).
وقد قيل: إن مما أهلك البرية، وقتل الوحوش في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام.
ثلاث مهلكات للأنام .... ... ومدعاة الصحيح إلى السقام
دوام مدامة ودوام وطء .. .. وإدخال الطعام على طعام.

ثانيا: يصون من الأخلاق الرذيلة:
فإن الإنسان إذا شبع تحركت شهوته، وسع للشيطان مجاريه، فتحكم فيه وقاده إلى المعاصي والأشر والبطر والمفاسد، فالشبع أصل كل مفسدة، وشهوة البطن مفضية إلى كل سوء، ولنا في أبينا آدم عبرة. قال القرطبي: "كلما قلَّ الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي".
فإذا شبعت النفس استأسدت على صاحبها وعصت وعتت وطغت، وإذا صامت جاعت فضعفت وسكنت وصفت ورقت وهدأت. فمن صام فهو في جنة من كل سوء، وحفظ من كل فحش، ووقاية من كل مهلك.. كما في الصحيحين: (الصوم جنة)، وفيهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) متفق عليه.

فالصوم يحفظ على العبد جوارحه كما قال جابر بن عبد الله: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
إذا لم يكن في السمع مني تصاون .. .. وفي نظر غض وفي منطقي صمت
فحظي إذا من صوم الجوع والظما .. .. وإن قلت إني صمت يوما فما صمت
وفي المسند وصحيح البخاري عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).

ثالثا: ضبط الإرادة والتحكم في النفس:
فلا يقود الصائم طمع، ولا يستفزه غضب، ولا شبهة تضله ولا شهوة تذله، ومن بلغ هذا فهو الرجل حقا كما في الصحيحين: (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
وفي صحيح مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أصبح أحدكم يوما صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم).
فالصائم إذا ثارت شهوته ضبطها، وإن تحرك هواه أسكنه وألجمه بلجام التقوى والورع، أما غير الصائم فهو منقاد لشهوته خادم لهواه.
رب مفتون سبته شهــوته .. .. فتعرى ستره فانهتكا
صاحب بالشهوة عبد فإذا .. .. ملك الشهوة أضحى ملكا.

رابعا: تحصيل التقوى:
وهي مقصود العبادة وثمرة الطاعة عامة؛ كما قال جل ذكره {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:21)
وهي أيضا من أعظم مقاصد الصوم خاصة، فالصيام من أكبر أسباب تحصيلها، بل إن من صام الصيام الحق على الوجه الذي بينه رسول الصدق لا بد وأن يحصل التقوى لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183)
ألا إنما التقوى هي العز والكرم .. .. وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبد تقي نقيصة .. .. إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

خامسا : الوصول إلى درجة الإحسان:
وهي أعلى مراتب الدين كما في حديث جبريل الشهير: قال: (فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) متفق عليه..
فالصائم صومه كله مراقبة، وإلا فما بال الإنسان يمر على الطعام وهو في أشد حالات الجوع، ويمر على الماء وهو يكاد يهلك من العطش ولا يراه أحد من الناس، فما يمنعه من الأكل أو الشرب إلا أنه يعلم أن الله مطلع عليه ويراه، فهو يعيش مع الله ويتعامل معه بالمشاهدة.. فهل هناك مراقبة أو إحسان أعلى من هذا؟

الإخلاص.. الصوم لي:

ومن أجل هذا كله كان الصوم عبادة الله الخالصة فنسبه إلى نفسه من دون سواه، وإن كانت الأعمال كلها في الأصل له، لكن للصوم خصيصة في الإخلاص لا تكون في غيره كما جاء في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به).
قال الإمام ابن حجر في الفتح والإمام النووي في شرح صحيح مسلم ما معناه: "لأنه أبعد من الرياء فيكون بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه".

فهذه بعض مقاصد الصيام وفوائده ومنافعه، تجمع تحتها الكثير مما لم أذكره، وفوائد الصيام أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.. فاللهم انفعنا بالصيام والقيام، وحقق فينا مقاصده ومنافعه، وتقبل منا صالح الأعمال، واغفر ذنوبنا، وأعتق رقابنا من النار.. آمين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة