الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غزوة تبوك والاعْتِبار بمَوَاطنِ عذابِ الظالمين

غزوة تبوك والاعْتِبار بمَوَاطنِ عذابِ الظالمين

غزوة تبوك والاعْتِبار بمَوَاطنِ عذابِ الظالمين

مِنْ هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته التأثر والاعتبار عند المرور بأماكن ومواطن العذاب والخسف بالكافرين والظالمين مِنْ قبلنا، وقد شهدت غزوة تبوك موقفا نبوياً في ذلك، فقد مرً المسلمون في طريق عودتهم من تبوك بالديار التي كانت ثمود تسكنها، وهي أطلال هامدة، وآثار بقِيَت تُذَّكر بغضب الله على من كذبوا رسله، وتعجلوا عقابه، فاستقى الناس من بئرها، واعتجنوا به، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب أو الوضوء منه، وأمرهم أن يعلفوا الإبل العجين، وأن يستقوا من البئر التي كانت تشرب منه ناقة صالح عليه السلام.
وقد بوَّب مسلم في صحيحه: "باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين ومصارعهم، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك"، ثم ذكر حديث ابن عمر رضي الله عنه بمرور النبي صلى الله عليه وسلم بالحِجْر. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: (إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود، الحجر (منازل ثمود)، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة) رواه مسلم. وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين.. ثم قنع (غطى) رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي). قال النووي: "وفيه الحث على المراقبة عند المرور بديار الظالمين ومواضع العذاب، ومثله الإسراع في وادي محسر، لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، فينبغي للمار في مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بهم وبمصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك".
وقال ابن حجر: "وهذا يتناول مساكن ثمود وغيرهم ممن هو كصفتهم، وإنْ كان السبب ورد فيهم".

أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلم بالاعتبار والخوف عند المرور بديار الكافرين والظالمين الذين أهلكهم الله عز وجل من قبلنا، وأن يتذكر ما وقع للأمم الخالية، ويحذر من السير في سبيلهم خشية الوقوع في مثل ما كان سبباً في هلاكهم. قال ابن عثيمين: "ثمود هم قوم صالح الذين أرسل الله إليهم صالحاً عليه الصلاة والسلام، فذكّرهم بالله، ولكنهم كفروا به فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ثم أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وكان الله تعالى قد أعطاهم قدرة وقوة في نحت الجبال وبناء القصور في السهول وأصبحوا أمة قوية ولكن الله تعالى أخذهم برجفة وصيحة فماتوا عن آخرهم، مرَّ بهم النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى تبوك فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا على هؤلاء إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم).. ولما مر النبي صلى الله عليه وسلم بواديهم قنَّع رأسه ـ يعني خفضه ـ وأسرع السير حتى تجاوز الوادي، وبه نعرف خطأ هؤلاء الذين يذهبون إلى ديار ثمود للتفرج والتنزه ويبقون فيها أياماً ينظرون آثارهم القديمة، فإن ذلك معصية للرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة لهديه وسنته، فإنه صلى الله عليه وسلم لما مرَّ بهذه الديار أسرع وقنَّع رأسه صلى الله عليه وسلم حتى جاوز الوادي، وحذر مِنْ أن يسكن الإنسان في مساكن الذين ظلموا أنفسهم والذين أهلكهم الله في هذه الأرض، خوفاً أن يصيب الإنسان ما أصابهم من عذاب الله".
وفي قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين) منهج نبوي كريم في توجيهه صلى الله عليه وسلم لصحابته ومَنْ يأتي مِنْ بعدهم إلى الاعتبار بديار ثمود ومَنْ شابههم، وأن يتذكروا بها غضب الله على الذين كذَّبوا رسوله، وأن لا يغفلوا عن مواطن العظة، ونهاهم عن الانتفاع بشيءٍ مما في ربوعها حتى الماء، لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقاً للتأثر بعذاب الله عز وجل، ومن ثم فلا ينبغي للمسلم أن يدخل ديار الأمم السابقة ممن أهلكهم الله بكفرهم وظلمهم، أو أن يمر على شيء من آثارهم، إلا وهو معتبر بحالهم ومآلهم، إذ هي منازل شهدت مظهراً من غضب الله وعذابه، وسجّلت على أطلالها آثار من ذلك الغضب، ولا شك أن الله عز وجل إنما أبقى هذه الآثار في الأرض لتكون عبرة لأولي الأبصار، كما أوضح ذلك في كثير من آياته عن بعض الظالمين والكافرين والأمم السابقة الذين هلكوا وبقيت آثارهم تدل عليهم وعلى فعلهم، ليعتبر من جاء بعدهم بهذه الآثار، حتى لا يعملوا مثل أعمالهم، ولا يقعوا فيما وقعوا فيه من أعمال كانت سبباً في هلاكهم، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}(الأعراف:137)، {فَاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}(يونس:92). وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(الفجر:6: 14)، وقال سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}(آل عمران: 137) وقال عز وجل: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}(النمل: 52)، وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(غافر: 82).

مِنْ هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسُنته التأثر بأماكن وأحوال العذاب وقبور الظالمين من قبلنا، ومن الخطأ الكبير أن يمر المسلم على هذه الأماكن ساهياً لاهياً، لا يهتم بغير مظهرها وشكل بنائها وما عليها من نقوش، ولا يُقْبِل إلا على مظاهر الفن والقيمة الأثرية والتاريخية فيها، بل عليه أن يعتبر بما حدث فيها، ويسأل اللهَ تعالى العفو والعافية له وللمسلمين مما حلّ بهؤلاء الكافرين والظالمين، ويتجنب الأسباب التي أدت إلى هلاكهم وعقاب الله لهم، وأن يسرع في الرحيل عنها، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم غطى وجهه بثوبه لما مرَّ بهذه الديار، واستحث خُطا راحلته.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة