الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حدث في مثل هذا الأسبوع (17 – 23 ربيع الآخر)

حدث في مثل هذا الأسبوع (17 – 23 ربيع الآخر)
1674 0 97

وفاة الدكتور محمد مصطفى شلبي 18 ربيع الآخر 1418هـ (1998م)
الدكتور محمد مصطفى شلبي عالم أزهري أصولي جليل، أستاذ جامعي تتلمذ عليه الآلاف من طلاب الجامعات، حيث درّس بكلية الشريعة بالأزهر وبكلية الحقوق جامعة القاهرة وتولى رئاسة قسم الشريعة بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية وبيروت وكان عضوا بمجمع البحوث الإسلامية ومجمع الفقه الإسلامي.

نشأته
ولد الشيخ، رحمه الله، في قرية ميت عفيف، التابعة لمركز الباجور، بمحافظة المنوفية، يوم السبت الموافق ١٤ من شعبان ١٣٢٨هـ، ٢٠ أغسطس ١٩١٠م، ثم التحق بكتاب القرية، وأتم حفظ القرآن سنة ١٣٤٠هـ، ١٩٢٣م، والتحق بمعهد القاهرة الأزهري وواصل دراسته الأزهرية بكلية الشريعة ـ على المذهب الحنفي - حتى حصل على الشهادة العالية العالمية سنة ١٣٥٦هـ = ١٩٣٧م.
ثم اجتاز الامتحان التمهيدي (الماجستير) المؤهل لإعداد رسالة للحصول بها على العالمية من درجة أستاذ، وهي رسالته القيمة للدكتوراه (تعليل الأحكام - عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد) التي نوقشت في ٢٠ من ربيع الأول ١٣٦٤هـ، ٤ مارس ١٩٤٥م، ونالت أول تقدير (امتياز) في تاريخ كلية الشريعة، وطبعت في مطبعة الأزهر 1947م.
تتلمذ الشيخ على كبار شيوخ الأزهر في عصره، واختص بالتلمذة للعلامة الشيخ عيسى منون شيخ رواق الشوام، وعميد كلية الشريعة، وقد كان - وهو الشافعي المذهب ـ مثلا يحتذي به الشيخ رحمه الله في التفرغ للعلم والتعليم.

حياته العملية
عمل الشيخ ـ عقيب تخرجه ـ مدرسا للفقه والأصول في معهد الزقازيق الديني، فلما خلت درجة وظيفية في كلية الشريعة نقل إليها مدرسا سنة ١٣٦٦هـ، ١٩٤٧م، وانتدب للتدريس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة ١٣٧٣هـ،١٩٥٣م، ثم عين أستاذا مساعدًا، فأستاذ كرسي الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة ١٣٩٠هـ،١٩٧٠م.
ثم تعاقد فضيلته بعد ذلك بالمعهد العالي للقضاء الشرعي سنة ١٣٩٢هـ = ١٩٧٢م للعمل أستاذا، ثم مع جامعة بيروت العربية أستاذا في كلية الحقوق سنة ١٣٩٣هـ، ١٩٧٣م.
ثم عاد إلى مصر سنة ١٤٠٠هـ، ١٩٨٠م أستاذا متفرغا للشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، وعضوا بمجمع البحوث الإسلامية (هيئة كبار العلماء) بالأزهر الشريف (كان قد نال هذه العضوية سنة ١٣٩٠هـ، ١٩٧٠م).

من مواقفه
- يقول الدكتور سليم العوا :ومن مواقفه الشجاعة في الدفاع عن الشريعة الإسلامية أن اللجنة المعنية بمناهج كليات الحقوق كانت قد أعدت دراسة لتقليص مناهج الشريعة الإسلامية، وإلغاء أصول الفقه، وحدّدَ موعد الاجتماع الخاص ببحث هذه المسألة صبيحة إلقاء الرئيس جمال عبد الناصر خطابه الشهير بعد نكسة يونيو ١٩٦٧م وكان الشيخ قد أعدّ مذكرة مفصلة تناهض ذلك التوجه، فبدأ كلامه بالتحذير من مخالفة توجه الدولة الذي عبر عنه الرئيس بقوله: «لابد من العودة إلى الدين» قال لهم: كيف تواجهون الرئيس الذي هذا رأيه بأنكم تلغون منهج أصول الفقه الإسلامي؟؟ قال: فلم أجد بعد ذلك حاجة لعرض مذكرتي، فقد وافقوا فورا، وبالإجماع، على بقاء المناهج كما هي.
- وفي موقف آخر يقول الدكتور سليم العوا : لخص أحد أساتذة الفقه الإسلامى كتاب الشيخ مصطفى شلبى الرائع «الفقه الإسلامى بين المثالية والواقعية» ونسب التلخيص إلى نفسه ونشره فى مجلة العربى الكويتية ذائعة الصيت دون ذكر المؤلف الحقيقى.. فكنت شديد الاغتمام والحزن لهذه السرقة العلمية الفجة وأخذت نسخة من المجلة وكان الشيخ شلبى معاراً آنذلك لجامعة بيروت العربية فقرأت له المقال وكان يتلذذ بسماعة كأنه ليس كلامه ثم سألنى: كم نسخة تطبع من هذه المجلة وتباع؟!.
فقلت له: قرابة مائة ألف قال: كم يقرأون العدد الواحد؟.. قلت: حوالى عشرة.. فقال: يا بنى فائدة العلم أن ينتفع به.. كتابى الأصلى يقرأه مائة أو مئتان من الخواص.. أما هذا سينتفع به مئات الآلاف فلا تحزن.. ولم يحرك ساكنا حول هذا الأمر.. ولم يرفع أى قضية على الذى سرق الكتاب.
كان رحمه جوادا كريما مشفقا على طلابه كثير العون للفقراء و المحتاجين وأوصى بثلث تركته لحفظ القرآن و الأيتام.

تعليل الأحكام
كان عنوان رسالته للدكتوراه (تعليل الأحكام - عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد)، وكانت هذه الرسالة  حصيلة عقدين من الزمان قضاهما في طلب العلم وهي شاهدة على تمكنه وتضلعه وغوصه وتحقيقه فهي عمل نادر في مجاله، جاء فيها بالبدائع والروائع، ودلَّل بالوقائع على أن الأئمة الأربعة ومن سبقهم كانوا يسلكون مسلك التعليل بالحكمة، وقد أصبحت هذه الرسالة مرجعًا لكل باحث في الأصول، وفي المقاصد، وفي سماحة الشريعة.

ولهذه الرسالة قصة كتبها في مقدمة الطبعة الثانية لها، من نشر دار النهضة العربية بيروت، سنة 1981، تحت عنوان «قصة هذه الرسالة». وحاصل هذه القصة أنه بعد أن استعرض موضوعات كثيرة ليختار منها موضوعًا مناسبًا لرسالة يتقدم بها لنيل (العالمية من درجة أستاذ)، فاستعصى عليه الاختيار، حتى كاد اليأس أن يتسرب إلى نفسه، ترك التفكير في المسألة، وفوّض أمره إلى الله داعيًا إياه أن يهديه إلى ما يذهب حيرته. كان ذلك في أول شهر رمضان سنة سبتمبر ١٣٦١هـ، ١٩٤٢م، وقبل أن ينقضي الشهر رأى أنه دخل مكتبة كلية الشريعة فوجد فيها حشدًا من الشيوخ والطلاب، واذا بأمين المكتبة ـ وكان رحمه الله شيخا وقورًا - يسرع إليه ويناوله كتابين: أحدهما مطبوع والآخر مخطوط، ويقول له: خذ هذين الكتابين من مراجع رسالتك، فقال له الشيخ: إنني لم أختر موضوع رسالتي بعد. فقال: رسالتك في تعليل الأحكام. يقول الشيخ: استيقظت بعد هذه الرؤيا وأنا في حيرة مما رأيت: هل هي رؤيا أم مجرد خاطر نفسي، وسرعان ما استبعدت الثاني لأنني لم أكن أفكر ـ في موضوع الرسالة، ولم يكن هذا الموضوع قد خطر ببالي من قبل....

يذكر أن الشيخ تقدم بها إلى مشيخة الأزهر سنة 1362 هـ،  1943م، وقد نوقشت سنة 1945م، ويذكر الدكتور محمد سليم العوا تلميذ الشيخ المقرب "ومن طريف «قصة هذه الرسالة» الذي لم ينشره شيخنا، ما حدثني به من أنه عندما قدمها إلى كلية الشريعة، ليُحدّد موعد لمناقشتها، بقيت بين أيدي أعضاء اللجنة المكلفة بمناقشتها سنة أو تزيد ـ ولم يكن ذلك معهودًا آنذاك ـ وأنهم اجتمعوا مرات عدة، وكان رأي غالبيتهم أن ترد الرسالة إلى صاحبها، ورأي أقلية منهم، أو بالأحرى واحد فرد منهم، أنها رسالة يجب أن تجاز، وأن عليهم أن يكتبوا أسبابًا مقنعة لردها. فلما لم يجدوا شيئا يسوّغ ما يريدون، نوقشت الرسالة في ٢٠ من ربيع الأول ١٣٦٤هـ، ٤ مارس ١٩٤٥م، ونالت أول تقدير (امتياز) في تاريخ كلية الشريعة، وخرج من الكلية محمولا على أعناق الطلبة بعد أن استمرت مناقشته ساعات طويلة.

مؤلفاته:
ترك الشيخ مؤلفات محررة قيمة مطبوعة منها:
1- تعليل الأحكام، وهي رسالته للدكتوراه.
2- أحكام الأسرة في الإسلام - دراسة مقارنة بين فقه المذاهب السنية ومذهب الشيعة الإمامية.
3- أحكام الوصايا والأوقاف.
4- أحكام المواريث بين الفقه والقانون .
5- الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية.

6- تطبيق الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين.
7- الاستحسان في الفقه الإسلامي وعلاقته بالاستثناء في التشريع.
8- المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه.
9- أصول الفقه الإسلامي "المقدمة التعريفية بالأصول وأدلة الأحكام وقواعد الاستنباط"
وللشيخ فتاوى كثيرة مكتوبة، لم تنشر بعد، وله بحوث قدمها إلى مجمع البحوث الإسلامية، الذي كان من أقدم أعضائه، قال الدكتور سليم العوا :أسأل الله أن ييسر لي جمعها ونشرها بإذنه تعالى.

وفاته
توفي الشيخ مصطفى شلبي يوم الخميس ١٨ من ربيع الآخر ١٤١٨هـ، ٢١ أغسطس ١٩٩٧م.ودفن في مدافن أسرته بقريته ميت عفيف بالمنوفية بمصر.
رحم الله الشيخ أوسع رحمة، وأجزل له المثوبة عن الآلاف ممن تلقوا العلم على يديه، وانتفعوا بمؤلفاته ومايزالون.
 

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.