الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مفهوم التجديد في الفكر الإسلامي 2-2

  • اسم الكاتب: عبد الرحمن الحاج إبراهيم
  • تاريخ النشر:20/07/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
15412 0 709
لقد تبين لنا إذاً أن مصطلح «التجديد» لم يغادر موقع الشروح للأحاديث النبوية أسوة بالمصطلحات الواردة في الأحاديث الأخرى ، لكن اللافت للنظر أن النص النبوي نفسه لم يقدم تعريفاً له، واكتفى بالإشارة إلى أنه على « رأس كل مائة عام» يأتي شخص من الأمة، ويقوم بمهمة هي «التجديد» تتعلق بالدين أو بأمر الدين (على اختلاف الروايتين).
وهذا ما يبرر موضوعياً قيام تفسيرات مختلفة من جهة، فالنص النبوي لا يقدم تعريفاً بالمفهوم، ومن جهة ثانية يبرر تفسيره تبعاً لتحديات العصر، « فأمر الدين» يختلف بالنسبة لتحديات كل عصر.

ثانياً: في الفكر الإسلامي المعاصر :
وكما وجد السلف أنفسهم أمام ضرورة تفسير لهذا المصطلح تبعاً لـ « تحديات العصر» ، فإن المتأخرين من علماء الأمة ومفكريها ما يزالون على المنوال نفسه، بجهدون بالبحث عن ماهيّة التجديد ومحتواه طبقاً للتحديات الراهنة التي يواجهها المسلمون، ولكن الاختلاف في تحديد هذه «التحديات» وطبيعتها وتفسيرها ومواجهتها ، وهي – بطبيعة الحال - تحديات تمرّ للمرّة الأولى على الأمة، أدى حتماً إلى اختلاف في تحديد مفهوم «التجديد»، ولأن التحديات الراهنة التي تجدها الأمة تحديات كبرى وشاملة، حيث أصبحت الأمة فيها تعيش على هامش الحضارة، بعد أن انتقل مركزها إلى الغرب، فإن الانقسام حولها لم يعد انقساماً جزئياً وفرعياً، بل أصبح انقساماً يؤدي إلى انقسام الأمة على نفسها إلى تيارات واتجاهات لم تكن تخطر بالبال من قبل.
وإذا كان الاختلاف مشروعاً، فإنه من الضروري أن يتم تلافي أي تفاقم له قد يؤدي إلى تحوله إلى صراع ، ذلك أن هذا الصراع الداخلي سيحول - بلا شك - دون إنجاز دور الأمة في تحقيق رسالة الله الخاتمة في الأرض التي استخلفت عليها.
وإن تبادل التهم بالتضليل والتبديع والتكفير لن يكون في صالح هذا الدين ، من هنا نحاول أن نتفهّم النوايا الحسنة في الاجتهادات المختلفة ما دامت لم تتخل عن مرجعيتها القائمة على الكتاب الكريم وصحيح السنة .

- كيف ظهر مفهوم «التجديد» في العصر الحديث ؟
يخلط البعض بين مفهوم «التجديد» الإسلامي الذي ظهر في منتصف الستينيات ـ كما سيأتي ـ وبين مفهوم «التجديد الذي كان شعاراً للعلمانيين الحداثيين في عشرينيات القرن الماضي في مصر». فقد كانت ثلة من الأدباء والأساتذة المصريين - وبعضهم من تلاميذ الشيخ محمد عبده - قد دعت إلى « تغريب العقل المصري » و« تبني العلمانية» عقب ثورة 1919م وأطلقت على نفسها شعار «التجديد» ، وكان من هؤلاء قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وسعد زغلول وطه حسين،
وقد بَدأ هذا الاتجاه بالدعوة إلى «الاحتفاظ فقط بالعقيدة الإسلامية» ولكنه ما لبث أن انتهى إلى القطيعة مع الدين كله!.
ونستطيع القول بأن «الإصلاحية الإسلامية» التي كانت تمثل مدرسة محمد عبده تفرعت عنها مدرستان، الأولى اتجهت نحو الحداثة والعلمانية، والثانية نحو السلفية بعدما رأت تحلل إصلاحية محمد عبده، وظهور عدد من تلامذته علمانيين، وسقوط الخلافة العثمانية التي مثّل سقوطها الرمزي سقوطاً مدوياً في أعماق الذات المسلمة، ما تزال - إلى هذه اللحظة - تعاني منه.
وبقيت قلة قليلة من تلاميذ الشيخ محمد عبده والمتأثرين بأفكاره ـ التي يلخصها الشيخ محمد عبده رحمه الله بقوله : « تحرير العقل من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف ، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى ، واعتباره ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لتردَّ من شططه وتقلل من خلطه وخبطه، لتتم كلمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني » ـ بقيت وفيّةً لمنهجه العام، وأضفت الحادثة المهولة ( سقوط الخلافة) وظهور الدولة العثمانية الحداثية تعديلات مهمّة على وعيهم، في وقت أخذ «التجديد» العلماني بالتحول الكامل نحو التغريب، فيما تراجع بعض المتحمسين له عن أفكارهم ، مثل طه حسين، وحسين هيكل وبقي «الإصلاحيون» الذين ينتسبون إلى مدرسة محمد عبده يواصلون جهودهم العلمية والفكرية في الأزهر وجامعة القاهرة حتى منتصف الخمسينيات.

في تلك الفترة لم يعد أحد يدعو إلى «التجديد» العلماني، وأصبح هذا المصطلح منسياً، فيما فقد شعار «الإصلاح» الذي يمثل مدرسة محمد عبده بريقه، وتزايدت في الوقت نفسه حدّة التحديات، فقد ظهر المد القومي وحكوماته الدكتاتورية، وترافق ذلك مع ظهور الشيوعية في العالم العربي بشكل موجة عقائدية إلحادية عاتية، ووقع الشارع العربي والإسلامي تحت وطأة إحساس عميق بالهزيمة بعد ضياع فلسطين وسقوطها في أيدي الاحتلال ، وبذلك أصبح الفكر الإسلامي بحاجة إلى «شعار» يستنفر فيه العقل الإسلامي، ويطلقه لمواجهة هذه الظروف الصعبة، فكان ذلك ممهّداً لظهور شعار «التجديد» الذي عثر عليه في تلك اللحظة الحاسمة بما يشبه الاكتشاف ، وتم تبنيه فجأة وبشدّة.
ولهذا، فإننا نجزم أن شعار «التجديد» لم يكن مجرد استنباط من النص النبوي ، واستعارة منه، بل كان النص النبوي يحضر لإثبات مشروعيته لا العكس ، وهذه الحقيقة يجب أ لا تجعلنا ننظر إلى المصطلح بعين الريبة، لأنه - في النتيجة - أصبح محكوماً بالنص ، ما دام ينتسب إليه.
إذا كنا لا نستطيع أن نحدد بدقة اللحظة التاريخية التي ولد فيها مصطلح التجديد الإسلامي، فإنه يمكننا مقاربته في الحقبة الزمنية الممتدة بين منتصف الخمسينيات وأوائل الستينيات ، وذلك بالرغم من ظهور مقال للشيخ أمين الخولي (الأستاذ في كلية الآداب في جامعة القاهرة) عام 1933م في مجلة الرسالة (عدد 13) تحت عنوان «التجديد في الدين» وهو أول مقال نعثر عليه في هذا الموضوع، ثم كتب المودودي سنة 1948م كتابه باللغة الأوردية « موجز تجديد الدين وإحيائه» ذلك لأنه حتى منتصف الخمسينيات كان مصطلح «التجديد» ما زال هامشياً، ومصطلح «الإصلاح» كان هو ممثلاً للخطاب الإسلامي المتحدّي للأزمة المعاصرة .
بين كتاب المودودي ومن قبله مقالة الخولي وبين كتاب إقبال « تجديد التفكير الديني في الإسلام » (بترجمته العربية) وكتاب عبد المتعال الصعيدي "المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر" اللذَين صدرا عام 1955م لا يوجد ما يشير إلى هذا المصطلح (التجديد)، وسنشهد بعد صدور هذين الكتابين عددًا من الكتب تحمل في عنوانها مصطلح «التجديد» مما يشير إلى أن ظهور المصطلح كان في هذا الوقت بالذات ، ومما يؤكد هذه المقاربة الزمنية أن عبد المتعال الصعيدي (المذكور آنفاً) نفسه كان قد أصدر كتابه « تاريخ الإصلاح في الأزهر» في أوائل الخمسينيات الذي يعتمد فيه كلياً على مصطلح «الإصلاح» حتى إذا كتب «المجددون في الإسلام» كان مصطلح التجديد قد أخذ يحل بشكل نهائي وكامل مكان «الإصلاح» .
كل ذلك يؤكد أنه في هذه اللحظة التاريخية بالذات بدأ مصطلح «التجديد» يصبح عَلَماً على توجه فكري جديد بدأ بالتكون والانتشار. لكن علينا أن نؤكد ثانيةً أنه من الضروري التفريق بين «التجديد» العلماني الذي ظهر في بداية القرن الماضي، وبين «التجديد» الإسلامي الذي ظهر في منتصف القرن الماضي، بعد زوال الأول، والذي يجد شرعيته في النص النبوي المعروف.
إن أهم ما يمكن ملاحظته في مصطلح «التجديد» أنه وريث إصلاحية محمد عبده، أولاً، وثانياً أن الشاغل الأساسي له يتلخص في « تحدي الغرب » المتمثل في هيمنته الحضارية والسياسية والثقافية ، وإيقاف انحسار الإسلام على مستوى القضايا الكبرى التي تتعلق بمصير الأمة، الأمر الذي ولّد انحسارات مماثلة على المستوى الاجتماعي والأخلاقي والفكري. وعلى كل الأحوال فإن كل المسلمين مجتمعون على أن تحديهم يتمثل بشكل أساسي في هذا الغرب الذي - منذ ظهر لهم - لم يجلب معه إلاّ الكوارث والدمار.

لقد أصبح السؤال الأهم متلخّصاً في القول:
لماذا سبقنا الغرب وهيمن على مقدراتنا؟ وكيف يمكننا تجاوزه؟
وهو السؤال الذي سبق وأن طرحه شكيب أرسلان في مطلع القرن الماضي : لماذا تراجع المسلمون وتقدم غيرهم؟
إن الإجابة على كل شق من هذا السؤال سيفضي إلى إجابة على الشق الآخر، وهكذا فإذا كان مفهوم «التجديد» مرتبطاً منذ صدر الإسلام بـ «تحديات العصر» ، فإن مفهومه سيجد اليوم إجابات عديدة، وبالتالي مفاهيم عديدة في وقت واحد، ولأن هذا النوع من الإجابات ليس بمستوى وضوح الإجابات في عهود السلف رحمهم الله ، فإنه من الطبيعي أن يؤدي الانقسام حوله إلى انقسام في وعي الأمة لن يزول - بطبيعة الحال - إلاّ بزوال السبب نفسه، أعني التحدي المتمثل في هيمنة الغرب الحضارية.

اتجاهات تفسير «مفهوم» التجديد :
1- مفهوم «التجديد» عند السلف:
برز اتجاه متمسك بتفسيرات السلف الصالح لمصطلح التجديد، واعتبر الخروج عليه نوعا من الابتداع والتحريف في الدين، وأبرز من يمثله صاحب كتاب « مفهوم التجديد: بين السنة النبوية وأدعياء التجديد المعاصرين » الدكتور محمود الطحان، وبالرغم من أهمية الدعوة للتمسك بكلام السلف،

وإذا كان «إحياء السنة وإزالة البدعة» و«إحياء الدين» هي مقولات التجديد لدى السلف ، فإنها أصبحت اليوم في معظمها من مُسَلَّمات المسلمين، لكن المشكلة تكمن دوماً في التحديات الجديدة .
ومن الملاحظ أنه في هذا الاتجاه يبرزتحديد مفهوم
« التجديد» بـ «الاجتهاد في مستجدات العصر » ومستجدات العصر هنا ليست إلاّ مستحدثات فقهية ، فتتقلص تبعاً لذلك
« تحديات العصر » إلى درجة ضيقة للغاية لا تفي بتفسير الواقع الموضوعي ، وبالتالي فإن هذا يشير إلى أن الاعتراف بالأزمة – هو في الواقع - اعتراف بجزئها فحسب ، وفي كل الأحوال فإن لهذا الاتجاه مبرراته ، التي تقوم على التباس التجديد بالعلمانية على النحو الذي أشرنا إليه قبل قليل من جهة، ومن جهة ثانية فإن هذا المصطلح/ الشعار تم استغلاله من قبل بعد الحداثيين التغريبيين للعبث بأحكام الإسلام ونصوصه، وهي مبررات معقولة ومفهومة. لكن طابع ردّ الفعل التعميمي هذا يحول دون تفهم جدي للإسلاميين الذين يتبنون تصورات مختلفة عن مفهوم التجديد.

2- اتجاه الاجتهاد المفتوح :
يستخدم مفهوم التجديد لدى شريحة واسعة من الكتّاب والمفكرين بمعنى «الاجتهاد» المفتوح، الذي يتمرد على الأطر المذهبية، ويتجاوز الحدود الفقهية ، أي يصبح الاجتهاد - حسب تعبير العلامة فتحي الدريني - « تعقل واكتناه حقائق التشريع وأسراره » والتفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية .
في هذا الاتجاه لا يعود هناك حدود للاجتهاد، ما دام الأمر يعني أن الاجتهاد علم له قواعده ، وما دام أن الوقف عند النّص ( تفسيراً وتأويلاً ) شرط لاعتباره في دائرة الإسلام، فإن الاجتهاد لا يصبح له حدود إلاّ حدود النص نفسه .
لكن يبقى أن الذين يدعون إلى اعتبار التجديد «اجتهاداً» مفتوحاً ينقسمون إلى فئتين :
الأولى تعتمد مرجعيّة العلوم الإسلامية المعروفة ، وتجد أن فيها كفاية لتحقيق الاجتهاد، في حين أن الفئة الثانية تتوسل بالإضافة إلى ذلك بالعلوم الغربية، ونظراً لارتباط هذه العلوم بالغرب ، فإن ثمة حساسسية لازمة بين كل من الفريقين تجاه الآخر، حيث يرى بعضهم أن الغرب كلٌّ واحد لا يتجزّأ، لا ينفصل فيه الثقافي عن السياسي، في حين يرى الآخرون أن العلم لا يكون قط ضد الدين، وأن « صريح المعقول يوافق صريح المنقول » على حد تعبير ابن تيمية رحمه الله ، والمعرفة سلاح يمكن استخدامه للخير والشر في الوقت نفسه، وبالتالي فإن علينا التفريق بين الغرب السياسي والثقافي والغرب المعرفي العلمي، والعلم ضالة المؤمن.

في كلام كل من الفريقين وجه من الحق، وتبقى المشكلة أن التوقف عن استعمال العلوم الحديثة واختبارها وتطويعها لخدمة الشريعة قد يؤدي إلى جمود كاسح ، كما أن الاستغراق فيها قد يؤدي إلى استلاب وتشويه لأحكام الدين . مهما يكن من أمر فإن المهم الانتباه إليه أن هذا الاتجاه يمثل معظم مفكري الإسلام المعاصرين من أمثال محمد إقبال ، ومالك ابن نبي ، ويوسف القرضاوي ، وعمر عبيد حسنة ، ومحمد عمارة وغيرهم.

والأهم أن هذا الاتجاه يقوم على أن المشكلة تكمن في شقين: الأول هو وعي المسلمين وذهنهم ، الذي تراكمت عليه أحداث واجتهادات أربعة عشر قرناً هجرياً، والثاني هو الواقع الموضوعي المشاهد والمتمثل في الغرب ، وبالتالي فإن الحل الذي يفترض لذلك فتح باب الاجتهاد من أجل كشف الخلل القائم في الذهنية المسلمة من أجل بعث قدراتها من جديد في الإبداع والتحضر والتقدم، والاستفادة من علوم الغرب وتحديه بأدواته نفسها، والسيطرة على الواقع الذي أفرزه هو بالدرجة الأولى.
ويبدو هذا الاتجاه أكثر الاتجاهات حيويَّة ونشاطاً فكتابات المنتسبين إليه تكاد تمثل معظم المكتبة الإسلاميةالمعاصرة وعلى هذا فإن الحفاظ على هذا الاتجاه هو - برأي كاتب هذه السطور - ضرورة، لأنه يسمح بقيام « تجربة » ضرورية لا بدّ منها في ظروف معقدة كالتي نرزح تحتها، ويبقى أن الحفاظ على الفئتين المذكورتين داخله ضرورة هي أيضاً بالرغم من حساسيتها، لأنها أيضاً تمنحنا فرصة لتجربة جديدة قد يكون فيها النفع لمستقبل الأمة ، ما دام الأمر كله في النهاية محدودًا بكتاب الله تعالى وصحيح سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإن علينا ألا نتسرع في ردّ آراء هذا الاتجاه ، كما لا ينبغي قبولها بسرعة دون نقاش ونقد دقيقين، فالمسألة متعلقة بحياة الأمة برمتها.
3- الاتجاه الثالث : إصلاح مناهج الفكر وإسلامية المعرفة:
لا توجد خلافات كبيرة بين هذا الاتجاه والاتجاه السابق في إحدى فئتيه، لكن تشخيص الأزمة في هذا الاتجاه ، تولد عنه مفهوم أكثر تحديداً للاجتهاد، ولهذا فقد أفردناه في اتجاه مستقل.
في هذا الاتجاه ينظر إلى أزمة المسلمين على أنها ليست أزمة تتعلق فقط بتراثهم أو بواقعهم الخارجي، بل هي أزمة أكبر من ذلك ، هي أزمة تتعلق بالحضارة الإسلامية برمتها، وتتلخص في أن فقدان السيطرة على الواقع وتوقف الإبداع الفكري والتقدم المادي لدى المسلمين يرجع إلى أسباب تاريخيّة ، ليس بمعنى التاريخ التقليدي ، بل بمعنى أن التحولات التاريخية المعقدة في العقل الإنساني وتركيبه الاجتماعي وتطور العلاقات الإنسانية وتغيير منطق الحياة اليومية مع ولادة تكنولوجيا تتحكم في كل لحظة بحياة الإنسان ، والتقدم المثير في المعرفة أصبحت المدارس الفكرية الإسلامية المترشحة عن جهود السلف في وضعها الحالي عاجزة عن التحكم بهذا الواقع ، وتغييره طبقاً لمقتضيات نصوص الوحي الكريمة ، أي أنها أصبحت مستنفدة تاريخياً، فالأزمة وجدت في ظل هذه المناهج والمدارس التقليدية (لا يقصد بهذه الكلمة هنا التبخيس ) هذا من جهة ،
ومن جهة ثانية فإن هذه الأزمة التي وجدت فيها المنهجية الإسلامية « التقليدية » سمحت للمتعلمين من أبناء المسلمين أن يستلبوا للغرب بسهولة ، وهكذا فإذا كان علينا أن نخرج من هذا المأزق فإن علينا أن نعيد إصلاح مناهجنا الإسلامية وفلترة المعرفة الغربية من العقائد الكامنة والخفية خلفها ، وجعلها منسجمة مع الإسلام، ولإنتاج المعرفة اعتمادًا على منظور إسلامي ، وهو ما أطلق عليه « إسلامية المعرفة »، ويمثله إجمالاً المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، لكن المشكلة المهمة هنا أن الحديث عن « إسلامية المعرفة » يوهم بتجاوز الحياد العلمي ، وهو ما أثار موجة كبيرة من الانتقاد في نهاية الثمانينيات تجاه هذا المشروع ، ولا بد من الاعتراف بأن قدمت هذه الفكرة التي يؤمن بها عدد لا بأس به من المفكرين قدمت حركة نقدية كبيرة للعلوم الإسلامية المعروفة ومحاولات عديدة لبناء علوم جديدة في إطار العلوم الإنسانية منها مثلاً : « علم الاجتماع الإسلامي، علم النفس... الخ». ولكن العيب الذي أثار حفيظة المهتمين بقضية « التجديد » عموماً، هو أن هذه الفكرة قدمت كثيراً من التفكيك (إذا جاز استعارة مصطلح جاك دريدا) مقابل قليل من البناء ، لكن ذلك في كل الأحوال لا ينفي أن يكون هذا المشروع طموحاً، وهو يصب في النهاية في « الاتجاه الثاني » المذكور آنفاً.
هذه هي الاتجاهات الرئيسية في الفكر الإسلامي المعاصر ، في نظرياتها « التجديدية » ومن الواجب الإسلامي أن ننظر إليها بعين « الاختلاف» المشروع الذي لا يضر في أصل الدين، والدينونة لله سبحانه وتعالى، والواجب أيضاً ألا يؤخذ شيء منها قبل أن يتم حوله كثير من البحث والتدقيق والنقاش والنقد والضبط.

تبقى نقطة أخيرة، ينبغي الإشارة إليها، وهي تتمثل في أن هذا المصطلح «التجديد» الذي نستطيع وصفه بالثوري، كان - ولا يزال - يتم استغلاله للعبث بمفاهيم الدين، ونحن نجزم بأنه لو لم يكن هذا المصطلح موجوداً لاستُغلَّ مفهوم الاجتهاد وفي كل الأحوال يفترض أن نكون على حذر من الخلط بين تجديد الإسلاميين وعبث بعض العلمانيين تحت عباءة التجديد.

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري