الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الجنائز .. في حضارات الشرق

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:16/06/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
3676 0 474

ليس هناك شيء أكثر إثارة من الأساطير التي تتداولها ملل الشرق الأقصى ، والتي تحوي في غضونها الكثير من العادات والتقاليد والحكايات الشعبية مكونة نسيجًا اجتماعيًا أقرب إلى الفلكلور منه إلى التدين .

والذي يدرس تاريخ الشرق يلاحظ فيه بجلاء قدرًا كبيرًا من التعلق بالغيب والحياة الأخرى ، بكل ما تحوي هاتين الكلمتين من معاني واسعة ، قد تكون في كثير من الأحيان لا تستند إلا إلى الأساطير الشعبية .

وقد اصطبغت كثير من عبادات تلك الملل بهذه المسحة الأسطورية حتى غدت بين الناس شيئاً من صميم الدين نفسه ، ولا يجدون غضاضة في التفاخر به باعتباره شيئاً يمثل الحضارة التي ينتمون إليها .

الجنائز عند ملل الشرق .... من أكثر الحكايات إثارة في المجتمع الشرقي ، فبينما يوجد المسلمون بكثافة في كثير من دول الشرق الأقصى وجنوب الشرق الآسيوي ، ويعلم الناس جميعا العادة المعهودة في جنائزهم ، إلا أن هؤلاء المسلمين قد نالوا قسطهم من تلك الأساطير والخرافات حتى غدت جنائز الكثير منهم أقرب إلى أساطير الشرق القديم .

وفي هذا التقرير سنذكر بعض تقاليد الجنائز عند كثير من المسلمين في جنوب شرق آسيا ، ونثني بعد ذلك بذكر تقاليد الجنائز عند غير المسلمين .

قليل ما هم الذين يلتزمون أحكام الجنائز كما وردت في السنة المطهرة ، وينبذون البدع ومحدثات الأمور ، والأغلبية الساحقة من المسلمين أدخلوا الكثير من العادات والتقاليد بل والاعتقادات في هذه الأمور التعبدية .

غالب المناطق التي يوجد بها المسلمون في جنوب شرق آسيا ، أي في أندونيسيا وماليزيا وتايلند وبورما وغيرها ؛ نجد فيها أن لأحكام الجنائز عندهم مراسم مختلفة كثيرًا عما يعرفه العالم العربي .

فأول ما يبادر أهل الميت لفعله هو تجهيز رأس المال الكافي لتجهيز الميت ، وقد يتعجب البعض حينما يسمع كلمة رأس المال ، فهذه الحقيقة ؛ لأن تكاليف الجنائز عند المسلمين العاديين تبلغ الآلاف المؤلفة ، وقد أنشئت جمعيات متخصصة في مساعدة الفقراء على تحمل تكاليف الجنائز ، فعلى ماذا تنفق تلك الأموال ؟

إنها تنفق أولا على تجهيز الميت بالكفن والعطور ونحو ذلك ، وأهل اليسار يجهزون التابوت الخشبي الغالي اللائق بمكانة الميت ، كما يجهزون الرخامة النفيسة التي ستوضع على قبره مشيرة إلى اسمه وتاريخ موته .

ثم هناك تكاليف الهدايا التي تعطى للإمام الذي سيصلي على الميت ، ومن سيكلف بقراءة سورة ياسين عليه من المتطوعين وقد يصل عددهم إلى العشرات يقرؤون ياسين بصورة جماعية بعد الفراغ من الصلاة على الميت حتى يوضع في قبره.

أما من يحضر للصلاة على الجنازة فلن يكون محروما من هدايا نقدية بسيطة ، ولكنها داخلة في جملة المصروفات .

وتتفاوت تلك الهدايا على حسب الشخصيات ومكانتها في المجتمع ومدى ثرائها ، فبعض الشخصيات الثرية تكون الهدايا النقدية التي توزع للحاضرين للجنازة ما مقداره خمسة دولارات لكل حاضر ، أما الهدايا التي تعطى للإمام والقراء فقد تبلغ المائة دولار ! هذا بخلاف ما يتم التصدق به في هذا اليوم باسم الميت على الفقراء ونحو ذلك .

والطريف أن في هذه البلاد - شرق آسيا - التي يتصف جوها بالحرارة لا بد من إكرام الحاضرين لصلاة الجنازة بالمطعومات والمشروبات ، وغالبا ما يكون المشروب الأحمر البارد هو الذي يقدم في الجنائز ! مع أن مثل هذا المشروب لو تم تقديمه في العالم العربي فسيعتبر تعبيرا عن الفرحة بموت هذا الإنسان .
وبعد اكتمال مراسم الجنائز وانفضاض الحضور يقوم أهل الميت باستئجار بعض الأفراد ليقوموا بحراسة الميت وإدخال الأنس عليه في الأسبوع الأول بعد دفنه، وتكون مهمة هؤلاء المكث والإقامة الدائمة في القبور بجانب قبر الميت ، وغالبا ما تنصب خيمة بالقرب من القبر الجديد ، وتتم قراءة الختمات والسور المعينة التي يتم الاتفاق عليها .

ومثل هذه العملية تكلف أهل الميت مئات الدولارات ، وكل ذلك في سبيل إزالة الوحشة عن الميت في أيام قبره الأولى !!
بعد دفن الميت ، وفي الليلة الأولى ، يعقد أهل الميت لقاء يسمونه ( أرواح ) هكذا باللفظة العربية ، هذا اللقاء أشبه ما يكون بالوليمة ، حيث تقدم فيه المطعومات الفاخرة ، وتقرأ فيه السور والآيات المعهودة .

ويتندر الكثير من البسطاء على هذه التقاليد الصارمة التي يفعلها المسلمون بما يشبه المثل الذي يقوله المصريون : موت وخراب ديار ، حيث يعاني أهل الميت ، بالإضافة إلى آلام الفراق والحزن على موت قريبهم ؛ يعانون التكاليف الباهظة للعادات التي يرون أن من الواجب المحافظة عليها وكأنها جزء من الدين نفسه !

وقد يكون الأمر أقل كلفة في حق بعض الأسر التي تتلقى معونات من الأقارب والحاضرين لصلاة الجنازة ، حيث إن التعاون سمة لا تخطئها عين في المجتمعات الشرقية .

هذه لوحة مجملة عن عادات المسلمين في جنائزهم ، لكن ماذا عن تقاليد الجنائز عند البوذيين في جنوب شرق آسيا ؟

تقاليد الجنائز عند البوذيين

يعتقد البوذيون بعملية التناسخ بين الأرواح والأجساد ، وهذه الاعتقادات أورثت جنائزهم زخما في الإعدادات والمراسيم والتجهيزات .

فبمجرد أن يموت الواحد من البوذيين فإن أول ما تنصرف إليه الهمة هو إحضار الراهب للصلاة عليه ، وغالباً ما تكون طقوس الصلاة على الميت مصحوبة بعلميات تبخير وطقوس تتطلب تكاليف في الإعداد لتلك الصلاة ، هذا بخلاف ما يعطى للراهب من أجرة على تكرمه بالحضور والصلاة على الميت .

ثم يتداول أهل الميت بعد ذلك المدة التي سيبقى فيها الميت محنَّطاً قبل عملية حرقه ودفنه ، لأن عملية الصلاة عليه تدوم أيام وأسابيع ، بل ربما أكثر من شهر في بعض الأحوال على حسب شهرة الميت واحتياج مجيء الناس إليه للصلاة عليه .

وعند البوذيين عادة يعتبرها كثير من الناس حسنة ، وهي أن أي متقدم للصلاة على الميت لا بد أن يقدم لأهل الميت هدية ، غالبًا ما تكون نقدية ، ومن ثم يجني أهل الميت أحيانا مبالغ طائلة من كثرة زوار الميت والمصلين عليه ، وبالتالي يحرص كثير من البوذيين على تطويل فترة تحنيط الميت وإتاحة الفرصة للصلاة عليه للحصول على أكبر قدر من الهدايا .

ويتم إلباس الميت أفضل ما لديه من الألبسة ، ولو كان للميت نياشين أو قلادات تكريم من الدولة فإنها توضع في صدر جسده المحنط تحنيطا جزئيا .

والتحنيط هنا هو وضع بعض المواد الكيميائية الحافظة التي تمنع التحلل لفترة قصيرة ، مع الإكثار من البخور والعطور للقضاء على رائحة العفونة .

يوضع الميت في صدر المنزل على مستشرف من الأرض ، وتوضع حوله بعض الموائد التي توضع عليها البخور وأصنام بوذا ، وبعض العدد المتعلقة بطقوس الصلاة كماء الورد في القنينات ، والتي تستعمل في الصلاة على الميت .

وبعد فترة الصلاة على الميت تنقل جثة الميت إلى المعبد لاستكمال مهمات الصلاة عليه والحرق والدفن .

الطريف أن جنائز البوذيين أشبه ما تكون بأفراح الزواج ، غير أن الفرق أن لباس الحضور كله من اللون الأسود ، لكن ضحكات الحضور وابتساماتهم وفرحة بعضهم بالمناسبة تعكس جوا يدعو إلى الاستغراب .

والذي يجعل الأمر أكثر غرابة أن تقاليد الصلاة على الميت في المعبد تقتضي استعمال الموسيقى أثناء الصلاة عليه وبعدها ، وأثناء عملية الحرق .

ومما يجدر ذكره هنا أن الديانات التي تستخدم عملية الحرق في الجنائز هي الديانة الهندوسية والديانة البوذية ، وكلتاهما ديانة هندية كما هو معروف ، ولكن الطريقة تختلف بين الديانتين.

ففي الديانة الهندوسية تكون تقاليد الصلاة على الميت وحرقه أقل تكلفا ، وأسهل كثيرا من حيث الطقوس ، فغالبا ما يوضع الهندوسي على سرير ثم يوضع الحطب من حواليه ومن فوقه ، ويوقد عليه النار حتى إذا تفحم وصار رمادا ذروه في نهر من الأنهار المقدسة عندهم.

أما في الديانة البوذية فالوضع أصبح أكثر تعقيدًا ، فالميت في الديانة البوذية يجب أن يحرق وهو على هيئة المصلي ، يعني على هيئة المنحني والرافع يديه ضامًّا إياهما إلى صدره .
وهذا يقتضي أن يوضع خابور في استه وتربط يداه ورجلاه مضمومة إلى هذا الخابور الذي يخترق جسده ، وبعد إعداد هيئة الميت على هذا النحو يتم إعداد فرن معد خصيصا لإحراق الأموات .

هذه الأفران عبارة عن بناء صغير يصعد إليه بدرجات من السلم طويلة ، وتعلو البناية منارة عالية مدببة ، وتوجد في أعلاه مبخرة تخرج منه أدخنة الجثة والحطب المحروق .

والتكنولوجيا الحديثة أتاحت لكثير من الدول البوذية أن تقيم أفران خاصة بالغاز وبتكنولوجيا متقدمة في إحراق الأموات !!!

قبل عملية الحرق يتم قرع الطبول بشدة بزعم إزعاج الأرواح الشريرة حتى لا تتحضر أثناء عملية الحرق ، وحتى لا يحصل شؤم وتنتقل روح الميت إلى أجساد لا يرغب في الانتقال إليها .

وفي هذا العصر صار يستعاض عن صوت الطبول غير المجدي بصوت الرصاص وأحيانا المدافع الصغيرة ، والتي تحدث دويَّا مزعجًا للأحياء والأموات !!!

يوضع الميت في الفرن ، ويغلق عليه ، وتجري عملية الحرق وسط أصوات الموسيقى الجنائزية القديمة ، ووسط صلوات الرهبان .
وبعد عملية الحرق يتم حفظ الرماد في مجموعة من القبور ذات الغرف المبنية تحت الأرض ، وليس هناك مجال لأهل الميت أن يزوروا ميتهم ؛ لأن روحه انتقلت إلى محل آخر ، فتكون ذكراه بعقد الصلوات على روحه في أي مكان على وجه الأرض .

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق