الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تراجم القراء العشرة (6) نافع بن عبد الرحمن وراوياه

تراجم القراء العشرة (6) نافع بن عبد الرحمن وراوياه
296 0 19
نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، أبو رُوَيم الليثي، أحد القراء السبعة والأعلام، ثقة صالح، أصله من أصبهان، كان أسود اللون حالكاً، صبيح الوجه، حسن الخُلُق، فيه دعابة. أخذ القراءة عَرْضاً عن جماعة من تابعي أهل المدينة؛ منهم: عبد الرحمن بن هُرمُز الأعرج، وأبو جعفر القارئ، وشيبة بن نصاح، وغيرهم، روى القراءة عنه عَرْضاً وسماعاً: إسماعيل بن جعفر، وعيسى بن وردان، وسليمان بن مسلم بن جمَّاز، ومالك بن أنس، وهم أقرانه، وإسحاق بن محمد المسيبي، وقالون، وورش، وغيرهم. أقرأ الناس دهراً نيفاً عن سبعين سنة، وانتهت إليه رئاسة القراءة بالمدينة.
 
قال ابن مجاهد: "وكان الإمام الذي قام بالقراءة بعد التابعين بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم نافع، قال: وكان عالماً بوجوه القراءات متبعاً لآثار الأئمة الماضين ببلده، وقال مالك بن أنس: قراءة أهل المدينة سُنَّة، قيل له: قراءة نافع؟ قال: نعم.
 
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي: أي القراءة أحب إليك؟ قال: قراءة أهل المدينة، قلت: فإن لم يكن، قال: قراءة عاصم.
   
قال أبو قرة موسى بن طارق: سمعته يقول: قرأتُ على سبعين من التابعين.
 
وقال أبو عبيد: وإلى نافع صارت قراءة أهل المدينة، وبها تمسكوا إلى اليوم.
 
وقال قالون: كان نافع من أطهر الناس خلقاً، ومن أحسن الناس قراءة، وكان زاهداً جواداً صلى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ستين سنة.
 
وقال مالك لمن سأله عن البسملة: سلوا عن كل علم أهله، ونافع إمام الناس في القراءة.
 
وروي عن الليث بن سعد أنه قدم المدينة سنة ثلاث عشرة ومئة، فوجد نافعاً إمام الناس في القراءة لا ينازع.
 
قال رجل ممن قرأ على نافع: إن نافعًا كان إذا تكلم يُشمّ من فِيه رائحة المسك، فقلت له: يا أبا عبد الله! أو يا أبا رويم! تتطيب كلما قعدت تُقرئ الناس؟ قال: ما أمس طيباً ولا أقرب طيباً، ولكني رأيت في ما يرى النائم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في فيّ، فمن ذلك الوقت أشمّ من فيّ هذه الرائحة، وقال المسيبي: قيل لنافع: ما أصبح وجهك وأحسن خلقك؟ قال: فكيف لا أكون كذلك، وقد صافحني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه قرأت القرآن. توفي سنة تسع وستين ومئة، وقيل غير ذلك، فرحمه الله تعالى. 
 
ولنافع راويان: 
 
الأول: عثمان بن سعيد الملقب بـ (ورش)، أبو سعيد المصري المقرئ، ونافع هو الذي لقبه بـ (ورش) لشدة بياضه، والورش شيء يصنع من اللبن، كان إلى السمن أقرب منه إلى النحافة، قيل: إن نافعاً لقبه بالورشان؛ لأنه كان على قصره يلبس ثياباً قصاراً، وكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه، فكان نافع يقول: هات يا ورشان! واقرأ يا ورشان! وأين الورشان؟ ثم خفف، فقيل: ورش، والورشان طائر معروف. قرأ القرآن وجوده على نافع عدة ختمات في حدود سنة خمس وخمسين ومئة. اشتغل بالقرآن والعربية ومهر فيهما. وصفه ابن الجزري بأنه: "شيخ القراء المحققين، وإمام أهل الأداء المرتلين، إليه انتهت رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه". قرأ عليه أحمد بن صالح الحافظ، وداود بن أبي طيبة، وأبو يعقوب الأزرق، وآخرون.
 
قال ورش: خرجت من مصر لأقرأ على نافع، فلما وصلت إلى المدينة، صرت إلى مسجد نافع، فإذا هو لا يطاق القراءة عليه من كثرتهم، وإنما يقرئ ثلاثين. فجلست خلف الحلقة، وقلت لإنسان: من أكبر الناس عند نافع؟ فقال لي: كبير الجعفريين، فقلت: فكيف به؟ قال: أنا أجيء معك إلى منزله. وجئنا إلى منزله، فخرج شيخ فقلت: أنا من مصر، جئت لأقرأ على نافع، فلم أصل إليه، وأُخبرت أنك من أصدق الناس له، وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه، فقال: نعم وكرامة. وأخذ طيلسانه ومضى معنا إلى نافع، فقال له الجعفري: هذا وسيلتي إليك، جاء من مصر ليس معه تجارة، ولا جاء لحج، إنما جاء للقراءة خاصة. فقال: ترى ما ألقى من أبناء المهاجرين والأنصار، فقال صديقه: تحتال له، فقال لي نافع: أيمكنك، أن تبيت في المسجد؟ قلت: نعم، فبت في المسجد، فلما أن كان الفجر جاء نافع، فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: ها أنا رحمك الله، قال: أنت أولى بالقراءة، قال: وكنت مع ذلك حسن الصوت، مداداً به، فاستفتحت فملأ صوتي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأت ثلاثين، آية فأشار بيده أن اسكت فسكت، فقام إليه شاب من الحلقة، فقال: يا معلم! أعزك الله، نحن معك، وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك، فكانوا يهبون لي أسباقهم، حتى كنت أقرأ عليه كل يوم سبعاً، وختمت في سبعة أيام، فلم أزل كذلك حتى ختمت عليه أربع ختمات في شهر وخرجت. كان جيد القراءة حسن الصوت، إذا قرأ يهمز ويمد ويشدد ويبين الإعراب، لا يمله سامعه. توفي بمصر سنة سبع وتسعين ومئة.
 
الثاني: عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى الزرقي، أبو موسى، مولى بني زهرة. أصله من الروم، كان جد جده عبد الله من سبي الروم. قارئ أهل المدينة في زمانه ونحويهم. قيل: إنه كان ربيب نافع، وهو الذي لقبه قالون لجودة قراءته، وهي لفظة رومية معناها جيد، لم يزل يقرأ على نافع حتى مهر وحذق. أخذ القراءة عرضاً عن نافع قراءة نافع وقراءة أبي جعفر، روى القراءة عنه إبراهيم وأحمد ابناه وإبراهيم بن الحسين الكسائي. كان أصم شديد الصمم، وكان يُقْرَأ عليه القرآن، وينظر إلى شفتي القارئ، ويرد عليه اللحن والخطأ. توفي سنة عشرين ومئتين.

 

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة