الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

آليات الاقتصاد الإسلامي لحل مشكلة الإسكان

  آليات الاقتصاد الإسلامي لحل مشكلة الإسكان
  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:29/12/2002
  • التصنيف:اقتصاد ومال
  •  
2316 0 481

لما كان المسكن ضرورة وفطرة كرّم الله بها الإنسان دون سائر خلقه ليستأثر بخصوصياته عن غيره، فإن الشريعة الإسلامية قد حرصت على أن يكون المسكن مهوى للنفس وملاذًا للبدن ومراحًا لعلاقات المودة التي تربط بين أفراده، يلزم فيه أن يكون واسعا ليشمل الجوانب النفسية والمادية، ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "من سعادة المرء المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنيء" (رواه عبد بن حميد والبيهقي).
وتعد مشكلة الإسكان من أبرز وأهم القضايا التي باتت تؤرق بال الكثيرين، خاصة في دول العالم الثالث .. ففي مصر على سبيل المثال، ذكرت آخر إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن هناك ما يقرب من 6.5ملايين شاب تعدى عمرهم الـ35 عامًا ولم يتزوجوا حتى الآن بسبب وجود معوقات مادية تمنع زواجهم، وتأتي مشكلة عدم توفر المسكن على رأس هذه المعوقات.
يذكر أن قوانين الإسكان التي صدرت في مصر في الستينيات من القرن الماضي -ومازال معمولا بها حتى الآن -تسببت في فقدان الثقة بين الملاك والمستأجرين، وكانت وراء إغلاق ما يقرب من مليوني شقة، فضل الملاك أن تظل مغلقة لأبنائهم لكي يتزوجوا فيها عند بلوغهم سن الزواج، بدلا من تأجيرها وفقدانها إلى الأبد بحكم القانون المتعنت، ورغم أن الدولة تحاول أن تحل المشكلة ببناء مدن جديدة في الصحراء القريبة من العمران، إلا أن المشكلة أكبر من أن تحل بمجهود الدولة الفردي، فلابد من مساهمة المجتمع ومشاركته في حل هذه المشكلة.
ويرى الدكتور السيد محمد مرجان المدرس بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر أن هناك مسؤولية تقع على المجتمع أفرادا وجماعات، كما تقع أيضا على الدولة، في توفير السكن الملائم لكل مواطن، وهو ما لخصه الإمام ابن حزم بقوله: "وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يسترهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة".
ويضيف الدكتور مرجان أن الدولة ملتزمة بأن توفر الحاجات إلى حد الكفاية الوسيطة، أي إلى حد إشباع حاجات أوساط الناس، لما في ذلك من تحقيق لمقاصد الشريعة من إشباع الضرورات، وقد أجاز الفقهاء أخذ الدين والقرض من مال الزكاة لبناء المساكن، تأسيسا على أن السكن أو المبنى من الحاجات الأساسية التي تؤمنها الزكاة للإنسان إذا كان غير قادر على تأمينها، وهو ما تعمل به بعض الدول الإسلامية الآن ، ومنها مصر التي تقوم بمنح الأفراد قروضا قصيرة أو طويلة الأجل، وأصدرت قانون التمويل العقاري بهدف المساهمة في حل أزمة إسكان ذوي الدخل المنخفض وتمويلها، وهو ما كفلته الشريعة الإسلامية من قديم الزمان بآليات التمويل الإسلامية.

الآليات التمويلية الإسلامية لتنشيط السوق العقاري
وفى دراسة للدكتور محمد عبد الحليم عمر أستاذ المحاسبة بكلية التجارة جامعة الأزهر تحت عنوان (الآليات التمويلية الإسلامية لتنشيط السوق العقاري) يلخص فيها هذه الآليات في خمس نقاط هي:
أولاً: التمويل عن طريق بيع المرابحة بالتقسيط، وهو أحد صور البيع الجائزة شرعا لأنها تدخل في عموم قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرّم الربا)، ومفهوم بيع المرابحة يتحدد في بيع شيء بثمن شرائه وزيادة ربح معلوم يتفق عليه الطرفان، ويمكن أن يتم سداد ثمن البيع بالأجل على أقساط بثمن أعلى من ثمن البيع النقدي، ويتم وفق الآتي:
1- تقوم المؤسسة التمويلية بشراء العقار أو الوحدة السكنية نقدا أو بالآجل من صاحبها (شركة عقارية مثلا) إما بناء على طلب من محتاج الوحدة أو دون طلب مسبق.
2- يتم إبرام عقد بيع الوحدة مع طالب السكن بثمن شراء المؤسسة التمويلية لها وزيادة هامش ربح معلوم وما يقابل الأجل، على أن يسدد جزء من ثمن البيع مقدما والباقي يسدد على أقساط طويلة الأجل.
3- للمؤسسة التمويلية حق المطالبة بضمانات لسداد الأقساط، ويجوز شرعا طبقا للمذهب المالكي رهن الوحدة السكنية المبيعة.
يذكر أن البنوك الإسلامية منذ أن نشأت وهي تطبق بيع المرابحة بنجاح في توفير العديد من السلع ومن بينها المساكن، كما أنه صدر معيار محاسبي لبيع المرابحة عن هيئة المحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية.

ثانيا: التمويل عن طريق عقد الاستصناع والاستصناع الموازي :وهو من العقود المسماة في الفقه الحنفي، ويدخل ضمن عقد السَّلَم لدى جمهور الفقهاء، وصورته أن يطلب شخص من آخر صناعة شيء معين مثل بناء عقار بمواصفات معينة، وتكون موارد الصنع والعمل من عند الصانع، ويجوز فيه تأخير دفع الثمن، ومعنى الاستصناع الموازي أن يتفق من طلب منه الصناعة مع صانع آخر لينفذ العقد مقابل ثمن أقل من الثمن الأول، ويكسب الفرق، فمثلا لو أن شخصا لديه قطعة أرض، ويريد إقامة مبنى عليها، واتفق مع مقاول لبنائها مثلا بمبلغ مليون جنيه، ولكن ليس لديه تمويل، يتقدم هذا الشخص إلى مؤسسة مالية بطلب ِلإقامة المبنى بموجب عقد استصناع، وتتفق المؤسسة المالية مع المقاول في عقد استصناع مواز لإقامة المبنى بالمبلغ المحدد، وهو مليون جنية أو أقل منه حسب المساومة التي تجريها مع مقاولين آخرين، ثم تقوم المؤسسة المالية بالاتفاق مع صاحب المبنى المطلوب إقامته على أن يسدد لها المبلغ على أقساط، ويراعى في تحديده تحقيق هامش ربح للمؤسسة إلى جانب الزيادة مقابل الأجل.
وقد تم استخدام عقد الاستصناع والاستصناع الموازي من قبل البنوك الإسلامية لإقامة العديد من المباني في دول الخليج، كما أن هيئة المحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية أصدرت معيارا محاسبيا للاستصناع والاستصناع الموازي حددت فيه الأسس المالية والمحاسبية لكيفية تنفيذ هذا العقد.

ثالثا: التمويل عن طريق الإجارة، ويوجد منها نوعان هما:
الإجارة التشغيلية أو الأصلية: وهي أن يستأجر مبنى للسكن مثلا مقابل أجرة محددة تدفع دوريا، وتقتصر علاقة المستأجر على الانتفاع بالمبنى الذي يظل ملكه للمؤجر، ويمكن أن يتم ذلك بأسلوبين:
الأول: أن تنشأ شركة عقارية يكون غرضها إنشاء المباني ثم تأجيرها لطالبي السكن مقابل أجرة شهرية.
الثاني: أن تصدر شركة استثمار سندات إجارة تجمع بموجبها مبالغ من المدخرين، ثم تنشئ بهذا المبلغ عدة مبان تقوم بتأجيرها، على أن يشارك حملة السندات في الحصول على قيمة الإيجار الدوري بحسب ما يحمله كل شخص من سندات بعد خصم مقابل إدارة العقار، ويمكن أن يتم تداول هذه السندات في السوق الثانوية.
الإجارة التمويلية أو الإجارة المنتهية بالتمليك: وهي التي يزيد فيها قسط الإيجار الدوري، واعتبار الزيادة جزءا أو قسطا من ثمن المبنى، حتى تنتهي مدة الإجارة بتملك المستأجر للمبنى، وتتم عن طريق قيام مؤسسة مالية بشراء أو إنشاء مبنى ثم تقوم بتأجيره للغير مقابل قسط إيجار دوري يحدد بحيث تسترد المؤسسة تكاليف الحصول على المبنى وهامش ربح وجزء من ثمن المبنى مع كل قسط إلى أن تنتهي مدة الإيجار، فتنتقل ملكية المبنى إلى المستأجر.
ولقد تم استخدام أسلوب الإجارة في السوق العقاري بأشكال عدة، فقام بيت التمويل الكويتي على سبيل المثال بإنشاء عدة شركات عقارية تشتري المباني وتؤجرها تأجيرا تشغيليا وامتد هذا النشاط إلى خارج دولة الكويت في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن جانب آخر، فإن قانون التأجير التمويلي المصري الذي صدر عام 1995م يتيح إمكانية استخدام التأجير التمويلي المنتهي بالتمليك، هذا فضلا عن استخدام هذا الأسلوب في السوق العقاري بدول الخليج.

رابعا: التمويل عن طريق المضاربة المخصصة: وهي من العقود الشرعية، وتعرف بأنها دفع مال لآخر ليعمل فيه، والربح بينهما على ما اتفقا، وصورتها أن يكون لدى بعض الناس فائض مدخرات ويريدون استثمارها ولكن لا تتوافر لديهم المقدرة أو الوقت أو الخبرة، فيدفعون أموالهم إلى شخص خبير ليستثمر هذه الأموال مقابل حصة من الربح، وكونها مضاربة مخصصة أي يحدد فيها نوع ومجال الاستثمار -وهو في مجالنا يتمثل في الاستثمار العقاري-.
ويمكن أن يتم استخدام المضاربة في تنشيط السوق العقاري من خلال قيام مؤسسة مالية أو استثمارية بالتخطيط لإنشاء مبنى أو عدة مبان، وبعد تحديد التكلفة اللازمة يقسم المبلغ إلى سندات أو وثائق تطرحها للاكتتاب العام لجمع هذه المبالغ، ثم تقوم بإنشاء المبنى وبيع وحداته بالتقسيط، ويوزع الربح على حملة السندات أو الصكوك على أن يتم استهلاك (استرداد قيمة) السندات من الأقساط المحصلة دوريا، وقد تم تنفيذ هذا الأسلوب فعلا بواسطة بنك فيصل الإسلامي في إنشاء عقارات بمصر وحقق نجاحا كبيرا.
خامسا: التمويل الخيري: بجانب عقود المعاوضات التي شرعها الإسلام، فإنه توجد عقود التبرعات القائمة على عمل الخير والإحسان إلى الناس لأن الله سبحانه وتعالى كما أمر بالعدل أمر بالإحسان في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، والعدل أن يحصل كل شخص في عقد معاوضة على حقه، أما الإحسان فيقوم على أن يعطي شخص لآخر مالا دون مقابل منه، وإنما يرجو من الله عز وجل الثواب.
ولقد شرع الإسلام آليات عديدة لعقود التبرعات أو الإحسان، منها ما هو واجب مثل الزكاة ونفقة الأقارب وحقوق الجيران، ومنها ما هو تطوعي مثل الوقف والصدقات التطوعية الأخرى، وفى هذا الإطار يمكن استخدام أسلوب الوقف الذي يمثل صدقة جارية يستمر ثوابها إلى ما بعد حياة الإنسان في توفير التمويل اللازم لمساكن المحتاجين من الفقراء والمساكين، خاصة وأن نسبة من لا يجدون السكن المناسب من سكان العشش والسكن المجازي والعشوائيات في تزايد.
ويمكن أن يتم ترتيب ذلك من خلال إنشاء صندوق وقف مخصص للإسكان يتم العمل به على الوجه التالي :
تتبنى إحدى المنظمات غير الحكومية مثل الجمعيات الخيرية الدعوة إلى إنشاء صندوق وقفي مخصص للإسكان وتتخذ الإجراءات اللازمة لذلك.
يتم إصدار سندات وقفية، قيمة السند الاسمية في حدود ما بين 2-20 دولار.
يتم طرح هذه السندات للاكتتاب العام عن طريق أحد البنوك، ويدعى المواطنون لشراء ما يقدرون عليه من السندات كل حسب إمكانياته، وهو بذلك يشارك في وقف يستمر ثوابه له ما استمر الانتفاع به.
يكون الصندوق مفتوحا ، بمعنى عدم تحديد حد أقصى لرأسماله، ففي البداية يحدد رأس مال الصندوق بـ 20 مليون دولار مثلا (تقسم إلى سندات) ثم يظل الباب مفتوحا حيث يتم إصدار ثان وثالث للسندات وهكذا.
بعدما يتم تجميع المال اللازم يتم إنشاء مساكن شعبية بها، ويمكن أن يتم تأجير هذه المساكن للمحتاجين بأجر رمزي، وفي ترتيب آخر يمكن أن تملك لهم، إما مجانا أو بثمن مدعوم في حدود 50%.

خصائص أساليب التمويل الإسلامي
وتشير الدراسة إلى أن هناك خصائص تميز آليات التمويل الإسلامية لتنشيط سوق العقارات تتمثل في:
- التعدد: حيث لا يقتصر الأمر على آلية واحدة مثل القائم الآن وهي القروض، ولكنها تتمثل في عدة آليات مما يتيح فرصة أكبر للاستخدام.
- التنوع: بما يناسب الحالات والجهات المختلفة سواء لتمويل المنتجين أو لتمويل طالبي السكن.
- مراعاة التوازن والعدالة في توزيع المنافع والمخاطر بين طرفي التمويل، بخلاف ما عليه أسلوب القرض الذي يحمل المقترض وحده جميع المخاطر ويجعل حصوله على المنافع احتماليا.
- العمل على تقليل درجة المخاطر بإقرار الضمانات المناسبة.
- ابتعادها عن الفوائد الربوية المحرمة شرعا
- أنه ثبت بالواقع والتجربة نجاح هذه الآليات في التمويل العقاري في العصر
الحاضر، حيث إن بعض البنوك الإسلامية في منطقة الخليج تطبق هذه الآليات بنجاح.
- توجه بعض الآليات إلى أسلوب ديمقراطية التمويل بالتوجه مباشرة نحو المدخرين بدلا من وساطة المؤسسات المالية بين طرفي العلاقة التمويلية.
- إمكانية إنشاء أدوات مالية بناء على بعض الآليات وقابلية هذه الأدوات للتداول في السوق الثانوية أو التسييل قبل حلول التصفية مما يوفر بضاعة جديدة في سوق الأوراق

مواد ذات صلة



تصويت

قالوا: إذا أردت أن تسقط حضارة أمة فعليك بهدم الأسرة والتعليم وإسقاط القدوات وتشويهها، فما هي بنظرك أكثر تلك الوسائل أثرا ؟

  • إهمال التعليم
  • التفكك الأسري
  • تشويه الرموز والقدوات
  • لا أدري