الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة المليبارية

ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة المليبارية
155 0 8

تقع ولاية (مليبار) -ويُطلق عليها (كيرالا)- على الشريط الساحلي الغربي بجنوب القارة الهندية. و(مليبار) اسم أطلقه العرب الوافدون إليها منذ القِدم، وهي منطقة تمتاز عن غيرها من المناطق الهندية بكثرة الجاليات العربية، وانتشار اللغة العربية فيها، ويزيد عدد سكانها اليوم على ثلاثين مليون نسمة، يتحدثون اللغة (المليبارية) ونسبة المسلمين فيها خمسة وعشرون في المائة (25%)، والتركيبة السكانية فيها خليط من أجناس بشرية، وطوائف عرقية، وفرق مختلفة ممن ينتمون إلى أديان شتى، مثل البوذية، والهندوكية، والمسيحية، واليهودية، والطائفة الهندوكية هي الأكثرية، ويليها المسلمون، إلا أن البوذية ضعفت، بل انقرضت في (مليبار) حتى لم يبق بحسب إخصائيات (1986م) إلا (233) بوذيًّا، كثير منهم اعتنقوا الإسلام.

وكانت سماء (مليبار) قد تلألأت بنور الإسلام منذ وقت مبكر، عندما كان التجار العرب يزورون موانئ سواحل الهند الغربية، والمراكز التجارية فيها، وكان ذلك في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فالعلاقة الوثيقة العريقة القائمة بين العرب والمليباريين منذ القِدم، ومجيء الفاتحين المسلمين إليها في وقت مبكر، ساعد كثيراً على دخول المليباريين الإسلام، وتعلم اللغة العربية، وفهم القرآن الكريم، وأداء شعائر الإسلام، حتى أصبحت الدعوة القرآنية تنتشر بينهم بشكل سريع.

كان للعلماء المليباريين حظ وافر من المشاركة في ركب الترجمات القرآنية، وقد نفع الله بها فِئاماً من البشرية من المسلمين وغير المسلمين.

كانت فكرة الترجمة في (مليبار) -كشأنها في كثير من بقاع الأرض- محاربة منذ القِدم، ومرت بمراحل عدة، وتطورت الفكرة إلى أن خرجت الترجمات إلى حيز الوجود، فتناولها أهل الحق وأهل الباطل، كل بحسب اعتقاده وانتمائه، وكل وَفْق ميوله واتجاهاته.

وبما أنه لم يكن ثمة ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة المليبارية، اضطر المسلمون هناك لدراسة اللغة العربية لضروراتهم الدينية، فكانت الكتاتيب أولاً، ثم المدراس ثانياً، وفي عام (1908م) أسس الشيخ الحاج (كنهي أحمد) مدرسة على النهج العلمي الحديث، وكان تعليم القرآن، وتفسيره، وترجمة معانيه باللغة المحلية من أهم المواد التي اعتنى بها الشيخ، وأولاها اهتمامه.

وأول من قام بترجمة معاني القرآن الكريم، وتجشم هذه المهمة الشاقة الشيخ (محيي الدين بن عبد القادر) المعروف بـ (ماحين كوتي أليا) سماها (ترجمة تفسير القرآن) وهي ترجمة تقع في ثلاثين جزءاً في ست مجلدات، بدأ بها سنة (1272هـ) وانتهى منها سنة (1287هـ) وهذه الترجمة وإن كانت باللغة المليبارية، إلا أن حروفها عربية؛ لأن اللغة المليبارية كانت محَاربة من قِبَل بعض المسلمين؛ خوفاً منهم أن يتأثر أبناء المسلمين بكتب الهندوس، حيث كانت كلها باللغة المليبارية. ويبدو للمطلع على هذه الترجمة أنها ليست ترجمة لمعاني القرآن الكريم فحسب، وإنما هي ترجمة وفي الوقت نفسه تفسير للآيات القرآنية. والجدير بالذكر أن هذه الترجمة -رغم مكانتها في القِدَم وغزارتها في العلم، وضخامتها في الحجم- لا تزال حبيسة الرفوف لا يستفاد منها؛ لأن اللغة المستخدمة في هذه الترجمة لا يتقنها جيل اليوم إتقاناً جيداً.

ثم بدأت الترجمات تصدر الواحدة تلو الأخرى، وكان لأهل الحق في هذا المجال نصيب وافر، ولأهل الأهواء جولات وصولات؛ حيث بلغ عدد الترجمات مع التفاسير في اللغة المليبارية ما يقارب الخمسين مؤلفاً إلى يوم الناس هذا، منها ما هو كامل، ومنها الأجزاء والسور المختارة.

ففي منتصف القرن العشرين الميلادي صدرت ترجمة كاملة لمعاني القرآن الكريم للشيخ (عمر أحمد المليباري) الذي كان حامي حمى التوحيد في عصره بمنطقة (مليبار) وصدرت هذه الترجمة باللغة (المليبارية) المكتوبة بحروف عربية. وقد بذل الشيخ (عمر) جهوداً جبارة يُحمد عليها؛ حيث وضع ترجمة معاني الكلمات أولاً بوضوح، ثم أتى على تفسير الآيات بأسلوبه الخاص، مستعيناً بأمهات كتب التفسير. وكان اهتمامه البالغ منصباً على المسائل العقدية. وقد صدرت هذه الترجمة في ستة مجلدات، احتوى كل مجلد على خمسة أجزاء من القرآن الكريم.

وظهرت في هذا المجال ترجمات لبعض المنتسبين لأهل السنة؛ من ذلك ترجمة الشيخ (ك.وي.كوتناد محمد مسليار) ظهرت هذه الترجمة تحت عنوان (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وهي من أقدم الترجمات للطائفة المنتسبة إلى أهل السنة، وظهرت هذه الترجمة بين عامي (1972م-1980م) في أربعة مجلدات، وتُعَدُّ أول ترجمة كاملة للطائفة السنية في (مليبار). وضخامة الترجمة توحي بأنها ليست ترجمة لمعاني القرآن الكريم فحسب، بل هي تفسير له أيضاً. وقد جاء المترجم في أثناء ترجمته بأفكار بدعية ما أنزل الله بها من سلطان.

ومن الترجمات التي قام بها بعض المنتسبين للطائفة السنية ترجمة (تي.كي.عبد الله مسليار) وكان من كبار علماء الطائفة السنية بـ (مليبار) وقد أثارت هذه الترجمة -كسابقتها- ضجة كبيرة في البلاد، ووُجِّهت للمترجم انتقادات شديدة لتأويله كثير من الآيات وتفسيره لها وَفْق ما يمليه عليه هواه.

ولعل أخطر ما صدر عن بعض المترجمين المنتسبين لأهل السنة ترجمة (مصطفى فيصي) فقد فتح الرجل بترجمته هذه المجال واسعاً لمن يشرك بالله دون أي قيود أو شروط، وفتح الباب على مصراعيه لكل من سولت له نفسه نقض التوحيد، وتقرير الشرك.

وظهرت في الساحة المليبارية لبعض أصحاب التصوف المنحرف تراجم لمعاني القرآن الكريم، من ذلك ترجمة الكاتب (كي.وي.يم.بندافور) وكان شاعراً ملماً بكتب المتصوفة، ومتأثراً بها، بيد أنه كان قليل الباع بعلوم الكتاب والسنة، وتعتبر ترجمته الأولى من نوعها في (مليبار) كونها مستقلة في نشر الفكر الصوفي. وقد بذل المترجم جهوداً كبيرة في إخراج ترجمة صوفية بحتة، وسماها (التفسير الباطني للقرآن الكريم) وصدر الجزء الأول والثاني من هذه الترجمة سنة (1992م) وزعم من خلال ترجمته أن للقرآن ظاهراً وباطناً، وأن كل حرف من أحرف القرآن يحتوي على خفايا وخبايا، لا يعلمها إلا أهلها -يعني أهل التصوف- وقد صدر من هذه الترجمة أربعة مجلدات، ثم توقف المترجم عن إصدار باقي الترجمة بعد أن شن عليه معظم الطائفة الصوفية انتقادات واسعة بحجة أن الفكر الصوفي لا يمكن عرضه على الخاصة والعامة على حد سواء!

كما ظهرت بعض الترجمات من قبل بعض المنتحلين للفرق الضالة، من ذلك ترجمة (محمد أبو الوفاء) نشرها (1991م) اعتمد في ترجمته على الترجمة الإنجليزية لـ (بشير علي صاحب) وعلى الترجمة الأردية لـ (ميرزا بشير الدين) وطُبعت هذه الترجمة في إنجلترا، تحت إشراف المنشورات الإسلامية (القاديانية) ويبلغ عدد صفحتها (1180) إضافة إلى شرح موجز لترجمة الجزء الأخير من القرآن الكريم. وهذه الترجمة تقدم صورة واضحة عن معتقدات القاديانية، فالنص القرآني يقابله الترجمة اللفظية، ثم تأتي في الحاشية التعليقات المسمومة والمنحرفة.

وفي الاتجاه نفسه صدرت ترجمة الشيخ (سي.ين. أحمد مولوي) سنة (1953م) ولاقت هذه الترجمة إقبالاً كبيراً من القراء؛ كونها أول ترجمة كاملة باللغة المليبارية، وامتازت بجودة الأسلوب، ودقة العبارة، والأصالة في اللغة، ومع ذلك فقد احتوت كثيراً من الانحرافات العقدية، والأفكار المسمومة، التي أملاها المترجم وَفْق ما يمليه عليه هواه ونهجه الفكري، ومن ثم استنكرها علماء الأمة، وقاموا بالرد على ما تضمنته من انحرافات ودسائس.

وفوق هذا وذاك، فقد ظهرت عدة ترجمات لمترجمين غير مسلمين، بغرض فهم معاني القرآن الكريم ودراسته؛ من ذلك ترجمة (كونِّيُّور راغون ناير) وهو أديب وشاعر هندوسي، جاءت ترجمته لمعاني القرآن بأسلوب شعري جذاب، وبألفاظ أدبية راقية، يصعب فهمها على العوام, وقد أثارت هذه الترجمة غضب أهل السنة في (مليبار) فأحرقوها، وأتلفوا كل ما طُبع منها سنة (1977م). وقد أعيد طبع هذه الترجمة مؤخراً سنة (2000م).

ومن الترجمات التي قام بها مترجمون غير مسلمين ترجمة (راغفان ناير) وهو كاتب وأديب مشهور من هنادكة (مليبار) نظم ترجمة لفظية قرآنية بأسلوب أدبي رائع، وراجعها أديب هندوسي اسمه (ب.ك.نازين بلا) إلا أن المترجم وجد صعوبة في طباعتها، حتى تمت الموافقة على طباعتها أخيراً، وكان الفراغ من الترجمة سنة (1983م) وكان المترجم محافظاً على روح القرآن وقداسته في أثناء ترجمته، ولم يتجرأ هو ولا سابقه على التحريف أو التأويل، كما فعل كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام.

عندما أصبح باب الترجمة لمعاني القرآن مفتوحاً لمن هو له أهل، ولمن ليس له بأهل، رأى بعض أهل الحق في (مليبار) ضرورة إيجاد ترجمة لمعاني القرآن الكريم؛ لتكون بمنزلة الحكم بين الحق والباطل، والصادق والكاذب، بحيث تبين منهج أهل الحق والرشاد، وتحذر من طرق أهل الزيغ والفساد. وكان من رواد هذا الاتجاه المشايخ: (محمد الكاتب) و(علوي مولوي) و(موسى مولوي) و(محمد أماني مولوي) وتم الانتهاء من هذه الترجمة سنة (1985م). وللشيخ (محمد أماني) -بعد الله سبحانه- الفضل الكبير في إخراج هذه الترجمة، التي لم تشهد (مليبار) مثلها حتى اليوم، واشتهرت هذه الترجمة فيما بعد باسم الشيخ (محمد أماني).

وقد اجتمعت في هذه الترجمة محاسن عدة، لم تجتمع في غيرها من الترجمات، نذكر منها:

- وضع المترجمون بين يدي كل سورة تلخيص لمحتواها بنقاط.

- سوق بعض الأحاديث الواردة في فضائل السورة -إن وُجِدت-.

- ترجمة معاني الآيات الكريمة بدقة وبأسلوب سلس، وبلغة ميسرة، وسهلة، ومعاصرة.

- وضع معاني المفردات في الحاشية حسب الورود.

- تفسير الآية تفسيراً مفصلاً اعتماداً على أمهات كتب التفسير.

- إيراد الأحاديث المتعلقة بالآية الكريمة، والشارحة لها.

- إذا كانت الآية تشير إلى قصة، تساق كاملة من مصادر موثوقة.

- العناية الفائقة بنبذ الإسرائيليات، والاستغناء عن الأحاديث الواهية.

- وضع فهارس في كل مجلد مع دليل مفصل للقارئ.

- الاهتمام بذكر أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وعرض المسائل الفقهية لآيات الأحكام.

وعلى الجملة، فإن هذه الترجمة تُعَدُّ أفضل الترجمات إلى اللغة المليبارية، ولا سيما إذا نظرنا إليها من الناحية العقدية، واهتمامها بسلامة الفكر والمنهج. وقد سدَّت هذه الترجمة فراغاً كبيراً في المكتبة الإسلامية للشعب المليباري.

ويشار أخير إلى أن مركز الإصلاح الهندي لدعوة الجاليات المليبارية بدولة الإمارات العربية المتحدة أصدر ترجمة موجزة كاملة لمعاني القرآن الكريم مسجلة على أشرطة تسجيل، وقد اعتمدت هذه الترجمة الموجزة المسموعة اعتماداً كليًّا على ترجمة الشيخ (محمد أماني) الآنفة الذكر، واعتبرتها مرجعاً وعمدة في عملها هذا، ولاقى هذا العمل نجاحاً كبيراً، حيث انتشرت هذه الترجمة في دول الخليج والهند انتشار واسعاً، وبدأ نشرها سنة (1978م).

* مادة هذا المقال مستخلَصَة من بحث بعنوان (تاريخ تطور ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة المليبارية -إحدى اللغات الرسمية في الهند-) د. محمد أشرف علي المليباري

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري