الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الرنتيسي كاريزما السياسي والطبيب المتدين والخطيب المفوه

الرنتيسي كاريزما السياسي والطبيب المتدين والخطيب المفوه
743 0 282
برحيل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي تكون حركة المقاومة الإسلامية حماس ومعها شعبنا قد خسرت واحدا من أبرز قادة هذا الشعب وعظمائه الذين قدموا أغلى ما يملكون في سبيل وطنهم ومن أجل عزته وكرامته .

لم يكن الشهيد الرنتيسي رحمه الله مجرد قائد عادي للحركة كغيره من القادة بل كان يتمتع بمواصفات ميزته عن الكثير من غيره وقلما تتوفر في قيادي آخر، فقد جمع كل مواصفات القائد الوطني الملهم ، جمع بين الشخصية العسكرية والسياسية والدينية وكان أديبا وشاعرا ومثقفا وخطيبا مفوها يتمتع بشخصية كاريزمية تجعل له الهيبة في قلوب من يراه..

كان مجرد ذكر اسمه يثير الخوف والرعب في صفوف أعدائه.. يتمتع بشخصية قوية وعنيدة لا يخشى في الله لومة لائم.. وكان من صفاته أيضا جرأته وتحديه حتى لقادة الكيان ولجلاديه في سجون الاحتلال وقد سجل لنفسه العديد من البطولات في محطات حياته المختلفة والتي يفخر بها كل فلسطيني لديه الانتماء الصادق لهذا الوطن والشعب .

برز الدكتور الرنتيسي بشكل واضح للعالم أجمع خلال إبعاده إلى مرج الزهور عام 1992 مع 415 آخرين عندما تمكن بأسلوبه المقنع والمؤثر كمتحدث باسم المبعدين من إقناع الرأي العام العالمي بعدالة قضية المبعدين وبحقهم في العودة إلى وطنهم.

يومها قال بالحرف الواحد: " سأحرج رابين أمام العالم ". وقد تمكن من تحقيق ذلك عندما أصر على بقاء المبعدين في مرج الزهور بين الأفاعي والزواحف رغم كل المحاولات لدفعهم للدخول إلى عمق الأراضي اللبنانية وأين يتم طي قضيتهم..
كما قاد المبعدين في مسيرة الأكفان وهي مسيرة العودة إلى الأراضي الفلسطينية ومثَّل المبعدين أمام مختلف وسائل الإعلام العالمية بلباقته وحديثه المنطقي ، إلى أن شكل رأيا عاما عالميا ضاغطا على (إسرائيل) بإعادة المبعدين وما هي إلا شهور حتى عاد المبعدون إلى بيوتهم ، لكن الرنتيسي عاد إلى السجن بسبب تصريحاته ومواقفه التي أثارت حنق رابين .

ويعتبر عبد العزيز الرنتيسي الذي تولى قيادة حماس في غزة من أبرز الشخصيات في قيادة حماس وهو من الوجوه المعروفة على نطاق واسع بين أبناء الشعب الفلسطيني .

كان الشهيد الرنتيسي رحمه الله من أشد الحريصين على تعميق الوحدة الوطنية وقال في أول كلمة له بعد توليه قيادة حركة حماس خلفا للشيخ الشهيد أحمد ياسين أمام الآلاف في بيت عزاء الشيخ الشهيد ياسين: إن أول عمل سيفعله أنه سيتوجه إلى كافة القوى الوطنية والإسلامية، وقال: "أمد يدي إليهم لنكون صفا واحدا في خندق المقاومة".

لم يخش الرنتيسي يوما الاغتيال والتصفية وطالما تمنى الشهادة ولقاء الله قبل ولم يثنه وضعه على رأس قائمة المطلوب تصفيتهم و تعرضه لمحاولة اغتيال فاشلة في العاشر من حزيران،/يونيو الماضي "عن مواصلة طريقه الجهادي والسياسي من أجل وطنه وشعبه وكان آخر ما قاله: " نحن لا نخشى الموت فليعلم الله أنني في شوق للقائه ولقاء الأحبة.. شيخنا وحبيبنا أحمد ياسين وجمال سليم وجمال منصور وصلاح شحادة وإبراهيم المقادمة وإسماعيل أبو شنب". وكلهم من قادة حماس الذين اغتالتهم (إسرائيل).

عرف الدكتور الرنتيسي بمواقفه الصلبة لدرجة، أن البعض كان يفضل أن يطلق عليه لقب "الطبيب الثائر"، أو"صقر حماس". لكن الفارس الذي ترجل بعد جهاد طويل، كان لينا مع إخوانه في "حماس" لا يقطع أمرا دون مشاورتهم، لدرجة أن الدكتور الرنتيسي قال قبل حوالي ثلاثة أسابيع، في حفل تأبين الشيخ ياسين في الجامعة الإسلامية: "إلى الذين يخشون الدكتور الرنتيسي، نقول لهم اطمئنوا فالقرار في حماس قرار جماعي والقيادة جماعية".

كان الشهيد رحمه الله خطيبا مفوها عرفته معظم مساجد القطاع من خلال خطبه الحماسية التي كان تلهب مشاعر الجماهير وتشفي غليلهم.. كان ينظر إليه أنه أكثر قيادات الحركة تطرفا وعنفوانا ووصفوه بالأسد ؛ لأنه كان دائم التحريض على المقاومة وإيقاع أقسى الضربات بدولة الكيان ومن أشد المعارضين لاتفاقيات التسوية وقد ساعدته إجادته اللغة الإنجليزية بأن يكون دائم الحضور في مختلف وسائل الإعلام ومحطات التلفزة الأجنبية وفي مقدمتها شبكة س إن إن الأمريكية .

وقد تأثر الرنتيسي بأفكار سلفه الراحل الشيخ أحمد ياسين فقد شاركه في تأسيس حركة حماس عام 1987 كما عاش معه خلال العام 1990 في زنزانته في السجن الصهيوني ونهل من أفكاره ومنهجه وتأثر بشخصيته ، وقد صقل شخصيته الدعوية والسياسية وعاهد نفسه على أن يسير على درب أستاذه ومعلمه الشيخ ياسين حتى لحق به شهيدا لتتعانق أرواحهما معا في عليين إن شاء الله .

كلمات الدكتور "عبد العزيز الرنتيسي" في الأيام الأخيرة من حياته كانت تعكس شعوره ويقينه.. وكانت آخر كلماته: تعانقت أيادينا في الدنيا على الزناد وغدًا ستتعانق أرواحنا في رحاب الله...

وقد قال في إحدى المناسبات: "أقول لكم لأطمئنكم: لو رحل الرنتيسي والزهَّار وهنية ونزار ريَّان وسعيد صيام والجميع، فوالله لن نزداد إلا لُحمة وحبًّا، فنحن الذين تعانقت أيادينا في هذه الحياة الدنيا على الزناد، وغدًا ستتعانق أرواحنا في رحاب الله؛ لذلك فليغزل على غير هذا المغزل شارون والصهاينة والمتربصون، ومسيرتنا متواصلة، ودربنا صعب، ولكنه الدرب الوحيد الذي يصل بنا إلى ما نصبو إليه؛ ولذلك لا ضعف ولا استكانة ولا هوان على الإطلاق".

بهذه الكلمات ودَّع "الرنتيسي" الدنيا، واستقبل الشهادة بصدر رحب، ولم يتوارَ أو يُخفِ قيادته لحماس خلفًا للشيخ الشهيد "أحمد ياسين" قائلاً عن ذلك: "لم يكن سرًّا أن الشيخ ياسين هو قائد الحركة، كما إن الإعلان عن اسمي لا يضيف جديدًا؛ لأنني مستهدف من قِبَل قوات الاحتلال، ثم إن الحركة تحتاج إلى عنوان واضح: قيادة يصل إليها الجميع من سلطة وفصائل وأفراد عاديين".

كل تصريحات الرنتيسي قبل نيله الشهادة كانت تركز على الوحدة الوطنية والجهاد؛ حيث قال عن الثأر للشيخ ياسين: "نحن لا ننسى دماءنا، وأعني بنحن: حركة فتح وكتائبها، حركة الجهاد وسراياها، الجبهة الشعبية وكتائبها، الجبهة الديمقراطية وكتائبها، وحماس وكتائبها.. خندق المقاومة فيه متَّسعٌ للجميع".

لم يأل الشهيد الرنتيسي جهدا في تخصيص جزء من وقته في الليل كما يقول د. أحمد بحر للسهر مع المجاهدين والمرابطين على مداخل المدن والأحياء في غزة الذين كانوا يسهرون الليل تحسبا لأي اجتياح صهيوني لأي منطقة من مناطق غزة كان يحضهم على الصبر والقتال وحب الاستشهاد ويرفع من معنوياتهم ويشد من أزرهم .

كما حرص الدكتور الرنتيسي على الظهور أمام الناس رغم استهدافه وملاحقته يلقي بهم الخطب الحماسية ويرفع من معنوياتهم ولعل الجميع يذكره ليلة القدر في رمضان الماضي عندما طاف على أكثر من عشرين مسجدا في غزة في ليلة واحدة يتحدث أمام عشرات الآلاف من المصلين الذين أحيوا ليلة القدر يحضهم على الجهاد ويغرس في نفوسهم حب الاستشهاد ويزرع فيهم الأمل بأن النصر حليفنا مهما عظمت التضحيات .

قضى الرنتيسي الذي ولد في قرية يبنا عام 1947 حياته بين سجن وإبعاد ومطاردة وجهاد في سبيل دينه ووطنه، وتعرض لصنوف العذاب والحرمان والقهر والاضطهاد من قبل سجانيه لكن ذلك لم يفت من عضده ولم يفل من عزيمته على الاستمرار في دربه الذي خطه لنفسه منذ صغره .

في يوم تشييع الرنتيسي عاشت مدينة غزة يوما لم ولن تشهد له مثيلا فقد خرجت مدينة غزة عن بكرة أبيها أطفالا ونساء وشبانا وشيوخا يودعون قائدهم الذي ترجل ، كان المشهد مؤثرا الجميع يبكي لفراق هذا الرجل الذي طالما اقض مضاجع المحتلين وأرعبهم بتصريحاته الملتهبة حماسة وجرأة .

وفي موكب التشييع تدافع الجميع من أجل لمس جثمان الشهيد الطاهر أو الظفر بنظرة أخيرة على جسده المسجى عل النعش ومثلما كان في حياته ملهما للأجيال وغارسا لحب الشهادة وملاقاة الأعداء كان في استشهاده، فقد أحيا قلوب الآلاف وزرع في نفوس الأطفال والشبان الذين ساروا خلفه وأحاطوا به ثقافة حب الاستشهاد والمقاومة والسير على دربه وزرع فيهم حماسا سيقض مضاجع المحتلين إن آجلا أو عاجلا ، ونسي شارون ومن أمر بتصفية الرنتيسي أن دماءه ستنبت الآلاف الذين سيسيرون على نهجه وعلى دربه .

رحل الرنتيسي عنا، وغاب بجسده ، وأفجع برحيله الشعب الفلسطيني والأمة كلها لكن روحه ستظل باقية في صدور أبناء شعبه وستظل ترسل اللعنات على من تآمر على قتله وتصفيته وسيفتقد شعبنا هذا الوجه المشرق الذي كان يضيء شاشات الفضائيات يتوعد الأعداء تارة ويسخر من قادة الكيان تارة أخرى ويزرع في نفوس شعبه الأمل بأن النصر قادم رغم الآلام والتضحيات.. وستفتقد حركة حماس رجلا قويا من رجالها وقائدا عظيما شكل مصدر فخر وعزة للجميع.. وكان من الشخصيات المؤثرة في القرار الفلسطيني.. كانت شخصيته ذات بعد فلسطيني وعربي وإسلامي، ولها تأثير قوي في إطار المنطقة بأسرها.

إن عزاء شعبنا أن دم الرنتيسي لن يذهب هدرا وأن عشرات الآلاف من الحناجر التي خرجت لوداعه باتت في يوم استشهاده أكثر تصميما على المضي في طريق المقاومة والشهادة ، فهنيئا لك الشهادة التي طالما تمنيت وطالما زرعت حبها في نفوس أبناء شعبك.. ونم قرير العين يا أيها الشهيد الرنتيسي في عليين فقد صدقت الله فصدقك و نلت ما تمنيت -نحسبك كذلك والله حسيبك ولا نزكيك على الله-وسيظل قدرنا أن نودع الشهيد تلو الشهيد والقائد تلو القائد حتى يحقق شعبنا آماله بالحرية ودحر المحتلين.

مركز الإعلام الفلسطيني

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق