الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أزمة التواصل المستحيل

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:12/03/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
3163 0 479
     بد "أركون" في كتابيه الأخيرين (في نقد العقل الديني 1998م، واستحالة التأصيل 1999م) متأسفًا جدًا من الطريقة التي قوبل بها مشروعه الفكري ، ليس فقط لأنه لم يقابل بالترحاب ، بل أيضًا لأنه لم يحقق قاعدة جماهيرية ، فما زال مشروعه طوباويًا (مثاليًا) حسب تعبيره .
يعتقد "أركون" أن العقل "الأصولي السلفي" هو الذي يسيء فهمه ويعيق خطابه من تكوين تلك القاعدة التي يشترط أن تكون "مهيأة" علميًا ووجوديًا ، لتلقي أبحاثه بوصفها "أكثر الأبحاث جدة" . ولكنه أبدًا يصطدم بالواقع والظروف الثقافية والاجتماعية ، الأمر الذي دفعه في كتابه الأخير "إشكالية التأصيل 1999م" أن "يحلم" بوقفة حية أمام "عشرات التقليديين" على شاشات التلفزة الفضائية العربية عندما يفكك خطابهم ويمارس هوايته في زحزحتهم !؟ .
     وإذ يرفض "أركون" "خطاب التضحية" أي الخطاب الذي يرمي بتخلفه ومشكلاته على الاستعمار والإمبريالية بوصفه خطابًا "متخلفًا ولا علميًا" ، يرتد "أركون" ليتحول إلى "خطاب الإدانة" للعقل العربي وثقافته و…الخ ، لكن ما الذي يجعل "أركون" يرتد إلى هذا الخطاب ؟ .
المعروف عن "أركون" أن خطابه معقّد ومتعالي ، تختفي فيه النسبية ، يتناول قضايا ومشكلات وإشكاليات ليس من الصعب على القارىء المتابع "لأركون" أن يكتشف أنها ليست من بُنات العقل العربي ، فما يكتبه هو محاورة مضمرة غالبًا لاستفزازات المستشرقين والمثقفين الغربيين حول الصورة الراديكالية (الثورية) و"الأصولية" والعنفية والمتخلّفة عن الإسلام لديهم ، إذ يبدو وكأنه يبرر لهم إمكانية دخول الإسلام في الحداثة ، وعدم تخلفه عن الأديان الأخرى ، وخصوصًا المسيحية واليهودية ، ويؤسس لصورة الظروف التاريخية التي شكلت تلك الصورة الاستشراقية الغربية عن الإسلام . إن مشروعه "نقد العقل الإسلامي" ليس إلا محاولة تمهيدية لهذا الدخول "أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ 1993" .
     "أركون" يرفض تصنيف الغرب له "نمطيًا" كمسلم ينتمي إلى "ثقافة يعتبرها متخلفة" فهو يكره أن "يصبح مادة للملاحظة والتحديد والتصنيف والدراسة ، لا يمكن أن يصبح ذاتـًا عارفة" ، إنه أخيرًا يعلن خيبته بالغرب ، فهو قد وقف على "حقيقة استحالة التواصل" مع المثقفين الأوربيين ، بعد أن كان مراهنًا عليهم (في مشروعه) ! ومتفائلاً بهم عندما قدّم مشروعه لأول مرة عام 1985م ! .
     ورغم أن خطاب "أركون" يُعلن أنه يشتغل مبدئيًا ، فيما يسميه "بتفكيك الانغلاقات المزمنة للخطاب الإسلامي" ، إلا أن "استبطانه" للغرب جعله ينتقل بوضوح - مع تصاعد أزمته - من مشروع الإسلاميات التطبيقية إلى بلورة وتشكيل عقل ما بعد الحداثة ! .
     فقد بدأ عام 1970م بمشروع "الإسلاميات التطبيقية" التي تعني تطبيق العلوم الإنسانية على التراث الإسلامي بوصفها المنجزات المعرفية للحداثة ، (وهو يتضمن محاورة للإستشراق) ، ثم في منتصف الثمانينات أقدم على طرح مشروعه "نقد العقل الإسلامي" ، الذي دشنه بكتابه - الذي يلخص عنوانه العربي منهجية الركون في هذا النقد - "تاريخية الفكر الإسلامي 1984م" ، وفي بداية التسعينيات طمح "أركون" في كتابه "أين هو الفكر الإسلامي المعاصر 1993م" إلى إقامة ثيولوجيا (علم لاهوت) كونية لكل الأديان ، ثم في الوقت الذي أعلن فيه خيبته المريرة بالتواصل مع مثقفي الغرب أعلن في كتابه "قضايا في نقد العقل الديني 1998م" و"استحالة التأصيل 1999م" عن مشاركته في نقد الحداثة ، بل وطموحه في بلورة "العقل الإستطلاعي" أو "الانبثاقي" ؛ أي عقل ما بعد الحداثة كما يحب "أركون" تسميته ، حيث يقول مترجمه المخلص هاشم صالح "إن "أركون" أحد المفكرين الكبار الذين يحاولون بلورته" ! .
     تحت تأثير تلك المعضلة ، تظهر عقدة "أركون" من المستشرقين ، حيث لا يخلو كتاب من كتبه من الإشارة إليهم ، وتبادل التهم معهم ، فهو يصرّح باستمرار بكرهه للبرودة الفيللوجية الجامدة التي تَسِمُ مناهجهم ، ويلومهم على محاباة العقل السني !. ويبقى الاستفزاز الدائم في الانتقاد الذي يوجهه له المستشرقون والمثقفون العرب والغربيون ، والذي يتمثل في اتهامه بالتنظير التجريدي الذي ينطلق من بعض المعطيات المختار المختارة انتقائيًا ، هذا الاستفزاز المزعج والذي كان دائمًا يحاول دفعه ، جعله يخلع على نفسه مصطلح "الباحث المفكر" ، الذي ابتكره هو ليتخلّص من ذريعة رفض تنظيره وتفلسفه حول معطيات يفترض أنها تقوم على البحث .     تظهر تلك "العقدة" مرة أخرى في تعقّد خطابه وتعاليه بلغته ، وتزاحم مصطلحاته التي تنتمي إلى حقول معرفية متعددة ، وتداوله لكل جديد حتى قبل بلورته وكأنه محسوم وكامل الوضوح ، هذا التعالي أفقده "النسبية" ، وجعله يبدو وكأنه - بتركيبته القطعية التقريرية غالبًا - يتكلم من ملكوت مختلف ، يقدّم ببنيته غير الاحتمالية نصفًا دينيًا !!،  إنه في الواقع يعكس "تماهيه" في الغرب ، بحيث يكشف عن نظرته المزدرية للخطاب العربي والإسلامي بوصفه متخلفًا .
     إن هذا يفسر لنا عدم تمييزه بشكل واضح بين تلوينات الخطاب الإسلامي ، الذي يتعامل معه بوصفه "أيقونة" هي نفسها الأيقونة التي يراها الغربيون والمستشرقون في الإسلام ، إن "أركون" يبدو واضحًا أنه استشراقي أكثر من المستشرقين أنفسهم ! .
     ومع أن أركن "يلحُ" بحياء إلى انتقاد المركزية الغربية ، لكنه لا يلبث حتى يرى في البحوث العلمية والدراسات الغربية وحده ما يستحق الاهتمام والاحتفاء ، بل إنه يحتفي أحيانًا ببعض الدراسات الهامشية في اللغة الفرنسية ويتجاهل كثيرًا  ولا يكثرث بالدراسات والبحوث العربية ، ورغم ذلك فهو يتأسف على طريق تعامل المثقفين العرب معه ! إن تلميحه لنقد المركزية الغربية الأوروبية ليس في الواقع إلا مقابلة لرفضهم له الذي بات يؤرّقه كثيرًا .
     بعد ذلك من الطبيعي أن يصدر "أركون" عن "أيديولوجيا" لا تقبل المساومة ؛ هي العلمنة (بالمعنى الفلسفي) ، التي تأسست على رؤية غربية مادية للتاريخ بوصفه تقدميًا خطيـًا ونمطيـًا ، وحيث تشكّل الحداثة لحظة تاريخية "حتمية" لا بد لأي تطور أن يمر بها ومن خلالها ، وحيث تختفي فيها الفروقات الفردية للأديان ، ويكون الخلاص لديه "أركون" هو في المنهجية التاريخية النفسية ، التي يتقمصها من مدرسة الحوليات الفرنسية . حتى صار ولعه بالتاريخية لا يرى  بخصوص الإسلام - ما يستحق وصف العلمي من البحوث والدراسات إلاّ ما يقوم على تلك المنهجية ، ومن هنا يأتي احتفاؤه البالغ عبر كتبه الأخيرة وحواراته بكتاب "جون فان إيس" المستشرق الألماني في موسوعته "اللاهوت والمجتمع : في القرنين الثاني والثالث للهجرة 1991م-1996م" .
     هكذا نفهم لماذا يصر "أركون" على تجاوز الاختلافات الجوهرية بين الأديان ، وخصوصًا بين الإسلام والمسيحية ، والذي كان محط انتقادات الإسلاميين باستمرار . ويلحّ على المطابقة النمطية لمسار التغيّر التاريخي بين العقل الإسلامي والعقل المسيحي ، في صيرورته مع تحدي الحداثة . فكل ما سيقوله المسلمون قالته المسيحية من قبل - حسب أركون - هذا في الوقت الذي ينتقد فيه "أركون" "بول ريكور" وكل الغربيين الذين لا يخرجون من الموقف الدائم والمستمر منذ قديم الأزل للعقل اللاهوتي المسيحي واليهودي ، ولكنه إذ يفعل ذلك يحاول تبرير تناقضه بأن دراسة الإسلام واستعادته كظاهرة دينية تغني التجربة الدينية للحداثة ! . إن "أركون" إذ يبدو متناقضًا هنا ، فإنه يبدو كذلك في مواطن عديدة ؛ ذلك لأنه واقع تحت سياق ضغط الدفاع عن النفس أمام ذلك الغربي المتشكك فيه ، حيث ينكب لذلك على نقد العقل الإسلامي ، كما أنه في الوقت نفسه ينزلق نحو استعمال نظريات ومصطلحات ومعارف جديدة لم تستقر بعد .
إن "أركون" يتخذ من أيديولوجيا العلمنة استراتيجية لنقد العقل الإسلامي تقوم على "الانتهاك" للمستحيل التفكير فيه (المقدس) ، و"الزحزحة" لمسلّمات العقل الإسلامي ، و"التجاوز" به إلى الحداثة ، التي يعيد ويكرر فيها دومًا رغم أن مترجمه يذكر أخيرًا أنها آخر المنهجيات التي اتبعها "أركون" !! .
     "أركون" كمثقف عربي غربي استبطن نفيه من الغرب ، وهزيمته في التواصل معه ، وبقدر ما كلفه ذلك من تبجيل وتقدير للمثقفين الغربيين شعر أركون بخيبته عند خسارته لجمهوره الغربي والعربي معًا - فيما يقول - ، فلم يعد له "جمهور هنـا ولا هنـاك" ، ويعتقد مع ذلك أن سبب خسارته هو علميته التي لم يتنازل عنها ! .
     ويحلم "أركون" بأيديولوجيا العلمنة التي تمكّنه أن "يلحق" بالغرب ، فكما تحولت المسيحية إلى "دين الخروج من الدين" حسب تعبير "مارسيل غوشييه" ؛ بمعنى أنها شرعنة العلمنة ، كذلك فإن "أركون" يطمح إلى صبغة مماثلة ، بل يأمل أن يتحول الدين إلى "دين من أجل الذاكرة" ! .لكن "أركون" بعد إخفاقاته مع الغرب والمثقفين العرب ، يشعر بضرورة تحرره وانعتاقه من كل "الأنظمة الخادعة ، الأيديولوجية" وغيرها ، من خلال قراءة للقرآن "تترك فيها الذات الحرية لنفسها ولديناميكيتها الخاصة في الربط بين الأفكار والتصورات" ، الحرية التي تشمل كل الصيغ أو التجارب الانفجارية التي "حاول أن يصل إليها كبار الصوفيين والشعراء والمفكرين والفنانين" ، والسؤال : هل تمثل هذه القراءة إعادة تركيب للنفس بعد خيبته بالغرب ؟ أما أنها مجرد تأملات شاعرية عابرة ؟

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق