الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حدث في مثل هذا الأسبوع ( 2 - 8 جمادى الأولى)

حدث في مثل هذا الأسبوع ( 2 - 8 جمادى الأولى)
1621 0 52

وفاة العلاّمة الشيخ محمد سالم ولد عدود الشنقيطيّ 4 جمـادى الأولى سنة 1430هـ(2009م):
الشيخ محمد سالم ولد عدود هو أحد أفذاذ العلماء العاملين وأحد أوعية العلم المحققين وأحد الحفاظ المدهشين تتابع ثناء العلماء عليه في حياته وبعد مماته.
عالم جليل وفقيه أديب ولغوي محرر وشاعر أريب، راسخ القدم، كريم الشيم، كان كالغيث حيثما نزل نفع.
كان رحمه الله منارة هادية لنشر العلوم الإسلامية والعربية لعدة عقود أحيا خلالها تاريخ الشناقطة الماجد كما كان سفير موريتانيا في العلم والأدب والمعرفة والدين والأخلاق إلى جميع أصقاع المعمورة.
حظي بمكانة مرموقة في بلاده وفي العالم الإسلامي، ونال عضوية العديد من المؤسسات والهيئات العربية والإسلامية، وكانت له مشاركات واسعة ومثمرة في مؤتمرات الثقافة والفكر في العالمين العربي والإسلامي ،ومارس القضاء والتدريس والإفتاء، وتقلد وظائف سامية في بلاده.

لقد كان بحق جامعة علمية اجتذبت طلاب المعرفة وعشاق العلم من مختلف أقطار العالم ومن شتى الأجناس يفيء عليهم في "محضرته" العريقة بما تجود به نفسه من علم و أدب وما تفيض به كفه من سخاء وكرم.
تحتشد المناقب في سيرته وتتسابق المعالي في ساحته، أجمع من عرفه على دماثة خلقه ولين جانبه وعظيم تواضعه وسماحة نفسه وكرم أخلاقه وسخاء يده وزهده وبذله العلم لأهله وتقريبه لطالبيه.
كان الرجل من آخر نماذج العلماء الشناقطة البارزين، الذين اشتهروا في المشرق العربي ومغربه بسعة علمهم وواسع اطلاعهم وعزوفهم عن المال والأضواء.

نشأته
اسمه : محمّد سالم بن محمّد علي بن عبد الودود المعروف بعدّود.
ولد يوم 14 رجب عام 1348 هـ ، الموافق 16 ديسمبر 1929م، كان ذلك في ضواحي " بوتلميت بولاية الترارزة " في الجنوب الغربي الموريتاني.
ولد في أسرة علمية عريقة في العلوم الشرعية والعربية فأبواه عالمان جليلان.
فأبوه هو العلامة محمد علي " عال" بن عبد الودود العالم الفذُّ صاحب محضرة عريقة في العلم، بل هو المرجع في معضلات العلم، وكذلك أمه الصالحة "ميمونة" المشهورة بـ"النجاح"، وقد أخذ عن أمّه رحمها الله السّيرة وأنساب العرب خاصّة وهو طفل، قال رحمه الله
وأنا أمّي علّمتني السّيرة وغيرها في مدّة يسيرة
وقد ظهرت على الشيخ محمد سالم أمارات النبوغ منذ صغره ، حيث إنه بدأ رحلته الدراسية في الخامسة من عمره، وأخذ مبادئ العلوم على والدته وعمته، كما هو الشأن في تلك البلاد، وبعد حفظه للقرآن وجهه والده إلى دراسة مختلف فنون المعرفة التي كانت تزخر بها محضرته، وكان أبواه يدربانه على قرض الشعر ارتجالا حتى أجاد ذلك، ثم ما لبث أن استوعب كل العلوم التي تُدرَّس في تلك المحضرة رغم صغر سنه، وأصبح يساعد أباه على تدريس الطلاب وينوب عنه إذا غاب.
حفظ قبل البلوغ القرآن والألفية وأصلها الكافية والقطر والشّذور والإعراب عن قواعد الإعراب ونظم " ابن عبدم " في العروض وألفيّة العراقيّ في السّيرة ورقم الحلل لابن الخطيب والكوكب السّاطع للسّيوطيّ والمعلّقات العشر ودواوين لجماعة من الشّعراء.
ثمّ استكمل حفظه لكلّ ما يلزم الإمام المجتهد والأديب البارع حفظه بعد البلوغ وبفضل قدرته على الحفظ استوعب المتون المقررة في المحاضر الموريتانية قبل أن يكمل عامه السابع عشر، فبرز عالما متبحرا في القرآن وعلومه، والفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه، وتميز بالموسوعية في علوم الشريعة الإسلامية واللغة العربية، وعلم الأسانيد والجرح والتعديل.
مع مطالعاته الكثيرة المتكررة في كتب العلماء بعد ذلك، حتى صار من علماء موريتانيا وحفاظها المدهشين الذين أعادوا إلى ذاكرة الأمة سير الحفاظ الكبار من أمثال الشعبي والشافعي وغيرهم.

حياته العملية
بعد إتمام دراسته أصبح أستاذا في محضرة العائلة، ثم التحق في بداية الخمسينيات بهيئة التدريس في معهد " بوتلميت " الإسلامي الذي كان أول مؤسسة تعليمية معربة تعتمد طرق التدريس الحديثة.
ثم ابتعث إلى تونس في أول بعثة من القضاة الشرعيين للتدريب فيها، فدرس القانون في تونس بالمدرسة العليا للقضاء وتخرج منها في ستينيات القرن الماضي.
وتلقي العلم على يد علماء كبار فيها حصل منهم على إجازات في علوم اللغة العربية، والشريعة الإسلامية ، وممن أجازه: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والشيخ محمد الشاذلي النيفر، والشيخ نعيم بن أحمد النعيمي وغيرهم.

يعد عودته من تونس تولى الشيخ منصب نائب رئيس المحكمة الابتدائية، ثم نائبا لرئيس المحكمة العليا ورئيسا للغرفة الإسلامية فيها فترة طويلة، ثم توّجت مسيرته في القضاء بتولي رئاسة المحكمة العليا (أعلى منصب قضائي) بموريتانيا في الفترة (1984 م – 1987 م)
عمل الشيخ في مجال القضاء بصبر وأناة على إلغاء القانون الوضعي وتهذيب ما لابد منه من القانون المدني، ونظم القانون الدولي العام والقانون الإداري في ألفية تم طبعها كما سعى إلى تقنين الفقه المالكي وبدأ هذا المشروع وحده إلى أن تبنته الدولة سنة 1980 م ليتوج بالمساطر الإجرائية الحالية في موريتانيا والتي من ضمنها مجلة المرافعات المدنية والتجارية.
وقد ترك الشيخ أثره وبصماته الواضحة في القضاء الموريتاني، فبالإضافة إلى المساطر القانونية التي أشرف على إعدادها، تتلمذ عليه العديد من القضاة النابهين الذين أخذوا عنه ولازموه.
ثم بعد القضاء عين وزيرا للثقافة والتوجيه الإسلامي في الفترة 1987-1992، ورئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى في الفترة 1992-1997، وهو هيئة دستورية تقدم الاستشارات الشرعية لرئيس الجمهورية.
وإلى جانب مهامه الرسمية، مارس التدريس في جلِّ مؤسسات التعليم العالي في موريتانيا، فدرَّس في المدرسة العليا للتعليم، والمدرسة الوطنية للإدارة، والمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، وكلية القانون في جامعة نواكشوط.
ورغم أن الشيخ شغل عن التدريس في المحضرة، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يشغل جميع وقته بالتدريس، فكان له طلاب في فترة عمله يرافقونه وكان إذا أخذ الإجازة عاد إلى المحضرة ليزاول التدريس فيها.
وفي السنوات الأخيرة من عمره تفرغ لمحضرته في قرية " أم القرى "، وترك العمل الرسمي باستثناء المحاضرات التي كان يلقيها في برنامجي روضة الصيام والسمر الرمضاني في شهر رمضان الفضيل، وقد اكتسبت المحضرة في هذه السنوات شهرة عالمية، بالإضافة لشهرتها المحلية، حيث وفد إليها الطلاب من المغرب والخليج العربي وإفريقيا كما وفد إليها مسلمون جدد من أمريكا وأوروبا
كان الشيخ عنده حس تجديدي وروح اجتهادية منفتحة جمعت بين متانة التجذر في المرجعية الإسلامية والحرص على مواكبة العصر، مع الوعي الجاد بشروط ومتطلبات النهوض الفكري والاجتماعي والمهمة المنوطة بأمثاله من العلماء في تحقيق هذه المسؤولية.
وعندما اختير في الثمانينات وزيرا للثقافة والشؤون الإسلامية عهد إليه بهذه التركيبة الفريدة التي كانت على مقاسه، فنجح في المهمتين، وجمع بين إدارة قطاعين لم يجتمعا لغيره.

وكان الرجل إلى جانب خصاله العلمية والتربوية النادرة إعلاميا متميزا، ببرامجه الإذاعية والتلفازية الجذابة الممتعة.
كما كان الشيخ حريصا على إصلاح مجتمعه قدر المستطاع، وهذا هو شأن العلماء المصلحين، فتجده مع الكبير والصغير والشباب والشيوخ، يبث فيهم العلم والخير، لا يملُّ ولا يسئم من أحد، ينصح ويصحح الأخطاء بالرفق واللين وحسن الخلق.

الحفظ المدهش
هذا الشيخ الجليل حفظ قبل بلوغه أكثر من ثلاثين متناً يعيا بها الكبار منها: الكافية الشافية لابن مالك، وألفيته مع جامع ابن بونا، وموطأ الفصيح، وعقود الجمان، وألفية العراقي، والكوكب الساطع، والسلم المنورق، ونظم الغزوات، ونظم ابن عاشر وغير ذلك، ومجموع ما حفظه من متون (قبل أن يبلغَ ) يقاربُ عشرين ألف بيت!!!
وكان رحمه الله يحفظ من السّماع الأوّل، ولكثرة محفوظاته من المنظوم والمنثور عرف عند العامة بـ" المكتبة المتنقلة "، فأعاد سيرة أئمة العلم المتقنين الذين حفظ التاريخ أخبارهم في التبحر في أنواع العلوم والفنون كالشعبي والشافعي وابن تيمية وأمثالهم من نوادر العباقرة.

ما خرج يلقي درسا في تلفاز بلاده أو مذياعها وما وجدت له محاضرة مسجلة إلا وقال قولته المشهورة (ما كنت على ذكر بموضوع المحاضرة) ثم ينطلق في الحديث بما يصلح أن يفرد كمصنف شامل لجزئيات موضوعه.
كان صاحب حافظة لا تعرف الحدود، واجتهاد لا يعرف التعصب أوالقيود.
ذاكرة حديدية قوية لا يفوتها أي نص شعري أو نثري جعلت منه أحد رواة التراث العربي إبداعا وتاريخا وأنسابا، من أضراب الأصمعي والتوحيدي.

كتاب "التذليل والتذييل للتسهيل والتكميل"
وهذا الكتاب هو مشروع عمره وأجل كتبه، فالشيخ عكف على تأليف هذا الكتاب طيلة السنوات العشرين الأخيرة من حياته، وكان يسميه "مشروع العمر".
وهو عبارة عن نظم مختصر خليل في الفقه المالكي سماه ((التسهيل والتكميل، نظم مختصر الشيخ خليل))، وشرحه وسمَّى الشرح بـ (( التذليل والتذييل للتسهيل والتكميل )).
وعدد أبيات هذا النظم فهو (17681) بيتاً من كامل الرجز، بدأه بمقدمة ذكر فيها مجمل اعتقاد السلف 115 بيت وقد أفرد وطبع باسم جملة العقائد على طريق السلف الأماجد.
ثم نظم طويل لمختصر الشيخ خليل أو بعبارة أخرى نظم الفقه المالكي المعتمد في الفتوى ( مائة ألف مسألة فقهية ) على مذهب مالك وأهل المدينة، ثم خاتمة جامعة لأهم الآداب والأخلاق الإسلامية في ( 510 أبيات ).
وقد شرع في نظمه عام 1409 هـ، وفرغ منه قبيل وفاته عام 1429 هـ، أي أنه مكث في نظمه عشرين عامًا، تتخللها أعمال كبيرة تتعلق بمناصبه العليا التي تولاها، وكثرة أسفاره لحضور المؤتمرات وحضور المجالس العلمية الكثيرة، وفي هذه المدة كتب شرحه على النظم.
وهذا الكتاب يمثل مدونة شاملة ومنقحة للفقه الإسلامي وخاصة المالكي، إذ هو عصارة تجربة علمية طويلة وغنية اشتهر صاحبها باطلاع فقهي قل نظيره في الاتساع، وبخبرة عملية جمعت بين القضاء والإفتاء والتدريس محليا، وبين الاحتكاك المباشر بأكبر علماء الأمة في المشرق والمغرب.
ويعد هذا الكتاب أيضا موسوعة إسلامية وعربية حقيقية، إذ لم يقتصر مؤلفه -كما قد يتوقع القارئ- على الفقه فقط، بل زخر أيضا بعلوم اللغة والأدب فتضمن مباحث نحوية وصرفية وبلاغية، وحوى روائع من الشعر والحكم.
وقد دأب المؤلف "رحمه الله" في العقدين الأخيرين من حياته على مراجعته، فكان في جل أيامه يعكف عليه يُعَدِّل أو يحذف أو يضيف، وقد حرص على تدريس الكتاب للمتقدمين في الدراسات الفقيهة من طلابه، يحفظون المتن ويقفون على التعليقات، فانتشر بحمد الله
وقد صدر هذا الكتاب مطبوعا في ستة مجلدات عن دار الرضوان للنشر والتحقيق بموريتانيا.

مؤلفاته:
توزع وقت الشيخ بين التدريس والتعليم والتأليف وشغل المناصب الرفيعة، وترك الشيخ تراثا ضخما من الدروس والشروح والمحاضرات والفتاوى والقصائد الشعرية وأما المؤلفات فكانت جل مصنفاته نظما، نذكر منها:
- "التذليل والتذييل للتسهيل والتكميل " وهذا مشروع عمره وأجل كتبه كما سبق
وهو عبارة عن نظم مصحوب بشرح نثري لمختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي.

- شراع الفلك المشحون بعناوين تبصرة ابن فرحون، في القضاء وهو نظم عدد أبياته 464 بيتا.

- نظم العمدة لابن قدامة الحنبلي وطبع باسم "الموثق من عمدة الموفق" وعدد أبياته 3722 بيتا.

وفاته:
توفي الشيخ ظهر يوم الأربعاء 4 جمـادى الأولى سنة 1430هـ الموافق 29 أبريل 2009 عن عمر قارب الثمانين عاما، بعد معاناة مع المرض استمرت نحو عام،
وبرحيل الشيخ افتقدته المجامع العلمية ودواوين القضاء وساحات القصيد ورياض العربية وميادين الدعوة رحمه الله تعالى وجزاه كفاء ما قدم للعلم والفقه والعربية خير الجزاء.

و قد رثاه العلامة " حمدا ولد التاه " بأبيات نذكر منها قوله:
لا يا مذيع فإنها أنباء                قد روجتها بيننا الأعداء
ما غاب عن أم القرى عدودها    عدود في أرجائها أصداء
سيظل بين الكتب وهو مبين       إجمال ما لم تدره العلماء
سيظل والطلاب في جنباته          يتبادرون وكلهم إصغاء
سيظل في بيت القضاء موفقا حكم القضاء وحوله الخصماء
سيظل في آدابه متفننا قد        أعجبت من سحره الفصحاء
سيظل في محرابه متعبدا لله                جل وقلبه وضاء
وترى العفاة ببابه قد حلقوا         والكف منه منفق معطاء
إن كان فارقنا الغداة فإننا            نلقي البنين وكلهم نقباء
بيت بناه الله من أمجادهم           قد أسسوه وكلهم صلحاء

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق