الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وكان القرار الأخير

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:13/08/2001
  • التصنيف:فنون الأدب
  •  
1268 0 532

لم تكن تلتفت كثيراً إلى تحفظات النساء على ركوبهن سيارة أجرة ، لتوصيلهن إلى ما يردن ، كانت تستخف بتلك الروايات المأساوية التي يتناقلنها عما يحدث لراكبات هذه السيارات 
كانت تصر على أنها حكايات أسطورية من زمن كانت الشوارع فيه خالية من النساء والحركة الدائبة ، إنها يمكنها الآن أن تقلهاسيارة أجرة إلى أي مكان تريد ، فهي تحفظ المنطقة جيداً ، ولا يمكن للسائق أن يخدعها ، وينحرف بها إلى طريق مخالف لما تعرف ، تنظر إلى صويحباتها ممن على شاكلتها ، في التحرك دون التعويل على زوج كثير المشاغل ، فتطمئن إلى ما تفعل ، لكنها لا يمكن أن تنسى وهي في سيارة الأجرة أثر الأحاديث الأسطورية في نفسها ، تنظر إلى مقبض باب السيارة الذي يفتحه ، فتتنفس الصعداء : إنه ليس من النوع (الأوتوماتيكي) الذي يستطيع السائق أن يسيطر عليه وحده ، تطمئن إلى إمكان فتحها للباب مستغيثة إذا حدث شيء لا قدر الله ، تزداد مخاوفها حين لا يكون معها أحد أطفالها ،

لماذا هذا الرعب يتملكها ؟! الأحاديث الأسطورية تزداد كل يوم ، ولكن حاجتها لسيارة الأجرة لم تنته ، لقد استجد في حياتها ظرف يحتم عليها أن تقلها سيارة بشكل متكرر وربما دائم ، فلتضرب عرض الحائط بتلك الأحاديث ، الوضع اختلف ، والظروف تغيرت ، والطرق معروفة ، الدوريات الأمنية تنتشر في كل مكان ، فلم الخوف إذن ؟! 00
عادت لركوب سيارات الأجرة من جديد ، ومع تكرر ذلك خفت حدة التخوف ، فلا يمكن أن تقف حياتها ، فللأسرة ضروراتها واحتياجاتها ، والمجتمع بأسره مسلم مائة بالمائة ، والمكان طيب مبارك ، فكيف لا يلقى بظلال الأمن والأمان على ساكنيه ؟ وكيف لا يتورع العصاة عن معاصيهم عند تذكـر حرمـة المكان ؟
هاهي تقف سيارة من أمام الحرم إلى البيت ، إنها تعرف جميع الطرق المؤدية إليه ، وكلها طرق مطروقة آمنة ، في منتصف الطريق التي تعرفها عرج السائق على نفق ، إنها تعرفه جيـداً ، وما أكثر ما طرقته ، وافقت السائق على اختصـار الطريق منه، بمجرد أن عرج إليه ، كأنما أختلف الزمان والمكان ، بل هما بالفعل كذلك ، فالنفق مهجور في غير شهر رمضان ، لا تكاد تقابلها سيارة دوريه أمنيـة ، الطريق بعد النفق ساكن ممتد بين جبلين لا تكاد تعرفهما من شدة ظلمتهما 00لا أحد يسير على الإطلاق ، لا سيارة تمر ، كل شيء ساكن هامـد ، إلا قلبها المضطرب الواجف من شدة ما اعتراها من خوف ورهبة ، تنظر إلى السائق ذي العقود الستة ينظر في المرآة يعبث بشاربه الأبيض ، تحدث نفسها إنه مسن لا يقدر على شيء ، إنني على استعداد أن أغالبه ، سأصرخ بأعلى صوتي ، ولكن من ذا سيسمع صرختي في هذا الوادي السحيق ؟!.. 
آه لقد أخطأت في تقدير الأمور ، كيف لـم تـردعني الأحاديث الأسطورية ، كيف تصورت الأمـان إلى هذه الدرجة ؟!00
آه ما أسوأ المصير الذي خططتـه لنفسي بجرأتي وعدم اكتراثي بحكايات الآخرين!
أواه يا ليل كم أنت مظلم ، أواه يا طريق كم أنت طويلة ، تضع يدها على قلبها ، إنه يكاد ينخلع من بين ضلوعها خوفاً ورعباً 00 تتلفت ذات اليمين وذات الشمال ولا أحد ،
آه كل الظروف مهيأة لهذا الشيخ أن تراوده نفسه أو يراوده شيطانه ، بدأت تستعيد نفسها : إنه لا ملجأ ولا مهرب إلا إلى الله ، غالبت الخوف ، نازعت الظلام المطبق من حولها ، والصمت الرهيب ، استعادت أنفاسها ، لملمت أطرافها ، توجهت إلى الله بكل ذراتها ،أستغفر الله العلي العظيم وأتوب إليه ، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، مدت يدها إلى مسبحتها أمسكت بها ظلت تذكر الله مستغيثة ، أدركت أنه لا نجاة إلا بالله ، أيقنت أنه ليس في كل الأحوال قد تغامر المرأة ، فالمرأة هي المرأة مهما أوتيت من قوة ، هي تلك الضعيفة ، التي لا تقوى إلا برجل أخاً كان أم زوجاً أم ابناً ، عماً كان أو خالاً المهم رجل من ذوي محارمها تأنس إليه ، وتطمئن بجواره 00رويداً رويداً بدأ الظلام ينقشع ، والأنوار تتبدى ، لقد دلفت السيارة إلى الطريق العام الموصل إلى البيت وهاهي تستشعر الأمان ، تستبطئ البيت ، تستعجل مؤشر سرعة السيارة ، توقفت السيارة بعد وصولها إلى مرفئها ، تفتح الباب تطلق ساقيها للريح تجلس هامدة على أول مقعد ، تسترخي بجسمها الذي أرهقه الخوف والاضطراب 000   تسألها بناتها : ماذا بك يا أماه ؟! تجيب في دعة وتسليم 00 لقد كان الدرس بليغاً بل مريراً فما أحوجني إلى الراحة !! بل إلى سيارة خاصة يقودها ولدي !! 

مواد ذات صلة



تصويت

فيروس كورونا أربك العالم كله، وفي الابتلاء به كثير من الدروس والعبر، فأي درس تراه أهم:

  • الأمر كله لله فعلينا أن نعلق القلوب به، ونعود إليه.
  • تقوية المنظومة الصحية في كل بلد.
  • أهمية النظافة والوقاية والأخذ بالأسباب.
  • أهمية التكاتف والتعاضد بين العالم كله للقضاء على مثل هذا الوباء
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

فنون الأدب

غدًا .. سيأتي الصباح !

يا جراحي ..لا تجزعي يا جراحي .. .. هي روحي وجنّتي والأقاحيهي عمري ..وهبت عمري فداها .. .. لا تبالي إن أُفرِغتْ أقداحيعللّيني أموت فوق ثراها .. .. واحضنيني في سهلها والبطاح وَدَعيني ما بين نورٍ وظلٍّ .. .. أحتويها في أضلعي وجناحيواحمليني...المزيد