الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أمتني حبا يا ولدي

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:11/11/2001
  • التصنيف:فنون الأدب
  •  
1565 0 546

رن هاتف البيت على وتيرة غير تلك التي يصدرها عند الاتصال المحلي . اشتدت فرحة الأب مردداً في نفسه :
- إنه محمد ولدي الذي يدرس في الخارج .

رفع الأب السماعة متلهفاً ، علت الابتسامة وجهه للحظات ثم ما لبث أن ودع ابنه بدعوات فاترات ، وبنفس غير تلك التي كانت في أول الاتصال .

وضع السماعة في تراخ 00 وجلس كئيباً حزيناً 00
استعاد الأب ذاكرته ورجع إلى الوراء خسمة وعشرين عاماً ، نظر إلى صورته المعلقة على الحائط وهو بين والديه - يوم عرسه - وابتسامة الأبوين تعلو وجهيهما 00 تذكر يوم وقف ووالده يستقبلان المدعوين ، ووالده فرحُ سعيد به ، تذكر ما كان يقوله أولئك له :
" مبارك ياعريس ، العقبى للبكاري " 00

تمتم في أسى : البكاري ؟ ! ماذا حدث في هذا الزمن ؟
ماذا جنيت حتى يحرمني ولدي لحظة الفرح به رجلاً يكمل نصف دينه ، أهذا أخر تعليمي وتأديبي له ؟
لا 00 لا ؛ فلم أكن ملتزماً في حياتي مثله 00 لعل السبب التزامه الذي أعنته عليه ، ولم أحل بينه وبين مخالطة أمثاله من شباب الإسلام ، ولم أكن - مثل كثير من الآباء - عقبة في طريقه 00 أطلقت له حريته واطمأننت كثيراً إلى طريقته ، فالإسلام لا يأتي إلا بخير ، علمته كيف يعتمد على نفسه 00 صاحبته بالمعروف ، وعاملته رجلاً حتى تخرج في كليته 00

لقد كان فرحاً بفرحي يوم تخرج ، ولكني قلت له مازحاً :
ستكون الفرحة الكبيرة يا أباحميد يوم زواجك ، ولن تهنأ أمك حتى تراك مع عروسك ، لن نتدخل كثيراً في اختيارك لها ولكني أبو العريس 00 ستكون فرحتي وأمك غامرة يا محمد ، فهيا من الآن نعد لهذه الزيجة فقد آن أوانها 00

لكن محمداً أصر على مفارقتي وأمه ليزداد قدرة على مواجهة تكاليف الحياة ، ويعيننا على استكمال المسيرة مع إخوته وأخواته ، فقد اشتعل الرأس شيباً 0

ولكن ماذا اسمع اليوم منه ؟
يا شقاء أم محمد 00 وياحزنها لو علمت 00إنها كل يوم تمازح الأمهات والفتيات بتزويج محمد عند عودته في الإجازة الصيفية ، وإذا حضرت عرساً اشتاقت لعرس بكرها ، وألحت عليَّ أن أقسم عليه أن يعود وكفاه غربة ، وكفى أبواه التياعاً ، لقد أدركت نعمة الله على ابن المغيرة الوليد حين منَّ عليه سبحانه " وجعلت له مالاً ممدوداً . وبنين شهوداً " ولكن ماحيلتي ؟ ولله الحمد والمنة 00

غير أن أم محمد لن تصدق 00 إنني أخشى عليها وقع الخبر 00 ماذا لو أن محمداً جاء وأهل عروسه ليقيموا الفرح بيننا ؟ إنني لا أريد منه شيئاً 00 فليتحمل من أجلنا تكاليف ذلك ، أو يرجئه إلى الصيف حين تعود كل الأسر إلى أوطانها ، لماذا العجلة ؟ !
إن أخوته كلما أرسل لهم ثوباً جميلاً ادخروه ليوم عرسه ، ماذا أقول لهم ؟ !
وأي حرج أوقعتني فيه يا محمد مع أمك وإخوتك ومع الناس جميعاً ؟
لقد التزمت .. وربما جعلك التزامك تاخذ الامور من غير تعقيد تيسيراً وتسهيلاً ، ولكن أمر زواجك لا يخصك وحدك .

ثم لماذا تريد أن تلغي أعرافنا ما دامت لا تنطوي على مخالفة لشرعنا ؟
لماذا تريد أن تنتزع قلوبنا من الصدور بحرماننا من أن نسعد بيوم عرسك 00 أن ننهل من الفرحة بهذا اليوم 00

كيف أتلقي التهنئة بك ؟ ومتى يبارك الناس لأمك ؟
كيف وافقك حموك على ذلك ؟ ما الضرورة ؟ !
وأي عبء يثقل كاهلك يا محمد حتى تأتينا لتقيمه بيننا 00 وقد تحملت عنك كثير الأعباء ، كيف استباح حموك لنفسه أن يستأثر بك دوني ، وأنا وأمك على قيد الحياة لم نمت بعد ؟

أي التزام هذا يا محمد ، لماذا استأثرت بهذا الأمر ؟ أهكذا عودناك ؟ 

آه يا أم محمد 00 كيف ألقى عليك بالخبر ؟ أأقول لك إن محمداً لم يرحم شيبتك ولم يرع أمومتك ؟
آه ياأم محمد 00 لا أستطيع ، وقد كنت - يوم جئتك خاطباً -حريصاً على أن يقرني والداي عليك 00 ولم أتقدم خطوة إلا بمشورتهما 00 ماذا تسمين هذا ياأم محمد غير ( العرفان والبر ) بوالدين آن لهما أن أشعرهما بما لهما من كثير الفضل والحق والمنزلة ؟
ماذا حدث ؟ لا أدري ياأم محمد 00 هل هي العولمة التي يتحدثون عنها ؟
وما شأن العولمة بخلق كبر الوالدين ؟ أم هي المرونة التي تلغي مشاعر أبوين ، وتميتهما وهما حيان !

أتريدني يامحمد أن أكون وأمك على مستوى إيقاع العصر وتطوراته فلا أقف طويلاً عند أمر زواجك وانفرادك به ، وحرماننا من الفرح بك ؟
أي تطور هذا واي تيسير ؟
إنه لا شك عقوق وجحود 00 فأنا أب وأم محمد أم ، فلا يكلفنا أحدُ - باسم مدنية أو تحضر أو رقي - أن نلغي ابوتنا وأمومتنا ، وأن نلغي حقنا في الفرح بعرس بكرنا الذي انتظرناه كثيراً ، وترقبناه منذ أن كان صغيراً ، وعملنا له ألف حساب يوم أن كان دخلنا يسيراً ،

أفبعد هذا 00 تميتون الفرحة في قلوبنا بأسماء سميتموها أنتم وعولمتكم وفهومكم التي .. ؟ ‍‍‍

وبينما أبو محمد في خواطره المنفعلة ، تجري أم محمد مسرعة من حيث كانت :
لماذا لم تنادني لأكلم محمداً ؟ ‍‍
ألا تعلم أنه منذ مدة لم يتصل ، وقد اشتقت إليه ؟
بشّر أبا محمد : هل وافقك على النزول هذا الصيف لنزوجه ؟

لم يرد أبو محمد ولكنه تمتم قائلاً : بل علينا أن نبارك له ؛ فقد أعرس منذ أسبوع 00 فافرحي يا أم محمد 00 وأقيمي الزينة لبكرك العريس الغائب 00

مواد ذات صلة



تصويت

فيروس كورونا أربك العالم كله، وفي الابتلاء به كثير من الدروس والعبر، فأي درس تراه أهم:

  • الأمر كله لله فعلينا أن نعلق القلوب به، ونعود إليه.
  • تقوية المنظومة الصحية في كل بلد.
  • أهمية النظافة والوقاية والأخذ بالأسباب.
  • أهمية التكاتف والتعاضد بين العالم كله للقضاء على مثل هذا الوباء
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

فنون الأدب

غدًا .. سيأتي الصباح !

يا جراحي ..لا تجزعي يا جراحي .. .. هي روحي وجنّتي والأقاحيهي عمري ..وهبت عمري فداها .. .. لا تبالي إن أُفرِغتْ أقداحيعللّيني أموت فوق ثراها .. .. واحضنيني في سهلها والبطاح وَدَعيني ما بين نورٍ وظلٍّ .. .. أحتويها في أضلعي وجناحيواحمليني...المزيد