الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاستنساخ الثقافي .. تفاعل أم لصوصية؟

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:12/08/2002
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
2818 0 419

الاستنساخ الثقافي، مصطلح حديث انضم إلى قائمة المصطلحات الثقافية، متى يُحكم بأنه نوع من التواصل بهدف التفاعل؟ ومتى يكون نوعاً من اللصوصية التي نتعدى فيها على حقوق الآخر المصدّر للفكرة ؟ وما الحد الفاصل بين هذا وذاك ؟ أسئلة طرحناها على نخبة من المثقفين يعملون في مشاغل ثقافية متنوعة.
بدأ الروائي وليد إخلاصي بالقول: "إذا كان المقصود من الاستنساخ الثقافي هو إعادة إنتاج أفكار وأساليب سابقة تناولها كتاب آخرون، فإن هذا الموضوع يصبح من اختصاص المحاكم الجزائية التي تدقق في معنى السرقة، لذا يمكن القول إن الإنتاج الجديد المستنسخ هو إنتاج بعيد عن الإبداع، ويجب استبعاده والحديث عنه كظاهرة سيئة في مسيرة الأدب المكتوب، أما إذا توسعنا في مفهوم هذا الاصطلاح، وتحدثنا عن مجرد التأثر القائم بين الأجيال المختلفة، فلذلك مقام آخر، لأن الأدب الفني بمعنى القصص والروايات والمسرح وغيره … وهو امتداد لأفكار قائمة في الحياة، فالمواضيع والأفكار التي يدور حولها هذا الأدب معروفة تقريباً، وتتعلق بقيم كالحب والبطولة والخيانة والمفاهيم المشابهة، إلا أن التمييز ليس فقط في الابتعاد عن هذه الأفكار المألوفة، إنما هو شخصية الكاتب وطريقته في التعبير والتحليل والتركيب، وبتعبير أدق في الأسلوب، أي أن الفكرة يمكن أن تكتب من أكثر من كاتب، لكن الأسلوب هو الشخصية المتفردة التي لايمكن أن تتكرر، لذا يمكن القول إن الإبداع الحقيقي هو نقيض للاستنساخ، وتقاس أعمال الكتاب بتفردهم في أساليبهم، وإن اجتمعوا على أفكار ومواضيع مشتركة.
وقدم الروائي وليد إخلاصي مثالاً على ذلك بقوله: "إن تصوير الحارة الشعبية أو المكان في العمل الإبداعي يتشابه عند كثير من الكتاب الذين ينتمون إلى الأمكنة نفسها، ولكن التفوق وتحقيق الشخصية الإبداعية يكون في طريقة النظر إلى تلك الأمكنة، ومعالجة الأحداث التي تدور فيها، فنجد مثلاً أن نجيب محفوظ كتب عن القاهرة، وهناك عشرات من الكتاب المصريين كتبوا أيضاً عن القاهرة، إلا أن أهمية ما كتب تنبع من تلك العلاقة الروحية النفسية التي تربطهم بالمكان، وهذا ما يؤكد على أن الالتزام التقليدي بالإبداع يصبح عدواً لدوداً لقيمة هذا الإبداع"، ويضيف إخلاصي، " يستعيدنا مثل هذا التساؤل إلى الحديث عن التفرد الذي يجب أن يقترن بالكاتب المبدع، وبتعبير آخر : إن الكاتب لا يكون مبدعاً إلا إذا كان متفرداً.
وتعجب الصحفي والقاص عيد معمر من مصطلح "الاستنساخ الثقافي" وقال: "عرفنا الاستنساخ البشري والاستنساخ الحيواني، أما الاستنساخ الثقافي فيعد شيئاً جديداً، وننظر إليه على أنه صرعة، فنحن لا زلنا نتعامل مع التناص والتلاص ومع موت المؤلف، وأن النص ليس مصنوعاً من قبل المؤلف، وإنما من قبل المجتمع والأدباء الذين سبقوه، على اعتبار أنه قرأ لهم وتأثر بهم، أما بالنسبة للاستنساخ الثقافي، فيبقى شيئاً جديداً لا ندري كيف سيتعامل النقاد مع هذا المصطلح؟ وهم أصلاً يطالبون بوضع قوانين تحفظ حقوق المؤلف، فإذا أصبح الاستنساخ شائعاً، فماذا سيبقى للمؤلف الأصلي، أو لمبتكر الصورة والعبارة والجملة، ماذا سيبقى لهم إذا استنسخها شخص آخر وادعى أنها له ؟

السرقات الصحفية
وعاد الأستاذ معمر إلى كلمة الاستنساخ في القاموس وقال: "لو بحثنا عن معنى الاستنساخ في القاموس لوجدنا أن نسخ الشيء نقله بحرفيته، وأعداد الكتاب أو أعداد المجلة نسميها نُسخاً، فهي منسوخة بتمامها، وهذا قد يقودنا إلى ما يشبه ما تكلم عنه أجدادنا العرب عن السرقة والسطو ووقع الحافر على الحافر وتوارد الخواطر ... ونجد أن الكثير من الشعراء والأدباء في تلك الأوقات البعيدة هوجموا بهذه الأمور، كمثل المتنبي الذي فند أعداؤه كل شعره، وعدوه على أنه نوع من السطو، وأيضاً نستطيع أن نذكر حادثة أو شيئًا مشابها لهذا بالنسبة إلى أبي تمام الذي يقول في بعض قصائده:
قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظُمت ..... فيبتلي الله بعض القوم بالنعم
ونجد ميخائيل نُعيمة قد تأثر بهذا القول الجميل، حين قال في فصل "ساعة الكوكو" المنشورة في كتاب "كان ما كان" مجموعته القصصية الأولى بقوله:
كم مصيبة جاءت في زي نعمة    وكم نعمة جاءت في زي مصيبة
وهذا الكلام جميل، ولكن يمكن اعتباره نوعا من السطو على معنى بيت شعر أبي تمام، وفي الأدب العربي حالات كثيرة مشابهة.
ويؤكد الأستاذ معمر " أننا نجد في العمل الصحفي مفهوم الاستنساخ قد وصل ـ عند بعضهم ـ درجات عالية، يسمحون فيها لأنفسهم باستبدال الاسم باسم آخر فقط" وقال: " لدينا تعبير في الصحافة يقول : إن المقص هو المحرر الأول، وهذا أمر أصنفه في باب السرقات، وليس في باب التفاعل والرغبة في إغناء الفكر الإنساني، وهو تعد على حقوق الآخرين وتجن لأسباب هي في أغلبها طمع في الحصول على مكافئة مالية. ومع الأسف ليس هنالك من يتابع بدقة هذه السرقات، وقد يكون نشر العديد من الصحف عبر الإنترنت مما يساعد على التقليل من هذه السرقات الصحفية".
وسواء أكان الاستنساخ بمفهومه الحرفي كما ورد في القاموس، أو استنساخ الأفكار، فهو كما أكد من التقيناهم خال من الإبداع، وكما قال الأستاذ معمر "إنه مثل الورد الاصطناعي، فقد يكون له شكل لكنه بلا رائحة، ولا أعتقد أن الاستنساخ يساعد على نمو الإبداع، ومن ينتج من خلاله يكون كرجل تقدمت به السن ويشكو من عاهة، فيعتمد على عصا أو كتف آخر كي يمشي، وسيكون الإبداع بعيداً عنه، ليس هنالك من أحد إلا ويستعين بأفكار غيره، لكن فكره الخاص هو حصيلة القراءات، وتفاعل هذه القرارات داخل الإنسان الذي تساعده على إبداع شيء جديد، ومثلما قال الجاحظ منذ أكثر من ألف عام، الأفكار مرمية على قارعة الطريق، لكن الصياغة الأدبية وطريقة معالجة هذه الفكرة وأسلوب استخدامها في النص الأدبي هو الذي يمنحها الصورة الجميلة أو الفكرة المستساغه من قبل القارىء، ويبقى الحسن مخبوءاً حتى يأتي الشاعر فيجعل من هذا الحسن المخبوء معروفاً أو منشوراً، وهذه الأمور ذاتية جداً، وهنا الإبداع.
ويشترك أيضاً الروائي وكاتب السيناريو التلفزيوني قمر الزمان علوش مع الأستاذ معمر في هذا الأمر فالأفكار حسب قوله أصبحت شائعة في العالم، والعقل البشري خاضها بمجملها، وثوابت الحياة البشرية قائمة منذ زمن، وقد خاض فيها الفلاسفة والكتاب والشعراء وأخيراً الروائيون والدراميون والسينمائيون، أما الجديد هو طريقة تناول ومعالجة هذه الأفكار، هو الإبداع المهم، فالحب امتلأت فيه الروايات والأشعار.... لكن البراعة في تناوله بمخيلة جديدة، وبتقنيات جديدة.

الاستنساخ و الاقتباس
ويذهب الروائي وكاتب السيناريو علوش إلى مفهوم الاقتباس في أعمال الدراما التلفزيونية من الروايات العالمية، وبين أنه يمكن في الأعمال الدرامية أن يكون هنالك اقتباس لرواية ما، أو فكرة رواية، وهنا تنشأ إشكاليات لا يمكن حلها إلا بالوجدان الأدبي بشكل عام، " أي عمل روائي يعطي كاتب السيناريو كل ما يحتاجه من حوار، لذلك لا بد أن يكون هنالك مساحة كبيرة من الإبداع، وقد يصنع كاتب السيناريو عملاً روائياً جديداً، وأحياناً يأخذ كاتب السيناريو فكرة الرواية فقط ويطورها إلى أجواء وعوالم وحكايات وأحداث مغايرة، وهنا يكون التفاعل وليس التلاص. وبالتالي في هذا المجال الثقافي من الصعب أن يكون هنالك استنساخ، ولكن يوجد ما يسمى بالاقتباس" .
وأضاف: "هناك أعمال روائية كبيرة من الممكن الاقتباس منها أو الإتكاء عليها لإنتاج مسلسلات درامية، لكن بشروط ، أولها : الإشارة إلى مصدر هذا العمل، وذلك تأكيداً على حق كاتب الرواية بوجود اسمه على هذا المسلسل، وشرط أن يضع كاتب السيناريو في اعتباره الوصول إلى مستوى الرواية، أو التفوق عليها في طريقة معالجته، ويقدم جهداً متميزاً وإبداعاً جديداً، سواء أكان من ناحية الإضافات، أو الإسقاطات على البيئة والزمان والمكان، أو في الاعتماد على الحوار، الذي هو بحد ذاته لا بد أن يكون على مستوى فني رفيع يليق برواية أدبية عالمية، وأن يحمل شحنة عاطفية، وفكرية، ومعلوماتية، وفلسفية كي تتوازن دفتا السيناريو ما بين السردية، والحوار، وإذا لم يحقق هذين الشرطين فهو هنا يستنسخ أفكاراً أو لنقل يجتر ما هو موجود.

يستوحي الثقافة
أما الروائية ناديا خوست فقد عادت إلى أن الثقافة كمفهوم باعتبارها تعبيرًا عن مجموعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، وهي هذا البناء الجامع الذي يجمع فيه تجليات هذه الأفكار والعادات والتراث وطريقة تلقي المستوردات، ولكن جميعه ينبت من أرض معينة، وفي زمن معين، لذلك لا يمكن استنساخ الثقافة كما تستنسخ الأبقار أو الأوراق، وقالت: "هذه الكلمة بالنسبة لي غريبة، فالثقافة من الممكن استيحاؤها والاقتباس منها، والتفاعل معها أو معاداتها، وشتى أنواع المواقف من الثقافة الأخرى، ولكن استنساخها أمر صعب، وأضافت، "إن الأفكار التي تعبر عن مجتمع ما تصبح ضمن التراث العالمي الإنساني، وهي تتفاعل مع الأفكار الأخرى التي أنتجتها حضارات متنوعة، لذلك استوحى وأفاد الغرب من أفكار ابن رشد، واهتم بابن طفيل واجتهاداته، لذلك يمكن الاستيحاء والإفادة من الإنتاج الثقافي العالمي الإنساني بتجلياته الإنسانية العامة، وإذا بحثنا في تاريخ الفكر في العالم سنجد أن أفكاراً معينة لها سند في أفكار معينة أخرى من نسقها في مجتمعات أخرى، وبذلك ترجم العرب الروايات المعاصرة ، ترجموا الأدب الروسي، والفرنسي ، وكانت هذه الأفكار تسند اتجاهات معينة في المجتمعات العربية سواء كانت اتجاه حركة التحرر الوطنية العربية أو باتجاهات أخرى مناقضة لها، إذًا في هذا المستوى يمكن أن تتفاعل الأفكار في العالم، لكن يجب أن أفهم أن الأفكار بنت مجتمعات معينة، وفي أزمنة معينة، ويفيدنا من الأفكار بشكل عام مستوى معين من الثقافة، يعني عندما نتحدث أننا نستوحي ونستلهم ونستفيد هذا يحتاج إلى مستوى معين من إنتاجنا الإبداعي، أما السرقة فهي مستوى آخر تماماً، هو انعدام الموهبة، حتى إننا في مجتمع واحد قد نعاني من سرقة كاتب لديوان شاعر آخر من زملائه، هذا مستوى آخر تماماً مستوى أحيله إلى القضاء، وإلى مسألة التعاون مع حقوق المؤلف، ولكن نحن الآن نتحدث على مستويات مختلفة تماماً، وهو استيحاء وتفاعل بين الثقافات، والمستوى الذي لا نستطيع أن ننغلق فيه ونعيش في سجن داخل ثقافتنا، وكأننا في منأى عما يجاورها، وعما يوجد في العالم، خاصة الآن حيث أصبح هذا الأمر مستحيلاً " .
وأكدت الروائية خوست أن المشكلة ليست في الأوساط الشعبية لأنها تعيش وفق محليتها، ولكن المشكلة في الطبقة المثقفة، التي تأتي فيها الرياح وتتصادم الاتجاهات، وأيضاً كطبقة أخرى في مستوى المثقفين تبحث كثيراً في الحداثة وما بعد الحداثة …. والخطر الأكبر في الشريحة التي يستهويها الغرب، لأن ارتباطاتها الثقافية ربما تستورد أهواء تقودها إلى هنالك، إضافة إلى أننا في زمن الأغنياء الذين تستنبتهم علاقات وسمسرة بمراكز اقتصادية خارجية ويتبنون ويلبسون الموضة السائدة، وتهتم بالقشور وبالمظاهر، وهي تستنسخ أنماط حياة بعيدة عن تراثنا وحياتنا، وعبرها يمر تغريب الطعام والملابس والماركات العالمية، وهذا يخرق هوية الحضارات الشرقية، والخطر هنا أن نصبح سوقاً يستهلك ما يأتينا دون تفاعل أو وضع بصماتنا الخاصة على كل ما بين أيدينا، ونصبح مستنسخين ومستهلكين لأنماط غريبة وليس فاعلين ومبدعين".
وتطرح الروائية خوست هنا سؤالاً عن ماهية المعايير التي نتعامل بها، ونطبقها في علاقاتنا بالثقافات الأخرى، وكيف نكون فاعلين وليس مستنسخين لأنماط حياتية بعيدة عن مجتمعاتنا، وتجيب بقولها: "نحن لدينا أمور عملية واقعية إذ إننا نرسل أولادنا للتخصص في الغرب، ولدينا أيضاً خبراء ونفيد أيضاً من الاستعانة بخبراء معينين في مناحي مختلفة، ويجب أن نأخذ من الآخر أو نتعلم ممن سبقنا في مضمار العلوم أو الثقافة، لكن عندما نأتي إلى مسألة الثقافة كهوية، الثقافة ذات هوية وطنية واضحة المعالم مهما أفادت من هنا أوهناك، ونحن نمتلك ثقافة متجذرة وراسخة، حتى في خضم العولمة، ولدى العرب والمسلمين ما يصعب أن نجده عند شعوب أخرى، وفيها ما هو حي حتى يومنا هذا، وما يستطيع أن يعبئنا ثقافياً وروحياً، وفي هذا العالم أيضاً توجد ثقافات وحضارات وشعوب، ونحن نستطيع أن نتعامل معها عبر قنوات متعددة، لكن يجب أن نجد الأساليب الملائمة لنكون فعالين استناداً إلى التراث العربي، وإلى الحاجات العربية المعاصرة، ولكن كي نُظهر هذه الهوية نحتاج إلى أنواع معينة من التعبير وإلى وسائل وأنساق معينة، وهذا أحياناً ما يشعرنا بالارتباك لأنه غير موجود تماماً

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.

الأكثر مشاهدة اليوم

ثقافة و فكر

سُداسِيةُ العِلم الشافعية

لكل مُنجَز ومَنال مقدمات وعوامل تبلّغ إليه، فالعلم مثلا لا يحصل بالأماني ولا الخيالات أو الأحلام، وإنما بأمور...المزيد