الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له

وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له
  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:14/08/2022
  • التصنيف:أسباب النزول
  •  
2052 0 43

مما خاطب به سبحانه الكفار على وجه التبليغ، والمسلمين على وجه الإرشاد ما جاء في قوله عز من قائل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} (الأعراف:204) نتعرف في السطور التالية عن سبب نزول هذه الآية.

أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" وابن أبي حاتم في "تفسيره" والطبري في "جامع البيان" والبيهقي في "السنن الكبرى" عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة؛ فنزلت: {وإذا قرئ القرآن وأنصتوا لعلكم ترحمون} صحيح لغيره.

وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه سلَّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فلم يرد عليه -وكان الرجل قبل ذلك يتكلم في صلاته، ويأمر بحاجته- فلما فرغ ردَّ عليه، وقال: (إن الله يفعل ما يشاء) وإنها نزلت: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} حديث حسن.

وروى الطبري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه كان يقول في هذه الآية: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} (الأعراف:205) (هذا في المكتوبة، وأما ما كان من قصص، أو قراءة بعد ذلك؛ فإنما هي نافلة، إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة مكتوبة، وقرأ أصحابه وراءه، فخلَّطوا عليه، قال: فنزل القرآن: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} فهذا في المكتوبة) حديث حسن.

وروى الطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، في هذه الآية: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

وروى الطبري عن بشير بن جابر، قال: صلَّى ابن مسعود رضي الله عنه، فسمع ناساً يقرأون مع الإمام، فلما انصرف، قال: أما آن لكم أن تفقهوا! أما آن لكم أن تعقلوا؟ {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} كما أمركم الله.

وفي "تفسير القرطبي" عن سعيد بن المسيِّب: كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} (فصلت:26) فأنزل الله تعالى جواباً لهم: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}.

وروى الطبري عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز، قال: رأيت عبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاصّ يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر، وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت، فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي، فقالا: إنما ذلك في الصلاة: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}.

ثم اختلف أهل التفسير في الحال التي أمر الله بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرأ، والإنصات له؛ فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلي في الصلاة خلف إمام يأتمُّ به، وهو يسمع قراءة الإمام، عليه أن يسمع لقراءته. وقالوا: في ذلك أنزلت هذه الآية. وقال فريق: بل عُني بهذه الآية الأمر بالإنصات للإمام في الخُطبة إذا قرئ القرآن في خطبة. وقال آخرون: عني بذلك: الإنصات في الصلاة، وفي الخُطبة.

قال الطبري: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: أُمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتمّ به يسمعه، وفي الخطبة.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (وإذا قرأ فأنصتوا) رواه مسلم، وإجماع الجميع على أن على من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة، الاستماعَ والإنصاتَ لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه، من قارئه، إلا في هاتين الحالتين، على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عاشور: "ولا شبهة في أن هذه الآية نزلت في جملة الآيات التي قبلها وعلى مناسبتها، سواء أريد بضمير الخطاب بها المشركون والمسلمون معاً، أم أريد المسلمون تصريحاً، والمشركون تعريضاً، أم أريد المشركون للاهتداء، والمسلمون بالأحرى لزيادته.

فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعمل بما فيه، فالاستماع والإنصات مراتب بحسب مراتب المستمعين".

قال: "وقد اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول، فلا يقول أحد منهم بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحداً يقرأ القرآن، أن يشتغل بالاستماع وينصت؛ إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع في صنعته، فلو وجب عليه الاستماع، لأُمر بترك عمله، ولكنهم اختلفوا في محمل تأويلها:

فمنهم من خصها بسبب رأوا أنه سبب نزولها، فرووا عن أبي هريرة أنها نزلت في قراءة الإمام في الجهر، وروى بعضهم أن رجلاً من الأنصار صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم صلاة جهرية، فكان يقرأ في الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، فنزلت هذه الآية في أمر الناس بالاستماع لقراءة الإمام. وهؤلاء قصروا أمر الاستماع على قراءة خاصة، دلَّ عليها سبب النزول عندهم على نحو يقرب من تخصيص العام بخصوص سببه عند من يخصص به، وهذا تأويل ضعيف؛ لأن نزول الآية على هذا السبب لم يصح، ولا هو مما يساعد عليه نظم الآية التي معها، وما قالوه في ذلك إنما هو تفسير وتأويل، وليس فيه شيء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم...على أن ما تقدم من الإخبار في محمل سبب نزول هذه الآية لا يستقيم؛ لأن الآية مكية، وتلك الحوادث حدثت في المدينة".

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة