الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العلم يهتف بالعمل

العلم يهتف بالعمل

العلم يهتف بالعمل

في معرض الإحسان على عباده والامتنان عليهم يقول سبحانه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [الجمعة:2].
(فالتزكية شيء زائد عن العلم؛ إذ العلم يعطي القواعد والبيان لكل شيء، فالتزكية تطبيق لهذا العلم على النفس البشرية وأمراضها وأغراضها، ومعرفة التطبيب وطرقه، ومعرفة بالكمال، وكيفية النقل إليه، وأدوات ذلك فراسة خاصة بكل نفس؛ لنقلها من حال إلى حال، وهذا شيء للكسب فيه نصيب، ولكن عطاء الله هو الأساس). [سعيد حوى: الأساس في التفسير].

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنموذجًا حيًّا للأخلاق الرفيعة، وسيرةً تمشي على الأرض، تجسدت فيها معاني الرحمة، والرفق، والعدل، والتواضع. فكلّ كلمة نطق بها، وكلّ فعلٍ صدر عنه، كان ترجمةً ناطقة لما أنزله الله من هدى ونور. وكيف لا يكون كذلك، وقد بعثه ربّه رحمةً للعالمين؟ وكيف لا، وقد زكّاه خالقه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]؟

تشهد له زوجه الطاهرة خديجة، وهي أعلم الناس بخُلُقه في الخفاء قبل العلن، فتقول مُطَمْئِنةً قلبَه ومُصدقة فعله: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق" (رواه البخاري).

وكان صلى الله عليه وسلم – كما وصفه أصحابه – أشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسن الناس، ومع ذلك لا يرى في نفسه مقامًا يرفعه على أحد، بل كان يتواضع لله، ويُعلّم أمته ذلك، ويقول: (ما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) (رواه مسلم). ويقول: (إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) (رواه مسلم).

التزكية المقصد الأول:
تلك هي التزكية، السرُّ الأعظم، والمقصد الأول من بعثة خير الورى صلى الله عليه وسلم، أساسها العلم والتأسي برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، والعمل بهذا العلم، والاجتهاد في تطهير النفس من آفاتها.
فالعلم دون تزكية كهِلال لا يكتمل، بل قد يكون شؤمًا على صاحبه، إن لم يسلك به طريق الورع والخوف والتهذيب.
قال الحسن البصري رحمه الله كلامًا يشبه الأشعة التي تخترق العتمة:
"العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله عز وجل على ابن آدم". [رواه الدارمي].

تأمل هذا الفارق؛ علم يعلو فوق الألسن والكراريس، لا يكسر شهوة، ولا يزجر هوى، ولا يحمل صاحبه على طاعة..
وعلم يتغلغل في القلب، يثمر خشية، ويورث خضوعًا، وينبت عملًا، فإذا ذُكر الله اقشعر الجلد، وإذا دعي إلى الحق سارع وسبق.

كم من امرئٍ حفظ المتون، وتفيأ ظلال الدروس، وسال قلمه بمباحث الأصول، لكن لا يرى الناس أثرا لهذا العلم في عمله وورعه وتقواه، إنه في الميزان لا يُساوي شيئا. وكم من قارئٍ للقرآن لا يجاوز حنجرته، لأنه لم يخالط قلبه!

حين يكون العلم وبالًا
إن من أعظم مظاهر الخذلان، أن يُرفع العبد بالعلم ثم ينقلب على وجهه.
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل يُجرّ إلى النار وأمعاؤه تتدلى، لأنه كان يقول ولا يفعل، وينهى ويفعل: (كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) [البخاري ومسلم].
ما أفظعها من صورة!
عالمٌ يُعرّى في عرصات القيامة، ويُفضح على رؤوس الأشهاد؛ لأنه خان العلم ولم يزكّ نفسه!.

لماذا لا يُثمر علم بعض الناس؟
العلم إن لم يتحول إلى حالٍ قلبيّ وسلوكٍ عملي، فهو كزهرة بلا رائحة.
قال الحسن البصري رحمه الله: (كان الرجل إذا طلب العلم، لم يلبث أن يُرى أثره في تخشعه، وبصره، ولسانه، ويده، وصلاته، وحديثه، وزهده).
إن هؤلاء تخلفوا عن العمل وتزكية النفوس بهذا العلم لأنهم جعلوه سلعةً للجدال، لا زادًا للسفر إلى الله.
قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:3].
وقال لقوم خالفت أفعالهم أقوالهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}[البقرة:44]. ولا شك أن الذم والتقريع والتبكيت هنا ليس واقعا على الأمر بالبر، وإنما على أمر الناس وترك العمل به، ووعظ الناس دون النفس.
إن هؤلاء يصدق عليهم قول القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما .. .. والماء فوق ظهورها محمول

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل إنسان سيُسأل عن علمه وماذا عمل فيه، فقال: (لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يثسألَ عن أربع: عن عُمرِهِ فيما أفناهُ، وعن عِلمِهِ ما عمل به، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيما أنفقَهُ، وعن شبابه فيما أبلاهُ)[الترمذي].

قال الخطيب البغدادي - رحمه الله -: (وليس يُعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، والعلم يراد للعمل كما يراد العمل للنجاة، فإن كان العمل قاصراً عن العلم كان العلم كَلًّا على العالم، ونعوذ بالله من علمٍ عاد كَلًّا، وأورث ذلا، وصار في رقبة صاحبه غُلا).

وقد نعى ابن الجوزي - رحمه الله - على أولئك الذين لا يعملون بعلومهم، فهو يرى أن المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به، ففاته لذات الدنيا، وخيرات الآخرة، فقدم مفلساً مع قوة حجة الله عليه.

ومن أسباب تخلف ثمرة العلم عند بعض الناس:
▪ أنهم فاتهم سرُّ المجاهدة.
النفس لا تُهذَّب بالكلام، وإنما تُروَّض بالمجاهدة.
فالتزكية ليست حكاية تُروى، بل مجاهدة ومصابرة، قال الله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].
▪ أن القلب ممتلئ بالرياء وحب الظهور، فأنّى له أن يثمر؟
قيل لسهل التستري: "ما علامة العلم النافع؟ قال: الخشية".

إذا فُتح للعبد باب العلم، وأُغلق عنه باب الإخلاص والعمل والتواضع فأصبح لا يرى إلا نفسه، ولا يسمع إلا صدى صوته، فماذا عساه يجني إلا الحسرة والندامة عندما يكون أول من تُسعَّر به النار يوم القيامة!.
وانظر إلى دعاء المصطفى -صلى الله عليه وسلم- الذي نقله زيد بن أرقم - رضي الله عنه - فقال: لا أقول لكم إلا كما كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول، كان يقول: (اللهم إني أعوذُ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرَم، وعذاب القبر، اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك مِن علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها) [مسلم].

هل من طريق؟
نعم، ثمّة طريق، لكنه لا يُفرش بالورود، بل بالمجاهدة، ومحاسبة النفس، وتزكية القلب بذكر الله، وسقيه بماء الخشية والندم.
إنها التزكية يا صاحبي.. {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9–10].

لا تنخدع بسعة علمك، ولا بزيادة الكتب في مكتبتك، ولا بمداد مقالاتك، ولا بشهرتك، ما لم تر زيادة في عملك؛ فإنّ الله ينظر إلى القلوب، لا إلى الرفوف.
والتقيّ حقًا، هو من سقا علمه بخشوع، وسجدته بصدق، ولسانه بذكر، وعينه بدمع، ويده بخير.
فإن رأيتَ علمك لا ينهى نفسك عن هواها، ولا يورثك خشية إذا خلوت.. فابكِ على نفسك، وخذ بأسباب صلاح قلبك.
{إنما يتقبل الله من المتقين}.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة