الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العمليات الاستشهادية ومأزق الشرعية

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:28/05/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
5808 0 367
إن من أهم المسائل التي تضاربت فيها الفتوى في الآونة الأخيرة "العمليات الاستشهادية " في فلسطين والتي تجاذبها موقفان . نستبعد بدايةً سوء النوايا أو الرضوخ لمطالب سياسية . خلاصة الموقف الأول – وهو موقف مفتي المملكة العربية السعودية – عدم جواز تلك العمليات بالنظر إلى أنها " إتلاف نفس" وهو محرم استنادًا إلى آية (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وكذلك ما ثبت من النهي عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان في الحروب .

وخلاصة الموقف الثاني : أن العمليات هذه "ليست "انتحارية" ؛ لأن المسلم يتسبب بقتل نفسه من أجل القيام بواجب شرعي وهو الجهاد في سبيل الله من أجل إيقاع "النكاية بالعدو" كما يعبر الفقهاء بالاستناد إلى قوله سبحانه : (تُرهِبون به عدو الله وعدوكم) ، وفي هذا يقول الفقيه محمد بن الحسن الشيباني    (   187 هـ) في كتابه "السِّيَر الكبير" : " إن رجلاً لو حمل على ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية .. فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ، ولكنه يجرّئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فيقتلون وينكون العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسًا أن يحمل عليهم .. " ، وهذا الموقف يمثله جمهور الفقهاء القدماء والمعاصرين [ انظر تفصيل الحكم الشرعي في : الجهاد والقتال في السياسة الشرعية د. هيكل ج2ص1399]

وملحوظ من كلام محمد بن الحسن أن ثمة دراسة للحالة وموازنة لسلبياتها وإيجابياتها وتقديراً لحجم المكاسب والمخاطر .

إن ما دفعني للكتابة ما قرأته في الحياة (16/5/2001) لأشرف عبد الفتاح عبد القادر لما وجدت فيه كثيرًا من التجاوزات والخروج عن المنهج العلمي في المناقشة، فالكاتب كان مسكونًا بهاجس "عظمة الإسلام" الذي " سبق القوانين الحديثة بأكثر من اثني عشر قرنًا " . و "سبق معاهدة جنيف بأربعة عشر قرنًا" في تقرير حرمة تلك العمليات على حد قوله .

إن الكاتب يقع في خلط واضح بين عدد من المفاهيم "كالانتحار" و "الثأر" ولا يدرك أن "الانتحار" بالمفهوم الشرعي /الفقهي هو إزهاق النفس من دون مبرر شرعي . فما الذي ينتقل بالجهاد – الذي هو في حقيقته إزهاق للنفس – من دائرة " الانتحار " إلى دائرة "الحكم التكليفي" إلا وجود ذلك المبرر الشرعي ؟! وفي ما يخص "الثأر" فهو مفهوم جاهلي – كما نبه الكاتب – لكنه لم يحسن فهمه ، إذ إن "الثأر" يكون لتلبية رغبات فردية تلبي دافع الانتقام ، وإلا كان يلزم الكاتب أن يسمي "القصاص "ثأرًا " !

ولست أدري ما الفرق بين "المدنيين" و "المستوطنين" حتى يجيز الكاتب العمليات التي تستهدف الآخرين دون الأولين ؟ ألم يكن وجود اليهود في فلسطين – ابتداءً – عملية استيطانية ؟!

إن مقال الكاتب غارق في العموميات عن الإسلام من نحو " روح الإسلام " و "نصوصه الطاهرة" ، الأمر الذي يعكس ضبابية الفكرة ، وهو ما يجسده بوضوح ضعف استدلاله بالآيتين اللتين أوردهما .

وهو لم يتورع في مقاله عن النيل من شخص الشيخ القرضاوي بحجة أنه خالف آيات قرآنية قطعية الدلالة " على حد قوله ، وهو – لاشك – يعني بعض آية ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) متناسيًا أن بداية الآية (وأنفقوا في سبيل الله ) ، وأن في تفسير الآية نحو عشرة أقوال. فأين قطعية الدلالة ؟ ثم لماذا يتناسى عمدًا مفهوم "الإرهاب" الشرعي المطلوب في الآية الأخرى ( ترهبون به عدو الله وعدوكم ) ؟ !

إن مسألة "العمليات الاستشهادية " تدخل في نطاق "السياسة الشرعية" وهي "مرنة " بما يحقق المقاصد والمصالح ، ومن ثم فإن الخلاف فيها مشروع ، كما أن من يبتُّ فيها "إمام المسلمين" ضمن الزمان والمكان والأحوال ، ومن هنا فليس مقبولاً إقحام "الحق" و"الباطل" في هذه المسائل فضلاً عن غيرها ، وهو ما تلبَّس به الكاتب حيث كانت عباراته حدّية جازمة تعكس الأرثوذكسية التي هو أسير لها من مثل "قطعًا" التي كررها مرتين ، و"الحقائق الدامغة " و"الآيات القطعية" وغير ذلك .

إنه لم يحسن معالجة القضية من المنظور الشرعي ؛ حيث إن "النكاية" مقصد متفق عليه بين الفقهاء ، وربما اختلفوا في وسائل تحقيقه ، والحكم الشرعي في "السياسة" يخضع – عند الفقهاء – لملابساته وسياقه الزماني والمكاني ، كما أن النهي عن قتل النساء والأطفال والشيوخ ونحوهم إنما جاء في سياق "الحرب" ، وما يدور في فلسطين الآن ليس "حربـًا" وإنما هو "مقاومة" والحكم يختلف كليـًا .
كما أن الكاتب لم يحسن معالجة القضية قانونيـًا ، وأعني معاهدة جنيف على وجه الخصوص ؛ حيث إن الحال في فلسطين لا يتواءم مع نص المعاهدة ، وذلك أن تجريم قتل المدنيين قانون يسري تنفيذه في الأحوال الطبيعية ، وما يدور في فلسطين هو وضع "استثنائي" غير سوي فطرف يملك من صنوف العتاد والأسلحة ما تعجز عنه الدول الأخرى مقابل شعب أعزل لا يملك إلا الحجر . فأي قانون يسري في مثل هذه الحال؟ فهل يسوغ بعد هذا الحديث عن جرائم ضد الإنسانية في الجانب الفلسطيني!؟ وأين كان هذا القانون المسمى "دوليـًا" ، وأين كانت معاهدة جنيف حين قُتّل المئات من الفلسطينيين ، الرجال والأطفال والنساء ، ولا يزالون ؟!

وأخيراً إن الكاتب يضطرب في تحديد المرجعية حين ينطلق من مرجعية الإسلام ممثَّلة بمفتي السعودية ، ولا يُخفي إشادته بالقوانين الدولية ومعاهدة جنيف في محاولة خفية لإقرار مرجعة مشتركة متستراً بالإشادة بعظمة الإسلام وسَبْقه للقوانين والأعراف الدولية ثم لا يلبث أن يختم مقاله بتكرير الإشادة بمعاهدة جنيف متهمـًا توفيق الشاوي – وهو أستاذ القانون المتمرس – بعدم الاطلاع على القانون الدولي وبأنه لم يسمع باتفاقات جنيف!! .

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.