الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تأمـلات حول المـرأة

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:29/07/2001
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
4815 1 538
ازداد الحديث حول المرأة في هذا العصر، وكثرت المؤلفات التي تـناولتها وجعلتها ساحة لدراساتها، فتفننت في وصف المعاناة التي تواجهها المرأة اليوم.

ومع هذه الظاهرة وهذا الاهتمام ظهرت مصطلحات جديدة قُرنت بهذا الموضوع منها مشكلة المرأة، أزمة المرأة، إشكالية المرأة، قضية المرأة، تعبيراً وتعريفاً بالعنصر الذي سموه أيضاً بالجنس اللطيف.

ومع ذلك الاهتمام فإن أوضاع المرأة وواقعها مايزال يسير بشكل معاكس بما يوحي به هذا الاهتمام، وكأن واقع المرأة لا يزال هو الواقع نفسه الذي تحاول هذه المؤلفات التغيير فيه، هذا إذا لم يكن قد ازداد تدهوراً.

فالمرأة بالرغم مما يحشد من نصوص الكتاب والسنة لإقناعها بما منحها الإسلام من مكانة لا تقل عن مكانة الرجل، لا تزال مهزومة من الداخل ومن الخارج ، ولا تزال تشعر بالضعف والانكسار وعدم القدرة على تحقيق الذات .

وقد يضيق صدر البعض بهذا الذي أتقدم به، و قد يظن الكثير من الرجال أن شريكته وأمه أو أخته لا تعاني من هذه المشاعر وهذه الآلام وهي تحظى داخل الأسرة وخارجها بنصيب وافر من الاحترام والكرامة .

ويحسن هنا أن نذكر أن هناك عاملاً مشتركاً بين جميع النساء يقرب بينهن ويربط بعضهن ببعض ، وهو أن الله تعالى وهب المرأة من الأحاسيس والشفافية ما يؤهلها للقيام بوظيفتها ودورها كمربية وزوجة على أحسن وجه وأكمله. إنها تحنو على رضيعها فتستوحي و تفهم من بكائه وابتسامته ما يزعجه وما يسعده، وتتعامل مع زوج قد لا يعبر عن أحاسيسه ومشاعره بنفس النمط الذي تعبر هي به، ومع هذا لا تعجز عن تلبيته والتعاون معه. وكذلك فإن من طبيعة تكوينها وتركيبها أنها تتأثر بما يشعر به غيرها من النساء، أو بما تروجه الثقافة من حولها، ولا يصرفها عن ذلك ما يحيطها به الزوج أو الأسرة من تقدير واحترام.

إن الأسئلة التي تتبادر إلى الأذهان - ولعلها تـلقي بعض الضوء على أسباب معاناة المرأة - هي:
- لماذا لم تؤت هذه الكتابات الكثـيرة عن المـرأة أكلها؟
- وما هي العوامل التي جعلت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة واقعاً انتفع به أسلافنا في صدر الإسلام ؛ وواقعاً تخرجت منه نساء تركن بصماتهن على صفحات التاريخ ؟
- ما هي الجسور التي هدمت فحالت بين المـرأة وبين الانتفاع من هذا الماضي المشرق ؟

وعند المراجعة للكتابات التي اهتمت بموضوع المرأة نستطيع أن نميز منها صنفين:
الصنف الأول: اهتم بتجميع الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي توضح وتدل على منزلة المرأة في الإسلام وما تحظى به من حقوق وامتيازات .
غير أن هذه الأعمال تبدو أحيانا وكأنها للتباهي والتفاخر، أو أنها مجرد سرد بهدف رفع معنويات هذا المخلوق الرقيق، المرأة التي كثيرا ما تظلم عمداً أو عن جهل، بالرغم من منزلتها ابنة بارة، وزوجة صالحة، وأماً تتحلى بأجل خصال الإيثار والعطاء.
وتتجاهل هذه المؤلفات التطورات التي مر بها واقع المرأة منذ بداية رسالة الإسلام إلى يومنا هذا، الذي أصبحت المرأة فيه واحدة من اثنتين:
إما جاهلة جاحدة لا تدرك دورها ورسالتها، وإما امرأة مسترجلة (كما أطلق عليها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله) تنافس الرجل خصائصه.

إن رسم التطورات لوضع المرأة يستلزم بيان العلاقة بين الإنسان وقيمتين، الأولى ثابتة لا تتغير عبر الزمان والمكان: قيمة كرمه الله بها منذ خلق آدم عليه السلام، وتتمثل في الامتيازات التي حباه الله بها من حرية واختيار وكرامة نفس وعقل.
وأما القيمة الثانية: فهي قيمة اجتماعية تتغير مع الزمان والمكان ، ومن عصر إلى عصر، ومن أمة إلى أخرى ، فهذه القيمة يستلهمها الفرد من ظروف الحياة التي يعيشها، ومن مدى حماية مجتمعه للامتيازات التي منحه الله إياها.
وخلاصة العلاقة ما بين القيمتين أنه كلما ارتفعت القيمة الاجتماعية للفرد وزادت الضمانات التي تحمي امتيازات الإنسان ليقترب من تمثل وتحقيق القيم الثابتة، كلما استشعر هذا الفرد ـ رجلا كان أم امرأة ـ قيمته الذاتية النفسية والروحية والمادية، والعكس صحيح.

وهنا يبدو جليًا أن سبب شعور المرأة بالانهزام وعدم تحقيق الذات ليس راجعاً إلى قبول أو رفض النصوص التي كرمتها، بل إلى طبيعة علاقة المجتمع بهذه النصوص، وأن رصد هذه العلاقة هو الذي سييسر على الدارس تصحيح الواقع طبقاً للمبادئ القرآنية.

وأما الصنف الثاني من الكتابات:
فهي التي تناولت المرأة وكأنها عنصر مستقل عن باقي المجتمع، وصوّرتها في صراع دائم مع عناصر المجتمع الأخرى، ولا يفترق في ذلك من أراد انفتاحا كاملا وتقليدا أعمى للغرب، ومن شدد على هذه المرأة حتى كاد أن يخنقها، وبرهن على أن الغلو يولد الغلو، وكأنه يدفعها في كثير من الأحيان إلى مثل ما أراد لها الطرف الأول، وجعلها بذلك تهرب من واقعها وتلهث وراء الغرب.

فإذا دققنا النظر أدركنا أن معاناة المرأة إنما تنبع من معاناة مجتمع بأكمله، فما الرجل والمرأة إلا صورتين لموضوع واحد وهو الإنسان .

إن مرضنا واحد، ومن طور إلى طور قد تختلف الأعراض التي تبدو على الرجل والمرأة من فكر عقيم واضطرابات أسريّة وأزمات أخلاقية غير أن الجرثومة واحدة.

إذن، يجب أن يكون الحل لمعاناة المرأة منسجماً مع الحلول للمشكلات الاجتماعية الأخرى، ضمن برنامج حضاري شامل، فما أفلست المرأة إلا عندما أفلس المجتمع بأكمله، ولن يكون هناك حل إلا إذا بعثنا الأمة جمعاء لتسير في الاتجاه الصحيح.

يقول الأستاذ مالك بن نبي في هذا الإطار:
"يجب ألا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع مستوى المرأة ذاتها، أي بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري". وقد فهم الغرب هذا الأمر بعد أن ظل يتحاور عقودا طويلة حول موضوع المرأة ويتساءل: هل المرأة كائن مثل الرجل ؟ هل لديها روح ؟
هل يحق لها مثل ما يحق للرجل ؟ هل تحتاج إلى مثل ما يحتاج الرجل ؟
ووصل إلى قناعة بأن النظرة إلى المرأة على أساس أنها عنصر مستقل عن جوهر المجتمع لم تعد تخدم غاياته ومصالحة. فمنحها مساواة صورية بغض النظر عن مدى صلاحية أو بطلان هذه النتيجة مما أدى إلى عرقلة أو منع الدراسات الدقيقة التي تبعث عن طبيعة الفروق بين المرأة والرجل واعتبرها فروقا شكلية لا وزن لها في توزيع الأدوار.

ولا يصعب على المتأمل أن يجد الكثير من الأمثلة لحلول استهدفت رفع مستوى المرأة دون النظر في البعد الاجتماعي لهذه الحلول، كيف أصبحت قاصرة عن خدمة ورعاية مصالح المجتمع، وكيف يضطر القائمون على هذه الحلول إلى التخفيف من مستوى التدريب المطلوب والتغاضي عن الخصوصية الفيزيولوجية والنفسية للنساء من أجل منحهن حقاً موهوما بالمساواة في أن يلجن كل الميادين. وفي هذه الظروف تنعكس النتائج على سلامة المجتمع بأكمله بحيث يصبح مستوى التأهيل والتدريب دون المقتضيات التي تتطلبها المسؤولية فيتحول الأمر إلى تهديد لمصالح المجتمع.

فالأجدى إذن، رعاية لمصلحة المجتمع، الاعتراف بعدم صلاحية النساء لبعض المسؤوليات من أجل المحافظة على مستوى الاستعدادات اللازمة لمجابهة جادة للمهمات و عدم الانخداع بالواجهات الدعائية.

إن المرأة ستبقى مشكلة قائمة ما بقينا ننظر إليها على أنها عنصر مستقل، وما لم نبحث عن توجه ينسجم وباقي الفعاليات الاجتماعية.

إن الكتب التي لم تصور المرأة على أنها جزء من المجتمع، تكون كمثل الذي يعالج اليد وكأنها ليست عضواً من أعضاء كيان واحد، إن سلامة اليد – وإن كان لها بعض الحاجات الخاصة بها كتقليم الأظافر مثلاً – تعود إلى ممارسة أسباب سلامة الجسد كله، فإن ضعف الجسد أو ضعفت الصلة بينها وبين باقي الأعضاء فإنها بدورها يصيبها الوهن والضعف.

فإذا أردنا أن تنتصر المرأة في المعركة ضد المعاناة وضد الشعور المحيط بعد تحقيقها لذاتها فإن علينا أن نجابه الوضع على أساس نظرة شمولية، وعلى أساس أنه أزمة مجتمع وليس أزمة عنصر أو جنس دون الآخر. ومن ثم فإن علينا أن ندرك الجانب الفكري والثقافي المتسلط على المجتمع عامة والمتسلط عليها بالتالي، وأن نعي ما أوضحه الشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه عندما قال: إن " التخلف النفسي والذهني لا تصاب به الأمم بغتة، وإنما يجيء بعد أمراض طويلة ولا تجد من يحسن مداورتها".

ولعل من المهم أن نذكر هنا أن هذه العوامل المسيطرة على المجتمع وبالتالي على المرأة، ليست منفصلة، ولكننا نفصلها لكي نبين أهميتها على حدة. وقد يحتاج بيان هذه الأمور إلى تفصيل طويل، ولكن حسبنا أن نذكر هنا بعض المعالم المهمة التي جعلت المرأة تفقد ثقتها بنفسها، الأمر الذي حال بينها وبين شعورها بتحقيق ذاتها.

ونشير هنا أن اهتمام هذه الدراسة بالعوامل التي جعلت المرأة تشعر بعدم تحقيق ذاتها، لا يهدف إلى الحصر والتحديد لمجالات المعاناة، فإن أوجه القلق والتخبط الذي تعيشه المرأة كثيرة ومتعددة ، ولكننا تناول بعض الأمثلة للتوضيح. فما هي هذه العوامل التي سيطرت على البناء الفكري والثقافي للمجتمع؟

أولا: الجهل
علينا أن نستوعب أن الجهل ألوان ، جهل بمعناه البسيط ، وجهل مركب . ومكافحة الجهل البسيط والتغلب عليه أقل صعوبة من النوع الثاني ، لأن صاحبه يدرك هذا النوع من النقص الذي يحمله. أما الثاني فإن صاحبه لا يدرك حقيقة وضعه، إما لأنه يحمل أوهاماً يظنها علماً، أو أنه مصاب بآفة " تكديس المعلومات " أو " تخدير الدماغ "، أي أنه يحمل جرثومة تجعله عاجزاً عن تحويل معلوماته إلى برنامج تطبيقي ، وبالتالي تؤدي به إلى مضاعفات أشد خطورة من عدم امتلاك المعلومات ، إنه باكتسابه لهذه المعلومات التي أفرغت من فعاليتها يصل إلى تناقض داخلي يفرز عدم ثقته بنفسه وبالعلم فتسيطر عليه الأوهام التي تجعله أداة لخدمة أهوائه ومطية لغيره .
إن مثل هذا الجاهل يغيب عنه الفرق بين الجهل وحقيقة العلم، فينسى أن العلم إنما هو من أجل الإقرار بالعبودية لله وتسخير الكون لأداء رسالة، وليس من أجل تحصيل ورقة أو شهادة يطبع منها نسخ كثيرة بينما يربط صاحبها بالعلم خيط واه ضعيف ، ينقطع يوم تنقطع صلته بمعاهد الدراسة، وبالتالي يخرج من العلم دون أن يهضمه ليتشبع به عقله أو يتمثله سلوكه.

وهذا النوع من الجهل المركب هو الذي تسرب إلى المرأة اليوم، فهي التي تطمح إلى تحصيل شهادة يقدرها مجتمع لم يعد يعي مسؤولياته، وكثيراً ما يشجع حركة لا تتقدم به إلى الأمام، بل وكثيراً ما تسير به إلى الوراء.

فالفتاة اليوم كثيراً ما تجهل طبيعة دورها ورسالتها في رعاية المجتمع فتخطط – إن خططت – لحياتها دون مراعاة إمكانياتها وغايتها. ولكن طبيعة الحياة ترفض هذا التحدي فيصدمها الواقع بخسائر حين لا تستطيع تحقيق أهداف كانت قد بنتها على أساس من الخيال والأوهام وبالتالي تصاب بخيبة أمل ترهقها بالشعور بعدم تحقيق ذاتها.

ثانياً: الأفكار المستوردة
لن نبحث هنا فيما إذا كانت هذه الأفكار تصدر إلينا من خلال غزو فكري شديد، وبأساليب شتى من مسارب جلية أو خفية، أو أننا نحن بمحض إرادتنا نختار أن نستعير أفكاراً من خارج إطارنا الفكري والثقافي لنسد به فراغاً لا بد أن يملأه شيء ما. مع أن الكثير من هذه الأفكار المستعارة لا يمكن أن تتعايش أو تتفاعل إيجابياً مع باقي الأفكار السائدة، فينتج عن هذا خليط غير متجانس يحمل جاهليات أو أمراض شعوب أخرى تزيد رؤية الأمة - والمرأة جزء منها - غبشًا وحيرة، ونشير هنا إلى أن فشل الأفكار المستوردة قد يعود إلى أحد سببين:

إما أنها أفكار لم تلق نجاحاً في أرضها فتوج فشلها بإعلان موتها واستبدال أفكار جديدة بها، غير أن غيابنا عن ساحة الأفكار حال بيننا وبين حضور موكب جنازتها فبقينا مفتونين بها..
وإما أنها أفكار صالحة داخل أجوائها الأصلية حيث تحظى بشبكة علاقات تغذيها وتحميها، بينما تتحول إلى أفكار ميتة في بيئة جديدة تحرمها من المقومات الأساسية لحياتها.

فلكي تقوم الاستعارة على أساس سليم، لا بد أن تتم وفق منهج يحمي علاقات أساسية ثلاث، بشكل يؤمن ترابط الفكرة المستعارة:
أولاً - مع باقي الأفكار التي تشكل الإطار الثقافي والفكري في البيئة الجديدة، بحيث لا يكون هناك تعارض يؤدي إلى انعدام فاعلية الفكرة أو تأثيرها تأثيرا مضاداً.

وثانياً - مع الأشياء التي تخدم هذه الفكرة وتساعد في تحقيق نجاحها.

وثالثا - مع الأشخاص، أي أنها تكون فكرة تخدم غاياتهم وتحترم قيمهم.

وعلى سبيل المثال ، عندما استعارت المرأة المسلمة من المرأة الغربية زيها الذي يبدي جسمها بدل أن يبدي إنسانيتها قامت باستعارة مشؤومة تتحدى هذه العلاقات الأساسية الثلاث ، وهذا الزي إنما يخدم غايات العالم الغربي الذي يبحث عن المتعة الآنية، والذي يعاني من أنانية جعلت المرأة تطرق باب رزقها مستعينة على ذلك بمفاتنها.

وبالمقابل فإن هذا الزي يشكل خطراً على الامتيازات التي تتمتع بها المرأة داخل الأسرة في المجتمع الإسلامي الذي زاده هذا الزي تدهورا وانحلالا ، ومن ثم فإن الاستعارات العشوائية التي لا تقوم على أساس من التخطيط والدراسة والبحث الجاد تشكل خطراً يهدد الأفراد بالقلق والأمة بالضياع.

إن هذه الحقيقة رغم وضوحها لا تزال غائبة عن أذهان حبيسة التبعية، والمرأة وسط هذه الأمواج المتلاطمة من الأفكار المستوردة التي لا تميز بين الغايات والوسائل لن تجني سوى خسائر مادية ومعنوية، وعند تطبيق هذه الأفكار فيكون الفشل حليفها، فتشعر أنها لم تحقق ذاتها وتلوم الواقع وتنسى أن الأفكار المستوردة هي سبب فشلها.

ثالثاً: المطالبة بالحقوق وإهمال المسؤوليات :
إن الحديث عن الحقوق أصبح قاسماً مشتركاً بين المرأة والرجل ، فكلاهما يحفظ مجموعة شعارات تستهويه وكلمات رنانة تعده بأمنيات بعيدة عن الواقع.

والحقوق في الحقيقة ليست إلا ثمرات تأتي نتيجة حتمية لأداء الواجبات ، وهذه العلاقة هي التي أوضحها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بقوله:
{ وعدَ اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين مِن قبلهم وليُمكننّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم وليُبدِّلنّهم من بعد خوفِهم أمنا}النور:55 وقوله عز من قائل:
{ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتيَ التي أنعمتُ عليكم وأوفوا بعهدي أُوفِ بعهدِكم وإيّاي فارهبون }( البقرة : 40 )
ومن هاتين الآيتين وغيرهما يبدو جليا أن الله أمر الناس بتكاليف إن صدقوا في أدائها تكفل الله لهم بحقهم.
وهذا أيضاً ما يقوله ابن عطاء الله الإسكندري في العلاقة التي تربط بين الواجب والحق:
" اجتهادك فيما ضَمِنَ لك ، وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك "
أي إن انشغال الإنسان بحقوقه عن واجباته لن يثمر أبدا، وتلك هي سنة الله في عباده، وهكذا كان مبدأ الأنبياء، ومبدأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشّر أصحابه بالجنة إن أدوا واجباتهم وأخلصوا فيها. ومن المؤسف أن منطق العصر قلب هذا المفهوم، فأهمل مبدأ الواجبات فيما أقر مبدأ السهولة، مبدأ المطالبة بالحقوق.

ولعل من هذا القبيل منطق الحملات الانتخابية حيث يعتمد نجاح المرشحين فيها اليوم على وعود قلّ ما تتحول إلى واقع .
وفي ظل هذا المنطق أيضا ظهرت في البلاد الإسلامية الحركات النسائية التي تزعم السعي لتحرير المرأة، والتي استهوت المرأة وسلكت بها سبيل الأماني فأغرتها بحقوق موهومة وأنستها واجبًا أساسيًا، ألا وهو ممارسة حرية الإرادة والقرار ممارسة سليمة تراعي مصالحها ضمن مجتمع بأكمله، وتضمن لها الطمأنينة التي تخلصها من القلق.

ومما يشهد على ما نقوله أن المرأة حين خاضت غمار هذا المنطق الأعوج وآمنت به خسرت أكثر مما ربحت ووقعت في الاضطراب، مثلها في ذلك كمثل قرينتها في الغرب التي تطالب أن تعامل في ساحة العمل على أساس كفاءتها لا على أساس أنوثتها، وأن تمنح مقابل عملها مثل ما يمنح الرجل.
ومن الثابت أنها لن تنال هذا الحق كاملا إلا إذا انتقص منها في مجال آخر، ما دامت تبدي مفاتنها وما دامت لم تقم بواجبها فتصلح من حالها وتخرج ضمن حدود زي يجعل العامل إلى جانبها يراها على ضوء ما تقدمه من خدمات لا على أساس ما تعرضه من زينتها ومفاتنها.

إن الواجبات والحقوق سلسلة متواصلة، فمسؤولية الزوج هي حق الزوجة ، ومسؤولية الزوجة هي حق الزوج .. وهذه السلسلة هي التي تمكن من بنيان مجتمع راسخ على أيدي أفراد يوازنون بين الواجبات والحقوق . وما دامت المرأة تسلك طريق المطالبة بالحقوق فإن خسائرها ستتفاقم حتى إنها ربما أضاعت ما تتمتع به من امتيازات ... فيزيدها ذلك شعورا بالقهر والانكسار وبعدم تحقيق ذاتها.

رابعاً : سيطرة المادية على النفوس من المؤسف أن الثقافة في اتجاهها نحو العالمية أو ما أطلق عليه " القرية العالمية " أصبحت ثقافة يطغى عليها طابع الغرب الغالب، فكما يقول ابن خلدون " المغلوب يتبع الغالب ". ولقد سيطر على واقع العالم اليوم المذهب المادي الذي يسعى لتحقيق المتعة الآنية ولامتلاك الرفاهية.

وثقافة الغرب اليوم، بانصراف المسلمين عن ساحة الأحداث، أصبحت ثقافة (اللذة والرفاهية) وتنتشر عبر الوسائل الدعائية من إعلام ومجلات وأفلام ومغنين ومغنيات وغير ذلك. ولقد غيرت هذه الثقافةُ المرجعيةَ، من مرجعية قيم أخلاقية إلى مرجعية استهلاك، حتى أن الفرد نفسه تحول، ضمن هذه الثقافة، إلى سلعة استهلاكية فلم يعد الكون يسخَّر لخدمة الإنسان وإنما الإنسان يسخر لخدمة المادية التي تقوم على المنفعة والرغبات النفسية ولم يعد الفرد يقاس بما لديه من قيم وما يتمثل من سلوك، أي إنه لا يقاس وفق مبدأ " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " بل أصبح يتصور واقعه وقيمته وفق ما يمتلك أو يستهلك من منتجات. وقد أفرزت هذه الرؤية المادية القائمة على أساس المنفعة عواقب خطيرة أهمها بالنسبة لموضوعنا تغيير مفهوم العمل. إن كلمة (عمل) بمفهومها البسيط تعني أن يسلط الإنسان جهداً للقيام بنشاط ما، ولكي ندرك هذا التعريف وعلاقته بموضوعنا علينا أن نحلل العناصر التي يجب أن تتوافر من أجل القيام بعمل إيجابياً كان أم سلبياً:
أولا : الإنسان الذي سيقوم بالجهد .
ثانيا : الأداة التي يستخدمها من أجل تحقيق نشاطه .
ثالثا : الخبرات والمعارف التي ستساعد في تحقيق النشاط، أي الطريقة لتحقيق العمل.
رابعا : المبرر والدافع للقيام بالعمل.

فإن اختفى واحد من العناصر الثلاثة الأولى أصبح العمل مستحيلا، وإن انعدم المبرر أو نقص أصبح العمل عبثا.
والمرأة اليوم بسبب الغزو الثقافي تعاني من نقص في العنصر الرابع الذي هو المبرر، وذلك لأنها تعيش ثقافة مادية طغت على العقائد والأخلاق فأحالت العمل إلى مفهوم ضيق المساحة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائد المادي بعد أن كان مفهوماً واسعاً، أي كما ورد في القرآن الكريم. فبعد أن كان الفرد يبحث عن عمل صالح يجمع بين بعدين، البعد الأخروي الذي يصنعه المبرر ويرسي له دعائم التوازن والبعد الاجتماعي، أصبح اليوم لا يبحث إلا عن عمل يضمن له بعدًا فرديًا ماديًا إن لم يحصل عليه وقع في الاضطراب وأرهقه شعور الفشل وعدم تحقيق الذات.

وهذا ما يلخص شعور المرأة خاصة إذا لم تساهم في الدخل المادي للعائلة بسبب طبيعة مسؤولياتها الأخرى كأم وزوجة معطاء .

وأخيراً ، فقد أردنا من خلال هذا البحث أن نرد موضوع المرأة إلى بعض أبعاده الاجتماعية الصحيحة، وربما كان هذا الجهد خطوة في اتجاه الحل السليم. كما أردنا أن لا ينظر إلى المرأة على أنها بريئة من الاتهام، فالواقع يشهد بأن كل فرد من أفراد المجتمع يحمل بعض المسؤولية فيما نعيشه اليوم. فلا شك أن الأفراد يؤثرون في الثقافة، كما أن الثقافة تؤثر في تكوين الأفراد. والمرأة لأهميتها و خطورتها الاجتماعية أصبحت تشغل مساحة كبيرة.

المرجع: alrashad.org




مواد ذات الصله



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق