في كثير من المجتمعات تُقاس نهضتها بما يُشَيّد من مبانٍ، وما يحقق من إنجازات اقتصادية، لكن يوجد مقياس آخر أكثر عمقًا، لا تُظهره الإحصاءات ولا تلتقطه الأرقام، وهو مقدار الرحمة التي تسري بين أفراد المجتمع. فالمجتمع الذي يعتاد أفراده أن يمدوا أيديهم بالعطاء لا يخففون حاجة الفقراء فحسب، بل يبنون جسور الثقة، ويزرعون الأمل، ويصنعون مجتمعًا أكثر أمنًا وتماسكًا.
ومن هنا لم يكن العمل الخيري في الإسلام نشاطًا موسميًا، ولا استجابة عاطفية لطارئ، بل كان جزءًا أصيلًا من رسالة هذا الدين، ووسيلةً لإحياء الإنسان قبل أن يكون وسيلةً لإغاثته.
لقد جاء الإسلام ليحوِّل الإحسان من تصرف فردي محدود إلى ثقافة حياة. فلم يحصر الخير في الأغنياء، ولا في أصحاب المؤسسات، بل فتح أبوابه لكل قادر، وجعل ميادينه أوسع من المال؛ فالكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وإعانة المحتاج صدقة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ سُلامى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقةٌ كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ فيه الشَّمسُ؛ يَعدِلُ بينَ الاثنَينِ صَدَقةٌ، ويُعينُ الرَّجُلَ على دابَّتِه فيَحمِلُ عليها، أو يَرفَعُ عليها مَتاعَه: صَدَقةٌ، والكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدَقةٌ، وكُلُّ خُطوةٍ يَخطوها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، ويُميطُ الأذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقةٌ". [البخاري]. وانظر كيف عدَّ من وجوه الصدقة الإصلاح بين الناس، وإعانة الرجل في دابته، والكلمة الطيبة، وإماطة الأذى عن الطريق.
وقد بين القرآن فضل الإنفاق في وجوه الخير، فقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، فجعل حقيقة البر مرتبطة ببذل ما تعلقت به النفس، لا بما زهدت فيه. وقال سبحانه: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، فبلغ بالإحسان قمته .
ومن يتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن العمل الخيري لم يكن هامشًا في حياته، فقد وصفت أم المؤمنين خديجة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب القلب الكبير الذي وسع الناس برحمته وعطائه، أشبع الجائع، وآوى الضائع، وأعطى المحروم، ونصر المظلوم، ومسح رأس اليتيم، وواسى المبتلى السقيم، وذلك حين قالت له "أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق."
وقد وصفت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر خلقه بقولها: "كان يكون في مهنة أهله". [البخاري]، وكان أجود الناس، كما قال عبد الله بن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان...). ولم يكن جوده مقتصرًا على المال، بل شمل وقته، وجهده، وشفاعته، وتعليمه، ورحمته، حتى صار العطاء جزءًا من شخصيته، لا عملًا يؤديه في مناسبات محددة.
ثم جاءت تربية القرآن لتؤكد أن قيمة العمل الخيري لا تقاس بكثرته وحدها، وإنما بإخلاصه وصيانة كرامة المستفيد منه. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]. فرب صدقة عظيمة في ميزان الناس، ضئيلة في ميزان الله، لأنها جرحت قلب فقير، أو طلبت ثناء الناس، أو تحولت إلى وسيلة للاستعلاء. ولهذا كان السلف يخفون صدقاتهم، ويجتهدون أن يصل المعروف إلى صاحبه من غير أن يشعر بمنة أو امتهان.
ولم يقتصر مفهوم العمل الخيري في الإسلام على معالجة الحاجة الآنية، بل تجاوز ذلك إلى صناعة الاكتفاء وبناء الإنسان. فالوقف الإسلامي عبر القرون نموذج فريد في هذا الباب؛ فقد أُوقفت الأراضي، والدور، والآبار، والمدارس، والمستشفيات، والمكتبات، لتبقى منافعها جارية للأجيال. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له". [مسلم]. ولذلك كان الوقف أحد أعظم أسباب ازدهار الحضارة الإسلامية، لأنه نقل العمل الخيري من ردِّ الفعل إلى التخطيط للمستقبل.
ولعل من أجمل ما يميز التصور الإسلامي أنه وسَّع دائرة الإحسان حتى شملت كل مخلوق. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا غفر الله له لأنه سقى كلبًا يلهث من العطش، متفق عليه، وأخبر أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، متفق عليه. فإذا كانت الرحمة بالحيوان سببًا للمغفرة أو للعقوبة، فما بالك بالإحسان إلى الإنسان، وتفريج كربه، وإطعام جائعه، وتعليم جاهله، ورعاية يتيمه؟
ومن الخطأ أن يظن بعض الناس أن العمل الخيري مقصور على أصحاب الثروات؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة". [مسلم]. وهكذا لا يُحرم أحدٌ من باب من أبواب الخير؛ فالمعلم الذي يبذل علما، والطبيب الذي يخفف ألمًا، والموظف الذي يقضي حاجة مراجع بإخلاص، والشاب الذي يتطوع بوقته، والجار الذي يواسي جاره، كل أولئك يمارسون عملًا خيريًا إذا صحت نياتهم وابتغوا وجه الله.
ومع تطور الحياة واتساع احتياجات الناس، اتسعت مجالات الخير أيضًا. فدعم المشروعات التعليمية، ورعاية ذوي الإعاقة، وكفالة الأيتام، وتمويل الأبحاث النافعة، والإسهام في علاج المرضى، ورعاية كبار السن، والإصلاح بين الناس، والعناية بالبيئة، وبناء المنصات التي تنشر العلم الصحيح؛ كلها صور معاصرة تحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والمجتمع. والمهم أن يبقى العمل الخيري منضبطًا بالعلم والحكمة، فيُقدَّم لمستحقيه، ويُدار بأمانة وشفافية، ويبتعد عن الرياء، أو استغلال حاجات الناس لمصالح شخصية أو دعائية.
وإذا كان الفقير ينتفع بالعطاء، فإن المعطي هو الآخر أول المنتفعين به؛ لأن الصدقة تطهر القلب من الشح، وتربي النفس على البذل، وتغرس فيها الثقة بوعد الله. قال سبحانه: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال". [مسلم]. وهي وعود لا تقف عند زيادة المال، بل تشمل البركة، وسعة الصدر، ومحبة الناس، وعظيم الأجر عند الله.
إن العالم اليوم، على كثرة مؤسساته الإنسانية، ما يزال في حاجة إلى إحياء روح العطاء قبل توسيع برامجه؛ لأن المال وحده لا يصنع مجتمعًا متراحمًا، وإنما تصنعه القلوب التي تعلمت أن ترى في حاجة الآخرين مسؤوليتها، لا عبئًا عليها. وهذا ما غرسه الإسلام في نفوس أتباعه منذ اليوم الأول؛ إذ جعل المؤمن كالغيث، أينما وقع نفع، وكالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما في الحديث الصحيح.
ويبقى العمل الخيري في الإسلام أكثر من مشروع اجتماعي، أو نشاط تطوعي، أو حملة موسمية؛ إنه ترجمة عملية لمعنى العبودية، ودليل على حياة القلب، وشكر لله على نعمه. فحين يمد المسلم يده بالعطاء، لا يملأ يد فقير فحسب، بل يملأ فراغًا في المجتمع، ويزرع بذرة أمل في نفس منكوبة، ويكتب لنفسه أثرًا يبقى بعد رحيله. وما أحوج الأمة إلى رجال ونساء يدركون أن أعمارهم لا تقاس بعدد ما جمعوا، وإنما بعدد القلوب التي أحيوها، والدموع التي مسحوها، وأبواب الخير التي فتحوها .
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

