الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دعوة الحق لا تموت بموت رائدها

دعوة الحق لا تموت بموت رائدها
1244 0 316

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فقد تعهد سبحانه بحفظ دينه فقال ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) وهذا الحفظ تعدى الكتاب إلى السنة ولذلك لما قيل لابن المبارك رحمه الله : ما بال هذه الأحاديث الموضوعة ؟ قال : تعيش لها الجهابذة .
وقد حفظ ربنا جل وعلا أيضاً من يقوم بهذا الدين كاملاً غير منقوص ؛ فلا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، ويبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة شبابها، ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عن دين الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .إن هذه الأمة شأنها كشأن المطر لا يدرى أوله خير أم آخره خير , ولا يزال الله يغرس فيها غرساً يستعملهم في طاعته.
وقد ثبتت الأخبار عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أنه لا تزال طائفة من الأمة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك , وفي بعض الروايات ( يقاتلون على الحق ظاهرين )، والجهاد ماض في الأمة لن يبطله جور جائر ولا عدل عادل حتى يقاتل آخر رجل من الأمة المسيح الدجال. ويخطىء من يظن أن الدعوة إلى الإسلام تموت بموت حاملها أو رائدها , فقد مات عبد الله الغلام المذكور في قصة أصحاب الأخدود ونطق الناس فقالوا: آمنا بالله رب الغلام ، فكان قتله ومصرعه سبباً في ظهور الحق ودخول الناس في دين الله , وقصة أصحاب الكهف وصاحب يس ومؤمن آل فرعون كلها دالة على ذلك , فقد تواصلت دعوتهم مع دعوة الأنبياء والمرسلين واستمر بهم الأمر رغم أنهم كانوا مغمورين , خلد القرآن ذكرهم، وكانوا عظة وعبرة لكل من جاء بعدهم , بل كانوا دعوةً حالَ حياتهم وبعد مماتهم .
**تعبيد الخلق للخالق***
ومن المعلوم أن البشرية قد ابتدأت بنبي مكلم هو نبي الله آدم عليه السلام ثم تتابع الرسل لتعبيد الخلق للحق جل وعلا ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) ( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) ويموت الرسل وينهض الأتباع بدعوتهم فيأتي صاحب يس من أقصى المدينة يسعى: ( قال يا قوم اتبعوا المرسلين ) فأخذوه وقتلوه فنصحهم ميتا كما نصحهم حياً: ( قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) ثم لما قتلوه هانوا على ربهم فدمرهم تدميراً ( وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون ) وكان هلا كهم نصرةً لصاحب يس: ( وكان حقاً علنا نصر المؤمنين ) وبقيت كلماته هادية تدل على طريق الله , وكم من كلمة عاشت وبقيت حية بموت صاحبها في سبيلها وربما كانت مغمورة ومهملة حال حياته شأنها كشأنه , وكأن الكلمات والمواقف تنفخ فيها الروح بعد الوفاة، فإذا انتقلت إلى أصحاب الكهف وجدتهم آية حال حياتهم وبعد مماتهم رغم أنهم فتية صغار السن إلا أنهم كانوا هداة مهتدين: ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) قصة تبعث حرارة الإيمان في النفوس وتستحث الكبار قبل الصغار على مواصلة الطريق وبذل كل غال ورخيص في سبيل هذا الدين.
**من كرامات الشهداء***
ولما رأى شهداء أحد ما أعده ربنا لمن قتل في سبيله قالوا: من يبلغ عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه , فكان هذا البلاغ المبين الذي يستنهض الهمم: ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح من الجنة حيث شاءت , وحياتهم البرزخية أتم وأكمل من حياتهم الدنيوية ، وللشهيد عند الله ست خصال : يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه. وقد وجد شهداء أحد على النحو الذي ماتوا عليه وذلك بعد أكثر من عشرين سنة من وفاتهم كما وجد الغلام بعد مئات السنين زمن عمر ـ رضي الله عنه ـ على النحو الذي مات عليه يده على صدغه كلما أزاحوها انبثق الدم من جرحه وهذا من فعل الله بأوليائه ومن إكرامه لهم , فحياتهم آية وموتهم آية، **الدعوة لا تموت بموت حامليها***
وواهم من يظن أن دعوة الحق تموت بموت حامليها ؛إذ هي دعوة موصولة بالسماء يمدها سبحانه بمدد من عنده لا تموت بموت أحد ولا تحيا بحياته , ولو ماتت هذه الدعوة لماتت بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم , إذ من المعلوم أنه الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة , فتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً , هداهم به من الضلالة وبصرهم به من العمى , فلو كانت حياته صلى الله عليه وسلم لازمة لاستمرارية هذه الدعوة لما قبضه الله إليه , وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم صدمة وهزة عنيفة ولكن سرعان ما حسمت بكلمات أبي بكر الصديق رضي الله عنه على المنبر : من كان يعبد محمداً فإن محمد اً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا قوله تعالى: ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) وردد قوله تعالى: ( إنك ميت وإنهم ميتون ) وكأنهم يسمعونها لأول مرة وما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن تولى أبو بكر الخلافة من بعده وأنفذ بعث أسامة وقال قولته المشهورة لمن خالفه في ذلك وكان قد ارتد من ارتد من العرب : والله لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين ما حللت لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : أينقص الإسلام وأنا حي ؟ ! .
نعم رائد الدعوة وحاملها له قيمة كبيرة في نفوس أتباعه نفتديه ونحميه بما وسعنا من الأسباب، ونتخوف عليه من كل سوء وشر كما فعل أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة إذ كان يسير أمام النبي صلى الله عليه وسلم تارة وخلفه تارة أخرى , يتحول عن يمينه ثم عن شماله , يدخل الغار ويسد شقوقها خشية أن يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكروه , ولسان حاله ينطق كما نطق أبو طلحة رضي الله عنه يوم أحد: يا رسول الله نحري دون نحرك , فإذا قدر ومات صاحب الدعوة فعلينا أن نسترجع وأن نقيم واجب العبودية ونحسن المسير إلى الله كما أحسن ولا ننقطع، فما أجمل ما قاله أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد " علام الحياة بعده قوموا فموتوا على مثل ما مات عليه" ثم قال: " واها لريح الجنة، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد " إنها لبست مجرد كلمات بل منهج حياة .
تولى عمر الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنهما ـ وكانت خلافة على منهاج النبوة كما أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه ثم ما لبث أن طعن بيد المجوسية الأثيمة وعلم ابنه عبد الله من أخته حفصة رضي الله عنهما أن أباه لن يستخلف , فبات مهموماً فلما أصبح دخل عليه فسأله عمر عن أحوال الناس فأجابه , ثم قال له عبد الله : أرأيت لو كان عندك راع له غنم فتركها وارتحل أترى انه قد ضيع , يقول ابن عمر : فأطرق ساعة يفكر ثم رفع رأسه وقال : إن أنا استخلفت فإن أبا بكر قد استخلف , وإن أنا لم استخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف وإن الله يحفظ دينه , يقول ابن عمر : فعلمت أنه لن يستخلف وأنه لن يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً , نعم إن الله يحفظ دينه , فهذا الدين هو دين الله , والله غالب على أمره ومتم نوره ولو كره الكافرون.
وأسباب الحفظ وصوره كثيرة وعديدة، ولا تستبعد أن يُستدرج الكفرة لذلك ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم , ومن تتبع كيف ساعد المشركون على نشر هذه الدعوة في بداية الأمر عندما وقفوا على مشارف الطرق وقابلوا وفود الحجيج يحذرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان صدهم وتنفيرهم سبباً في دخول الناس في دين الله وهذا من عجائب التدبير. ومن تأمل كيف تربى نبي الله موسى عليه السلام في قصر فرعون وعلى سريره وأكله من طعامه ثم كانت هلكة فرعون على يد نبي الله موسى لعلم أنه لا ينفع حذر من قدر، وأن كيد الكفار دائما يرتد إلى نحورهم ، وأن تدبيرهم تدميرهم ،ولا تستبعد أن يكون قتل حامل الدعوة سبباً في إيقاظ الهمم وتحمل الجميع للمسئولية وغليان روح الإيمان في النفوس الأمر الذي تستأصل به شأفة الكفرة الظلمة ؛ فالدماء الطيبة لا تذهب هدراً وما علينا إلا أن نثق في وعد الله وأن نعلم أن النصر من عند الله فالأمر إن لم يكن بنا فبغيرنا: ( وإن تتولوا يستبد ل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) والمستقبل للإسلام بغلبته وظهوره على الأديان كلها بإذن الله تعالى ، ستعود الخلافة على منهاج النبوة بعد الملك العاض والجبرية، وسيتم فتح بيت المقدس ،وستنتصر هذه الأمة على الروم، وسيقاتل المسلمون اليهود ويختبىء اليهود من وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي تعالى فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود , سيظهر المهدي يصلحه ربنا في ليلة , يملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلما وجوراً، وينزل المسيح عليه السلام من السماء حكماً عدلاً مقسطاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويحكم بحكم الإسلام، كل ذلك وغيره يحدث كما أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه فلم اليأس ؟ (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ).
إن هذا الأمر سيبلغ منتهاه بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر؛ فابذلوا وسعكم وأنيبوا إلى ربكم واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون , فما عنده سبحانه من نصر وعز وتمكين وخير وبركة لا نناله إلا بطاعتنا له: ( ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) اللهم مكن لدينك في الأرض وافتح له قلوب الناس،وتقبل قتلانا في الشهداء والصالحين.
وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.

الأكثر مشاهدة اليوم

اغتيال الشيخ .. ودلائله

دعوة الحق لا تموت بموت رائدها

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وصحبه ومن والاه أما بعد: فقد تعهد سبحانه بحفظ دينه...المزيد