الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مقاصد النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها

مقاصد النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها
649 0 34

 من الأحكام التي وردت في السنة النبوية على جهة الاستقلال النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في الزواج، كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع بين ‌المرأة ‌وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" فيحرم الجمع بين المرأة وعمتها وإن علت، وكذا بين المرأة وخالتها وإن علت، قَالَ ابن شهاب: لا يجمع بين المرأة وخالة أمها، ولا بينها وبين خالة أبيها، ولا بين المرأة وعمة أبيها، ولا بينها وعمة أمها.

مقصد منع القطيعة بين الأرحام:
هذا المقصد هو الظاهر الذي نص عليه العلماء، ويدل عليه ما أخرجه الطبراني من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم»، وما رواه أبو داود في مراسيله عن عيسى بن طلحة قال: «نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة ‌القطيعة» قال الألوسي في روح المعاني: فإن العمة والخالة بمنزلة الأم.
 
وذلك أن الضرة مأخوذة من المضارة، فإذا حصل هذا بين قرابات يجب الصلة بينهما كبنت الأخت وخالتها، وبنت الأخ وعمتها، حصلت قطيعة محرمة، فإن الصلة بينهما واجبة، لأجل ذلك حرمت السنة النبوية الجمع بينهما، ولم يحرمها بين سائر القرابات.

الجمع بين القرابات عموما لا يحرم:
حاول بعض العلماء طرد هذه العلة على سائر القرابات، فمنعوا الجمع بين المرأة وقراباتها عموما، كبنت العم وبنت الخال، وهكذا، فقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة من مرسل عيسى بن طلحة: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُنكح المرأة على قرابتها مخافة ‌القطيعة". وأخرج الخلال من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن أبي بكر وعمر وعثمان، أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافةَ الضغائن، وقد نُقل العمل بذلك عن ابن أبي ليلى وعن زفر أيضا، ولكن انعقد الإجماع على خلافه. وقاله ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما.

أثر التعليل بمقصد الصلة بين الأرحام:
وهذا الحكم الشرعي المجمع عليه بين أهل العلم يؤكد على مقصد عظيم وهو الصلة ودوام الروابط بين الأرحام، ومع أنه لم يرد في القرآن ذكره، واستقلت به السنة، ولكن النصوص الدالة على مقصده كثيرة ومتوافرة، فقد جاءت نصوص لا تقع تحت الحصر للأمر بالصلة والحث على كل سبب موصل إليها، والنهي عن القطيعة والزجر عن كل سبب موصل إليها، فهو مقصد يتصف بالقطعية والثبوت والاطراد.
ودراسة هذا الحديث بمقصده يربي في النفس تعظيم حق القرابة، وضرورة الحفاظ عليه، وترك كل ما ينقصه أو يتلفه مهما ظن أنه مصلحة أو منفعة.
 
مقاصد أخرى:
ومن المقاصد التي يعلل بها بعض الشراح هذا الحكم: أن الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها يؤدي إلى تحريم الزواج بمن يحل الزواج بها في الأصل، فالرجل يحل له الزواج ببنت عمته وبنت خالته، ولكنه يصبح حراما بسبب هذا الجمع؛ لأنهم أصبحوا إخوة وأخوات.
ولما كان استقرار الزواج وديمومته أحد مقاصد النكاح منع من مثل هذا الزواج الذي لا يمكن أن يبقى طويلا، فنار القطيعة ستأتي على هذا الزواج بأسرع وقت.
إضافة إلى أن الشريعة جاءت بسد ذرائع الفساد وتوريث الأحقاد للأبناء، وبمثل هذا الزواج الذي لا يراعي حقوق الأرحام ستظل القطيعة بين أبنائهم الذين هم أخوة في واقع الحال، فحسمت الشريعة باب التسلسل في القطيعة بين الأرحام.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة