الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإسلام في الفلبين

الإسلام في الفلبين

الإسلام في الفلبين

الإسلام في الفلبين:
عرف العرب والمسلمون منذ القدم جزر الفلبين وأطلقوا عليها اسم "جزر المهراج"، وتقع الفلبين في جنوب شرقي آسيا على شكل أرخبيل يضم أكثر من سبعة آلاف جزيرة، تتفاوت في مساحتها تفاوتًا كبيرًا، ومعظمها غير مأهول بالسكان، وتعتبر الفليبين جزءًا من أرخبيل الملايو الذي يضم ثلاثة دول، وهي: إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وهي الدول العامرة بالخيرات والثروات الطبيعية ممَّا جلب عليها أطماع الدول الأوروبية.

بدأ الإسلام في جزر الفلبين في منتصف القرن الثالث الهجري عن طريق التجارة، وربما كان وصول أوائل المسلمين إلى تلك الجهات يعود إلى عام 270هـ، ولمَّا وَجَدوا الأرض بكرًا وصالحة للدعوة بدأ الدعاة يَفِدون إليها، ثم انتقلوا إلى الجُزُر الوسطى في القرن الخامس، وبُني أوَّل مسجد في جُزُر صولو عام 679هـ.

انتشر الإسلام بصورة كبيرة في الفلبين حوالي سنة (800هـ - 1380م) ورافق ذلك زيادة في قدوم الدعاة، وكان الدعاة والتجار عربًا وهنودًا وماليزيين وإندونيسيين. وكان التجار العرب من الحجاز واليمن وحضرموت عندما كانوا يقومون برحلاتهم الشهيرة إلى الصين، ومن هذا التاريخ بدأ الإسلام ينتشر من الشمال إلى الجنوب، ولم يأتِ القرن العاشر حتى كانت الجُزُر كلها تحت سيطرة إمارات مسلمة، أشهرها:

- سلطنة صولو: التي كانت تشرف على أكثر إمارات وممالك الجنوب، وقد كان أول من تولى السلطنة فيها الشريف الهاشمي أبو بكر، وهو قادم إلى الفلبين من حضرموت.
- سلطنة مانداناو: التي تولاها السلطان الشريف محمد فبونصوان (محمد كابونسوان)، وهو قادم من ولاية (مالكا أو ملقا)، وقيل: إن أباه عربي وأمه من مالكا.
- مملكة أمان الله: التي غيرها الصليبيون بعد ذلك مانيلا، وتشرف على إمارات وممالك الشمال في مانيلا، وأول سلطان لها رجا سليمان.
- سلطنة ماكتان: وكان من أشهر سلاطينها السلطان المسلم لابو لابو.

ماجلان الصليبي ولابو لابو المسلم:
كما كان فاسكو دي جاما أشهر بحارة البرتغال ومكتشف طريق رأس الرجاء الصالح، كان فرناندو ماجلان أشهر بحارة إسبانيا، ونظرًا للتنافس الكبير بين أسبانيا والبرتغال قررت الأولى إرسال حملة بحرية تدور حول أفريقيا لتكتشف طريقًا جديدًا للتجارة يصلون خلاله مباشرة إلى مناجم الثروات الطبيعية في جنوب شرق آسيا دون المرور على المراكز البرتغالية التي تتحكم في حركة التجارة العالمية وقتها.

خرج ماجلان بحملة بحرية مكونة من خمس سفن وطاقم مكون من 265 بحارًا، لاكتشاف الطريق الجديد، وذلك في أواخر سنة 925ه / 1519م، فظل في رحلته البحرية طيلة عشرين شهرًا في غير فائدة حتى استبد اليأس بقلبه، وأخيرًا رست سفن ماجلان على سواحل الجزر الفلبينية.

وقد ظن ماجلان أنه وصل جزر المولوك المشهورة بالتوابل ولكن سرعان ما اكتشف الحقيقة، فأطلق على الجزيرة التي رست سفنه عندها اسم "سانت لازار" الوثنية، فاتفق ماجلان مع حاكم جزيرة سيبو ويُدعى (هومابون) وكان وثنيًا على أن يدخل النصرانية مقابل أن يكون ملكًا على جميع الجزر تحت اسم ملك أسبانيا، وفي المقابل يعمل ماجلان بجنوده وأسلحته النارية على توسيع ملك (هومابون) وتمكينه من السيطرة على سائر الجزر.

انتقل ماجلان من جزيرة سيبو إلى جزيرة ماكتان وكان عليها السلطان المسلم لابو لابو، فما علم الأسبان بإسلام أهل الجزيرة إلا وأصابهم الغضب الشديد وثارت أحقادهم؛ فأضرموا النار في بيوت السكان وسرقوا مؤنهم، ورفض لابو لابو التسليم والخضوع للعرض الذي قدمه ماجلان كما فعل مع (هومابون)، فحشد ماجلان قواته وقرر تأديب لابو لابو حتى يكون عبرة لغيره من الأمراء والسلاطين.

معركة ماكتان:
خطب ماجلان الصليبي بكل صلف وعنجهية واستعلاء صليبي في أهل جزيرة ماكتان قائلاً: "باسم المسيح أطلب منكم التسليم، ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد".

فأجاب السلطان لابو لابو بكل عزة وشموخ: "إن الدين لله، وإنَّ الإله الذي أعبده هو إله جميع البشر على اختلاف ألوانهم".

وفي 19 جمادى الأول 927 هـ / 27 أبريل 1521م توقفت سفن ماجلان غير بعيده عن الشاطئ وأنزلت القوارب الصغيرة وعليها الرجال المدججين بالسلاح والخوذ والتروس والدروع، في حين وقف أهالي الجزيرة ومعهم سهام مصنوعة من البامبو وبعض الرماح والسيوف القصيرة القديمة. تقدم جنود ماجلان متدافعين ونزلوا من قواربهم و التقى الجمعان.

انقض جنود ماجلان ليمزقوا الأجساد نصف العارية بسيوفهم الحادة ويضربوا الرؤوس بالتروس ومقاليع الحديد، ولم يهتموا بسهام البامبو المدببة وهى تنهال عليهم من كل صوب،فقد كانوا يصدونها بالخوذ والدروع. وتلاحمت الرماح والسيوف، وكان لابد من لقاء المواجهة الفاصل بين لابو لابو وماجلان.

بدأت المواجهة بحذر شديد والتفاف كلا حول الآخر ثم فجأة انقض ماجلان بسيفه -وهو يحمى صدره بدرعه الثقيل- على الفتى المسلم عارى الصدر لابو لابو ووجه إليه ضربة صاعقة، فانحرف الفتى بسرعة وتفادى الضربة بينما الرمح في يده يتجه في حركه خاطفة إلى عنق ماجلان. لم تكن الإصابة قاتلة، ولكن انبثاق الدم كان كافيا لتصطك ساقا ماجلان المغمورتان في الماء وهو يتراجع إلى الخلف.

عاود ماجلان انقضاضه بالترس الحديد على رأس الزعيم المسلم، وللمرة الثانية يتفادى لابو لابو ضربة ماجلان وينقض بكل قوة بسيفه فيشق رأس ماجلان الذي سقط مضرجا بدمائه بينما ارتفعت صيحات الصيادين "لابو لابو".

وكان سقوط القائد الرحالة ماجلان كفيلا بهز كيان من بقى حيا من رجاله، ورفض لابو لابو تسليم جثة ماجلان للأسبان، ودفنه في أرض الجزيرة كَرمز على نصر المسلمين على الصليبيين؛ فأسرع الأسبان الصليبيون يتراجعون عائدين إلى سفن الأسطول الذي لم يكن أمامه إلا أن يبتعد هاربا تاركا خلفه جثة قائده ماجلان.

الانتقام الإسباني:
على إثر معركة ماكتان أرسل الأسبان أربع حملات دينية متتابعة ليشفوا غليلهم وينتقموا من مصابهم، ومن سوء طالعهم أن هذه الحملات رست على شواطئ جزيرة منداناو في الجنوب حيث أغلبية السكان من المسلمين، ففتك المسلمون بتلك الحملات كلها وذلك خلال الفترة من 930هـ حتى سنة 950هـ / 1524م حتى 1543م.

وكان (روي لوبيز) قائد الحملة الرابعة وهو الذي أطلق على تلك الجزر اسم (الفلبين) على اسم ملك أسبانيا (فليب الثاني) وخلال الحملات الأسبانية الفاشلة كوَّن الأسبان رؤية مستقبلية في التعامل مع صلابة المقاومة الإسلامية في الفلبين.

الجهاد الإسلامي في الفلبين إلى الآن:
ومن تلك الفترة والصراع محتدم بين المسلمين والإسبان، وقد قاتلهم المسلمون في شجاعة خارقة وبطولة خالدة وتضحية نادرة دفاعا عن العقيدة الإسلامية وعن الوطن, ولكن شاء الله أن استولى الإسبانيون على الحكم, وقد استمر الحكم الإسباني من (980هـ - 1316هـ / 1560م - 1898م) حيث استطاعوا أثناء احتلالهم الاستيلاء على أكبر جزيرة لوزون وعلى وسطها حتى امتد إلى الجنوب، وإن كان الإسبان لم يستطيعوا الاستيلاء على منداناو وصولو لقوة سلاطينها، ولذا ظل الصراع بين المسلمين والنصارى محتدما ما يربو على ثلاثمائة سنة.

والإسبان هم الذين نظموا جنود الفلبين لحرب أهل الجنوب, لكن الجيوش لم تستطع الانتصار على المسلمين، وكان القتلى أغلبهم من النصارى، أما عدد المسلمين الذين استشهدوا للدفاع عن إسلامهم منذ دخول الإسبان حتى الآن فلا يعد ولا يحصى، ومنذ احتلال الإسبان إلى خروجهم والحكومة القائمة بعدهم لم تستطع دخول مينداناو.

وفي عام 1898م استطاع -باتفاق مسبق- التغلب على الإسبان والانتصار عليهم, وعقدوا معاهدة بينهما تنصُّ على ترك الفلبين لأمريكا، وبذلك أصبح الحكم أمريكيا، ثم بدأ الأمريكان يكملون نفس دور الإسبان بقتال المسلمين وإخضاعهم لحكمهم, ولكنهم لم يستطيعوا التغلب على مسلمي مينداناو وأرخبيل صولو.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة