الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكاية رجل "عاجز" صاغ الصحوة الإسلامية في فلسطين!

حكاية رجل "عاجز" صاغ الصحوة الإسلامية في فلسطين!
682 0 228
لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين في واقع الحال مجرد مؤسس لحركة المقاومة الإسلامية (حماس), كما يمكن أن يقال مثلاً عن تأسيس ياسر عرفات لحركة فتح أو جورج حبش للجبهة الشعبية, أو أحمد جبريل للقيادة العامة؛ لأن الشيخ لم يؤسس فصيلاً فلسطينياً مقاوماً فحسب, بل أسس لصحوة إسلامية شاملة في المجتمع الفلسطيني. وهنا يمكن القول بكل بساطة: إن الشيخ لم يكن الأب الروحي والعملي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) فحسب, بل الرجل الذي أسس وصاغ الظاهرة الإسلامية في فلسطين.
لتوضيح ذلك لا بد من العودة عقوداً إلى الوراء حين بدأ الشيخ عمله الدعوي والاجتماعي, وتحديداً في أوائل الستينيات, وكان في مطالع العشرينيات من عمره. في تلك الأثناء كان التدين غريباً على المجتمع الفلسطيني, ومحصوراً - إلى حد كبير - في العجائز والكهول, فيما كان المد الناصري المصطدم ببضاعة "الإخوان" هو السائد, واكتمل المشهد بصعود (فتح) بخطابها العلماني إلى حد ما, ومعه مد اليسار والثورية اليسارية بطبعاتها المختلفة التي أفرزت بعد ذلك عدداً من "الجبهات" التي تناسلت تباعاً.
هنا, كان على الشيخ أن يبدأ من الصفر, ومن المسجد على وجه التحديد, وإلى جانبه بعض النشاطات الدعوية المرافقة, فيما كان يجد بعض المدد المالي من "إخوانه" الذين فروا من بطش "الناصرية" وتيسّرت أحوالهم في السعودية والخليج.
لبنة إثر أخرى, شيّد الشيخ بنيانه, وفيما كانت تهم العمالة تلاحقه بسبب إحجامه عن الدخول في ساحة الفعل المسلح خلال النصف الثاني من السبعينيات حين أصبح رقماً في المعادلة الاجتماعية والسياسية, كان الرجل ينتظر لحظته المناسبة, ليبدأ في عام 1982رحلة الإعداد التي كشفت في العام التالي, لتضعه في السجن بحكم لثلاثة عشر عاماً ومعه ثلة من إخوانه.
في هذه اللحظة خرج الشيخ من فضاء غزة التي عرفته منذ سنوات إلى فضاء فلسطين, بل إلى فضاء أوسع عربياً وإسلامياً, وذلك حين وقف بكرسيه المتحرك خلف قضبان المحكمة, فيما القاضي الإسرائيلي يوجه له تهمة تأسيس تنظيم يعمل على "تدمير دولة إسرائيل"... هكذا بالنص!.
كان المشهد مثيراً, فقد تعود الناس على مثل هذه ""الحالة الإنسانية الخاصة" على أبواب المساجد تتسول لقمة العيش, أو في ملاجئ العجزة, وفي أحسن الأحوال بين الجدران عندما يكون الأهل في حالة يسر مالي. أما أن يجلس على ذلك الكرسي المتحرك رجل يعمل على "تدمير دولة إسرائيل" فذلك أمر مختلف, فكيف حين يعاني من شلل كامل لا يحرّك معه إلا لسانه وقلبه؟!
خرج الشيخ بعد عام ونصف العام من السجن في صفقة تبادل الأسرى مع الجبهة الشعبية (القيادة العامة) ليعاود العمل ويترقب الفرصة من جديد. وهي التي حانت نهاية العام 1987, فانطلقت "حماس" في حلتها الجديدة, كفصيل مقاوم بعد عقدين من عملها كفصيل إسلامي تقليدي يعمل على بلورة الإسلام الشامل في حياة الناس, كما هو حال تنظيمات الإخوان المسلمين في الدول العربية والإسلامية.
دخل الشيخ مرحلته الجديدة بعدة كاملة, عمادها جحافل من الشبان الذين تربوا على الإيمان وحب الجهاد. وفيما كانت أسئلة الدور الجهادي تلاحقهم, جاء تأسيس الحركة المجاهدة ليفجر طاقاتهم الكامنة, وليؤسس لمرحلة جديدة يفد إلى الحركة خلالها مدد هائل من الشبان الجدد.
ما بين اعتقال المجموعة القيادية التي سبقت اعتقاله نهاية العام 1988, ومنهم صلاح شحادة وعبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم اليازوري (مجموعة التأسيس), وبين اعتقاله هو بعد ذلك بستة أشهر وحتى نهاية العام 1992 كانت معظم قيادات الصف الأول والثاني وجزء لا بأس به من الصف الثالث قد غدت رهن الاعتقال. وهنا مصدر الغرابة, فعلى رغم حدوث ذلك إلا أن القفزات الأهم في تاريخ الحركة قد جاءت بعد ذلك, وتحديداً بين أعوام 1992 و1997, حيث تطورت أدوات المقاومة المسلحة من إطلاق الرصاص في غزة وبعد ذلك في الضفة, وصولاً إلى مرحلة الاستشهاد التي دشنها الشهيد يحيى عياش وتركها أمانة مع من بعده من الرجال.
خرج الشيخ من السجن وسلطة أوسلو فاعلة إلى حد ما في غزة والضفة, والعمل المسلح في حال تراجع, ليس بسبب اعتقال رموزه من طرف السلطة واستـشهـاد واعتقال آخـرين فـقـط, وإنما تجنباً لمزيد من الصدام مع المعادلة الجديدة, الأمر الذي استمر حتى انتفاضة الأقصى.
في هذه المرحلة يمكن القول إن قيادة غزة وعلى رأسها الشيخ قد شكلت صوت "حماس" الإعلامي وذراعها السياسي, ولا سيما بعد الغياب شبه الكامل لقيادة الضفة اعتقالاً واغتيالاً خلال العام الثاني.
أما الفعل العسكري أو 80 في المئة منه فكان مركزاً في الضفة الغربيـة, على رغم أن جناح غزة كان أقوى, والسـبب هو ضآلة الأهداف في القطاع وعدم إمكان خروج المجاهدين من هناك بسبب السياج الأمني, من دون أن ننسى بالطبع تلك السلسلة من العمليات النوعية والمميزة التي نفذها مجاهدو القطاع, ولا سيما من حماس والجهاد وكتائب الأقصى.
ما يؤكده الاستعراض السابق هو أن تميز حضور الشيخ في معادلة "حماس" كان لافتاً للنظر, لكن التجربة تقول إن الرجل لم يكن مركزياً, بل كان صانعاً للقيادات ومميزاً في استقطاب الكبار. وقد لا يكون سراً القول إن حجم ما هو مجهول من رموز غزة القادرين على ملء أي فراغ لا يزال أكبر مما هو معلوم. ولعل ذلك هو ما يميز غزة عن الضفة التي تكثر فيها الكوادر وتقل فيها القيادات "الكاريزمية", ربما لعدم وجود قائد هناك بوزن الشيخ الذي بدا تواصله مع تلك البقعة محدوداً بسبب الحواجز الموضوعية القائمة.
هذا من ناحية الفراغ القيادي الذي لم يشكل عائقاً أمام تقدم الحركة, حتى عندما كان الشيخ ومعظم القادة في الضفة وغزة في السجون, والذي يعود إلى قدرة الحركة على توليد القادة وملء الفراغ. ولا شك هنا في أن قيادة الخارج قد لعبت دوراً كبيراً في ضبط الأوضاع ووصل ما انقطع هنا وهناك, مع أن ذلك لا يعني أن غياب الشيخ لن يكون مهماً, لكن الأمر يبدو مختلفاً حين نأتي إلى الجانب الآخر الذي يعجز شارون عن إدراكه, ممثلاً في الأبعاد المعنوية التي يخلقها استشهاد القادة العظماء في سبيل الفكرة التي عاشوا من أجلها, وهو أمر يحدث في مختلف الشعوب, لكنه في المعادلة الإسلامية الإيمانية أكثر حضوراً.
هنا يمكن القول: إن بركات استشهاد الشيخ كانت كبيرة, فقد نال هو ما تمنى, وحصل على أجمل خاتمة بعد رحلة جهاد طويلة. أما "حماس" فستحصد باستشهاده دفعة معنوية وشعبية مميزة, هي ذاتها ما تحصل عليه الحركات ذات الجذور الفكرية والاجتماعية والسياسية الراسخة من استشهاد قادتها ورموزها في سبيل أهدافهم ومبادئهم.
أما الجانب الثالث فيتمثل في تكريس الثقافة التي دشنها الشيخ, وهي ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد, ليس في وعي الشارع الفلسطيني فحسب, وإنما في وعي الأمة العربية والإسلامية. فباستشهاده غدا الشيخ رمزاً تاريخياً في وعي أمة هي الآن أحوج ما تكون إلى ثقافة التحدي والمقاومة.
ـــــــــ
* كاتب أردني. والمقال نشرته الحياة 24/3/2004 بعنوان (بركات الشهادة وحكايات مبكرة ومتعجلة عن "الفراغ القيادي")

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.

الأكثر مشاهدة اليوم

اغتيال الشيخ .. ودلائله

دعوة الحق لا تموت بموت رائدها

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فقد تعهد سبحانه بحفظ دينه...المزيد