الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تطييب النفوس في السنة النبوية

تطييب النفوس في السنة النبوية

 تطييب النفوس في السنة النبوية

الإنسان خلقه الله مركبا من جسد وروح، وكرم الله هذا المخلوق بكل ما يتركب منه، فكما يأمر الإسلام بتكريم جسده، كذلك يأمر باحترام مشاعره ووجدانه، وكما يحرم الاعتداء على بدنه، كذلك يحرم التعدي على تكوينه المعنوي المتمثل بالروح والوجدان، ولذلك تطالعنا السنة النبوية بمواقف التكريم النبوي لهذا الإنسان في مجال الخواطر والمشاعر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الحق مع تطييب النفوس، وجبر الخواطر.

الموقف الأول:
في صحيح البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة تبعته ابنة حمزة، تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها، وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» وقال لعلي: «أنت مني وأنا منك» وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، وقال علي: ألا تتزوج بنت حمزة؟ قال: «إنها ابنة أخي من الرضاعة».

قال ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام: والذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الجماعة من الكلام المطيب لقلوبهم: من حسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم.
فانظر إلى هذا الخلق العظيم حين قضى بالحضانة لخالتها لأحدهم جبر قلوب البقية بكلمات هي أحب إلى قلوبهم من أن يقضى له، فكم هي سعادتهم بتلك الكلمات الجابرة، والكلمة الطيبة أحب إلى النفس من إحراز قضية، أو حصول على مكتسب مادي مهما غلا ثمنه، فتلك الأوسمة التي قلدهم إياها لا تقدر بثمن.
الموقف الثاني:
في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت».

قال النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض معناه: أني لم أستأثر من مال الله تعالى شيئا دونكم، وقاله تطييبا لقلوبهم حين فاضل في العطاء فقال الله هو الذي يعطيكم لا أنا وإنما أنا قاسم فمن قسمت له شيئا فذلك نصيبه قليلا كان أو كثيرا.
الموقف الثالث:
في صحيح مسلم عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح، قال: «قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم»، قال: وذلك في رمضان.

قال النووي في شرح مسلم: وفيه أن الإمام وكبير القوم إذا فعل شيئا خلاف ما يتوقعه أتباعه وكان له فيه عذر يذكره لهم تطييباً لقلوبهم، وإصلاحا لذات البين؛ لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السوء والله أعلم.
الموقف الرابع:
في صحيح مسلم عن قتادة، يقول: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بالقاحة، فمنا المحرم ومنا غير المحرم، إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئا، فنظرت فإذا حمار وحش، فأسرجت فرسي وأخذت رمحي، ثم ركبت فسقط مني سوطي، فقلت لأصحابي: وكانوا محرمين: ناولوني السوط، فقالوا: والله، لا نعينك عليه بشيء، فنزلت فتناولته، ثم ركبت، فأدركت الحمار من خلفه وهو وراء أكمة، فطعنته برمحي فعقرته، فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوه، وقال بعضهم: لا تأكلوه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمامنا فحركت فرسي فأدركته فقال: «هو حلال، فكلوه». وفي رواية عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء، أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم»
قال النووي في شرحه على مسلم: وفيه أنه يستحب لمن امتنع من قبول هدية ونحوها لعذر أن يعتذر بذلك إلى المهدي تطييبا لقلبه.
وقال ابن بطال في شرحه على البخاري: وفيه الاعتذار إلى الصديق، وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من الوحشة وسوء الظن.
الموقف الخامس:
ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كانت بسرف حاضت، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أهلي بالحج»، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال: «قد حللتِ من حجِّكِ وعمرتك»، قالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال فأعمرها من التنعيم.

قال ابن حجر في الفتح: وإنما أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة.
الموقف السادس:
في صحيح البخاري عن عائشة، قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يهل بعمرة فليهلل، فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة».
وفي بعض الروايات التصريح بأن ذلك التوجيه شق على الصحابة، فهم ففي مسند الإمام الشافعي عن جابر قال: أهللنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فما ندري أشئ بلغه من السماء أم شئ من قبل الناس فقال: «أيها الناس أحلوا فلولا الهدي الذي معي فعلت كما فعلتم» فأحللنا. وفي رواية في المسند أيضا: «افعلوا ما آمركم به فإني لولا أني سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم».
قال العيني في عمدة القاري: قال هذا الكلام تطييبا لقلوب أصحابه، لأن نفوسهم كانت لا تسمح بفسخ الحج. قال النووي في شرح مسلم: هذا مما يحتج به من يقول بتفضيل التمتع.

وقد كان لا يسعهم إلا امتثال الأمر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم طيب نفوسهم بهذه الكلمات، وتمنى أن يكون مثلهم لولا أنه قد ساق الهدي، وهذا أعانهم على الامتثال الفوري، حيث أحلوا جميعا بعد سماعهم هذه الكلمات التي نزلت على قلوبهم بالسكينة والتسليم.

الموقف السابع:
في صحيح مسلم عن عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خميصة لها علم، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم وأخذ كساء له أنبجانيا».
الخميصة: كساء مربع من صوف عليه خطوط، والكساء الأنبجاني: كساء غليظ لا علم فيه، منسوب إلى منبج المدينة الشامية المعروفة.
قال ابن رجب في فتح الباري: وإنما خص بها أبا جهم بن حذيفة؛ لأنه كان أهداها إلى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فردها إليه، وطلب منه عوضا عنها كساء له غليظا؛ تطييبا لقلبه، حتى لا يحصل له انكسار برد هديته عليه، ولذلك أعلمه بسبب الرد.
الموقف الثامن:
في الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف، أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال: مثلها، قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: «كلاكما قتله» ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء.

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال أصحابنا: اشترك هذان الرجلان في جراحته لكن معاذ بن عمرو بن الجموح ثخنه أولا فاستحق السلب، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلا كما قتله"؛ تطييبا لقلب الآخر من حيث إن له مشاركة في قتله، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الإثخان وإخراجه عن كونه متمنعا إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح، فلهذا قضى له بالسلب.
ومن تتبع السنة النبوية اجتمع لديه أكثر من هذا مما يشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يولي النفوس رعاية خاصة، ويراعي ما جبلت عليه من الانكسار والضعف، وكان يتخير الكلمات التي تجبر الكسر، وتبعث الأمل، وتنشر المحبة والسلام، وتعوض النقص، وتطمئن النفوس، وتبعث الهمم.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة