الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابن جلّون

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:25/03/2001
  • التصنيف:دراسات ومقالات
  •  
1441 0 731
 صحبت الطاهر بن جلّون - الكاتب المغربي لحصوله على جائزة جونكورد الفرنسية - في بعض ما كتب ، مثل : "غزالة" ، و"ليلة القدر" . تلك الرواية التي شُهرت أيضاً بتلك الجائزة .      وسأصحبكم في جولة مع هذه الرواية لنناقشها من خلال بنائها الروائي ، وأسلوبها الذي اعتمدته ، وشخصياتها التي قامت عليها ، مع ما يعنُّ لنا من ملحوظات عليها وعلى الجائزة .      وسنعتمد في موضوعنا النقدي هذا على الطبعة العربية المشتركة بين دار توبقال للنشر - الدار البيضاء - ومنشورات لوسوي - باريس - ، الطبعة الثانية لعام 1988م بترجمة محمد الشرثي ومراجعة : محمد بنيس .      1- ملخص للرواية :      إنها قصة فتاة أُلبست قناع الذكورة منذ ولادتها ، لكونها وُلدت لأب أحس في نفسه أنه ناقص الرجولة ؛ لأنه رُزق البنات ولم يُرزق الذكور ، وكان مجيء طفل ذكر بمقدوره أن يمنحه الفرحة والحياة .      وَوُلدت هذه البنت على أخوات لها ، وكان العماء كلياً فتخيلها ذكراً ، وظلت تمثل هذا الدور حتى بلغت العشرين من العمر ، وكان ذلك ليلة القدر ، ليلة وفاة والدها الذي أفضى لها قبل خروج الروح ليعتقها من سجن الذكورة ، وليهب لها حريتها التي بدأت بعد دفنه مباشرة ، حيث خرجت من بيتها بعد أن قطعت كل آصرة تربطها به ، وفي طريق هروبها يتم اغتصابها ، وتواصل السير إلى مدينة صغيرة حيث تتلقفها جلاّسة الحمام ، تنقلها معها إلى بيتها ، لتعيش حياة الخطيئة والدنس مع أخي الجلاّسة الأعمى الملقب بالقنصل - معلم القرآن - ، وتظل تتقلب في الخطيئة ، فيعلم بها عمها ، ويأتي لأخذها فتقتله ، لتنتقل بعد ذلك إلى السجن ، وفي السجن تعيش حياة الظلمة والعتمة بانتظار عشيق الظلمة ، ذاك القنصل الأعمى الذي ظل يراسلها إلى أن فقد الأمل فقطعها . وفي السجن تعرضت لمحنة على أيدي أخواتها ، حتى خرجت منه أخيراً ، واعتزلت الواقع لتعيش الحلم .      2- قام البناء في هذه الرواية على أعمدة ثلاثة هي :      
"أ - الحرية - ب- الشذوذ جـ- الإسلام والجنس " .      
أ- الحرية : تعني الذاتية ، الفعل ، القطع ، الانفلات ، النسيان ، الخروج من الدين.     هذه الكلمات هي خلاصة لفكرة الحرية عند ابن جلّون ، ولنستعرض حرية بطلة الرواية من خلال الأحداث .     لم تكن تلك الحرية المنشودة سوى منحة أبوية ، بطاقة دعوة ، تذكرة سفر قدّمها لها الأب وهو على فراش الموت ، حيث استدعاها لإعتاقها وتحريرها ، ففي نهاية الحديث معها قبل أن يسلم الروح ، قال لها : "أنت الآن حرة . امضي لحال سبيلك ، غادري هذه الدار اللعينة ، سافري ، عيشي ، عيشي ولا تلتفتي لرؤية النكبة التي سأخلفها ، إنسي وعيشي ما وسعك العيش.. في هذه الليلة علمت بأن قدرك سيكون أفضل من قدر جميع نساء هذه البلاد .. أنت امرأة ، دعي جمالك يقودك" (ص23) .      وتبدأ حريتها وانعتاقها بالأحلام ، ففي ساعة الدفن انطلقت امرأة حسناء من خيالها وألبستها برنساً موشى بخيوط من الذهب ، وطلبت منها أن تلتحق بذلك الفارس الذي ظهر في زاوية أخرى من الخيال على فرسه البيضاء ، وبذراعه القوية رفعها من خصرها وانتقلت معه إلى قرية الأحلام التي يديرها الأطفال ، وصفات سكان هذه القرية أنهم "يعيشون هناك في اكتفاء ذاتي بعيداً عن المدينة ، بعيداً عن الطرق ، وبعيداً عن الله نفسه " (ص33) .      ميلاد جديد      وأول مبدأ لمن يريد سكنى هذه القرية هو النسيان . "فإن تكوني قد عشت مائة عام أو مائة يوم فإن عليك بدخولك إلى هنا أن تكوني قد محوت كل شيء من ذاكرتك ، وإذا لم تتمكني من ذلك فلدينا أعشاب لمساعدتك" (ص33) .      وصناعتهم في هذه القرية زراعة "الأعشاب التي تساعد مشاعر الكمال والإنسجام" (ص34) .      لا عودة      وفي القرية بركة بها عين ماء ، وهي سر من أسرار القرية فمن يكتشفها ويدخلها ويغتسل بها لا يستطيع العودة إلى الوراء وهذا ليس بعيداً عن الرمزيين ، فعين الماء والاغتسال بها ، هو بمثابة غسل الماضي ، انقطاع وانبتات ، بداية جديدة، تشكل آخر ، طريق مختلف ، ولنقرأ حديث بطلة الرواية عن تلك العين : "قبل أن أصل إلى هذه المدينة حظيت بامتياز الاستحمام في عين ماء ذات فضائل استثنائية . إحدى تلك الفضائل - هي فضيلة النسيان ، لقد غسل ماء تلك العين جسدي ونفسي...      وللوصول إلى تلك العين لا بد من التجرد من كل شيء ، والتخلي عن الحنين نهائياً ، "لقد أتلفت أوراق هويتي.. لقد نسيت كل شيء : الطفولة ، والأهل ، والاسم العائلي لقد كان يتعين عليّ أن يكون لي وجه آخر" (80) .      إنه غسل الماضي ، نسيانه ، والسير في طريق آخر ، وهذا ما يؤكده حوارها مع القنصل الأعمى : "إنني في قطيعة مع العالم ، أو على الأقل مع ماضيّ الشخصي ، لقد اقتلعت كل شيء ، إنني مقتلعة عن طواعية ، وأحاول أن أكون سعيدة حسب إمكانياتي بجسدي الخاص ، لقد اقتلعت الجذور والأقنعة ، أنا تيه لا تمسكه ديانة ، أسيرُ لا مبالٍ ... وأعبر الأساطير .      - هذا ما يدعى بالحرية . نعم ، التجرد من كل شيء ؛ وعدم امتلاك أي شيء لكي لا يملكني شيء، حرة أي مستعدة ، سابقة على العقبات ... وربما سابقة على الزمن" (ص63) .      فقطع الجذور ، وبتر الماضي ، والانحلال من كل رباط ، يعني الحرية "فتحت قميصي - حللت شعري - خلعت سروالي ثم لباسي الداخلي ، كنت أخطو الخطوات الأولى لامرأة حرة ، كانت الحرية التخلص من الأربطة دون مساءلة النفس" (ص35) .      
دفن الماضي      
وكانت أول خطوة خطتها هي فك تلك الأربطة التي كانت جزءاً من لعبة المسخ ، لتمنع النهدين من البروز ، وبدلاً من أن تلقي بها ، وضعتها على عنق الميت الذي هو والدها وخنقته بها ميتاً ، ثم داست الجدث برجلها ، وبعد أن انتهت من عملها وقفت لحظة ، "لا للصلاة أو التماس رحمة الله لروح ذاك الرجل" ولكن لتستنشق الهواء الجديد -  هواء الحرية ، الانعتاق والانبتات ، لقد كانت سعيدة ؛ لأنها دفنت كل شيء ، "الأب والأغراض في قبر واحد . الأم مجنونة في مزار ولي بباب الجحيم ، الأخوات في دار ستنتهي إلى السقوط ودفنهن إلى الأبد ، أما الأعمام والخالات فلم يوجدوا بالنسبة لي" (ص45) .      إن هذا القطع للماضي وآثاره ، ودفنه في غيبوبة عميقة مع فقدان كلي للذاكرة ، إنه الولادة الجديدة في شكل بكر ونظيف كما يتصورها المؤلف ، ولنتصور هذا الشكل البكر والنظيف بعد أول خطوة خطتها حيث تم اغتصابها .        ولعل دفن الأب ليس دفناً حقيقياً بمقدار ما هو دفن لكل رباط يربطها بالماضي، والدليل أنها دفنت مع والدها كل أثر يتعلق بذلك ، ودليل ذلك أيضاً قول المؤلف : "كان الدفن والحداد بالنسبة لهن - لأخواتها - تحريراً وحفلاً " (ص42) .      أما بالنسبة لها فقد "أخذت بعض الأغراض ، كومتها في كيس.. توجهتُ نحو المقبرة ... ويممت شطر قبر أبي .. وشرعت يداي تحفران بسرعة ونظام.. وعندما لاحت لي قطعة من الكفن الأبيض أخذت أزيح التراب بأصابعي بتمهل .. عجلت بإفراغ الكيس الذي كان يحتوي على كل ما كنت أملكه" . (ص43) ، أي كل ما يربطها بالماضي الميت ، إنها تنبتُ من كل شيء "لم يعد لدينا أي رباط يشدنا إلى الماضي" (ص34) وتواصل الانبتات "فقد كنت أتقدم بالرغم من كل شيء في دفن الكائنات والأشياء " (ص67) .      ب- الشذوذ      إن صور الشذوذ تطالعنا من بداية الحكاية ، الشذوذ الديني والاجتماعي والأخلاقي والجنسي .      أما الديني فسنتحدث عنه في موضع لاحق ، ولعل الشذوذ الاجتماعي والأخلاقي يبدأ بعلاقة الأب مع زوجته وبناته ثم تصوره الأنثى ذكراً ، شذوذ الأم في جنونها ، شذوذ المجتمع في علاقاته .      أما أهم صور الشذوذ فهو الشذوذ الجنسي ، ويبدأ بعلاقة شاذة مع الجارة زينب التي كانت محرومة من الأطفال ، فكانت تأخذ هذه الطفلة ا(لطفل) ! بين ذراعيها وتضمها إليها، ثم "وتضغطني بين فخذيها المنفرجين ، كنت شغلها ، لعبتها ، كانت تعرق ، ولم تكن تنتبه إلى أنها كانت تثير تقززي " (ص35 ) . أو تلك الزوجة التي "ربما" لم تكن موجودة تلك الليلة بأغادير بل في مكان آخر مع زوج يضربها ، ويذهب غالباً عند النساء ، وقد يكون مضى مع بنت أخت له ، هل حقاًيحدث هذا ؟ ألم يجد الكاتب صورة للانحراف والشذوذ سوى أن يصحب الرجل ابنة أخته في رحلة فجور ؟!!        علاقة مشبوهة      ويؤكد هذا الشذوذ الجنسي في علاقة الأخ بأخته في صورٍ عدة منها:      
- بداية الانحراف ، فالجلاّسة تصف بداية هذه العلاقة الآثمة منذ أن كان أخوهاطفلاً "فعندما كان صغيراً ، كنت أغسل له ، كنت أمرر عليه الصابون ، وأفركه ، وكان يجد في ذلك متعة جلية" (ص86) .      
- السقوط في الانحراف ، سقطا في جحيم الانحراف ، "كنت سأفعل أي شيء من أجل سعادته ، وحتى اليوم بإمكاني القيام بسفالات لكي أحتفظ به" (ص86) ، وقد أسهب المؤلف في وصف هذا السقوط في فصل سمّاه الميثاق ، حيث ممارسة الجنس في الحمام العام بين الأخت وأخيها  . ص(67-72) .      
- الانحراف في الانحراف ، صورة غاية في الشذوذ ، وهو أن تأخذ الأخت أخاها إلى دور العهر لتصف له الساقطات ، فإذا ما رضي عن واحدة ظلت أخته تنتظره حتى ينتهي من قضاء رغبته ، فقد أصبحت أخته عين شهوته ، عين الإثم والخطيئة .      
هذه هي صورة شذوذ الجلاّسة مع أخيها الأعمى الذي لم يُعرف ، أهو ثمرة علاقة خاطئة بين الجلاّسة وسائق شاحنة ؟ أم هو شقيقها حقاً؟!      
أما شذوذ بطلة الرواية فأوضح صوره هي علاقتها مع القنصل الأعمى ، فقد أصبحت بديلاً لأخته ، تصحبه إلىدور العهر لتصف له النسا ء "لقد راقتني تلك الفكرة الشاذة  (ص96) ثم قيامها باغتصابه ، وبعد ذلك المضي في هذا الطريق .      

جـ- الإسلام والجنس      
يربط الكاتب ربطاً تعسفياً بين معانٍ ورموز دينية وبين الأحداث والشخصيات من خلال الجنس . فعنوان الرواية الذي هو "ليلة القدر" : التي هي بداية الزمان للرواية ، تمثل هذا الربط التعسفي ، فلو اختار الكاتب ليلة عيد الميلاد أو بداية السنة أو الشهر ، أو أية بداية لأي شيء للتدليل على الانعتاق والانطلاق لما حصل في سياق النص أي اضطراب .      وعندما انخرطت في جحيم الخطيئة قيل لها : "بأنك أُرسلت إلينا في ليلة القدر  (ص86 ) .      ويمثل هذا الربط كذلك القنصل الأعمى الشاذ وتعليم القرآن الكريم . وهو ينطلق في ذلك من منطق السخرية من الدين الإسلامي وأشكال العبادة .      ففي حق الله تعالى يقول : "وكانت صيحاتهم تختلط بصيحات المؤذن الذي كان يستعمل ميكروفوناً لكي يسمعه الله على نحو أفضل " (ص17 ) .      وعي قاصر      ثم يشكك في وجود الله عز وجل حيث يقول : "هل تذكرين أشكال قلقي عندما كنت تلعبين لعبة الاختفاء ، كنت تختبئين في الصندوق الخشبي الملّون لكي تفلتي من نظر الله ، منذ أن علموك  - بأن الله في كل مكان ، وأنه مطلّع على كل شيء ، وأنت تقومين بكل حركة بهلوانية لتتملصي من حضوره . عند هذا التشكك أغمض عينه " (ص21-22) .      ثم يقول فيما يبدو ثنائية : "صلَّي معي لكي يكتب الله أو القدر أن أموت في حياتك " (ص40) .      أما القرآن في نظره فهو شعر جميل "أنا مثلك أحبُ القرآن كشعر رائع " (ص60) .       أما مرتلو الآيات القرآنية فهم يرتلونها "بيقين جسد جائع " (ص25) أو تختلط بالمساومات بين مغسّلي الموتى وأهل الميت ص (27) ، أو ترى أحدهم "وقد غفا فوق أحد القبور " (ص28) .      وفي المؤذن يقول: "قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق" (ص19) ويعلمنا كيف يجب أن يعاش الدين ، وذلك بإلغاء الآذان ، "يجب أن يعاش الدين في صمت وتأصل ، وليس في هذه الجلبة " (ص19) أما السخرية من الصلاة فيُكررها في مواضع عدة :      "وكنت أتحمل وأتخلى عن الصلاة وكل ما يأتي منها ،وعندما كان يحدث لي أن أذهب إلى المسجد ، كنت عوضاً عن أداء إحدى الصلوات الخمس أعكف على إعداد خطط جد معقدة للخروج من ذلك الوضع " (ص18) ثم يذكر انصرافه عن الصلاة ثلاث مرات بعد هذا التخلي ، في صفحتين هما 19و20 .      صلاة الجنازة ليس فيها سجود      وتصل هذه السخرية مداها حين تقوم بطلة الرواية بإمامة المصلين في الجامع الكبير "خلال يوم أو يومين كان لا يزال يتوجب عليّ أن أمثّل الإبن المحجوب .. وفي الجامع الكبير عُيّنت طبعاً لأؤم صلاة الجنازة ، قمت بذلك بغبطة داخلية ، ومتعة قريبة من التستر .. وعندما كنت ساجدة لم أتمكن من منع نفسي من التفكير في الرغبة الحيوانية التي كان  جسدي البارز بذلك الوضع سيثيرها لدى أولئك الرجال لو علموا بأنهم يصلّون خلف امرأة ، لن أتكلم هنا عن الذين يجسون أعضاءهم بمجرد رؤيتهم لعجز مقدم على هذا النحو " (ص28) .      ومن مظاهر ذلك حشر الإسلام في كل شيء وتكراره بلا مناسبة ، فعند دفن الميت يقول : "لكي يدفنوه وفق أحكام الشريعة الإسلامية" (ص29) وعندما يتحدث عن أخواتها يقول :"الأخوات المسلمات . وهل لها أخوات من ديانات أخرى ؟" ومثل ذلك في حديثه عن القرآن والشعر ومحاكمة المرأة في بلد إسلامي ، والحرية .. الخ       ونراه يطرح بعض الأسئلة ص 59 منها :      تساؤلات غبية      - هل حقاً سيدخل جميع النصارى النار ؟      - بما أن الإسلام أفضل الديانات فلماذا انتظر الله - سبحانه وتعالى - طويلاً كي ينشره ؟      - لماذا وصل الإسلام متأخراً جداً ؟      لا ينزجر بذكر الله      ولعل أسوأ ما في الرواية هو ذلك الربط بين الإسلام والجنس وتلك السخرية البذيئة التي صيغت في شكل دعاء أو تعزيمة فهو يربط بين الله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وسلم وبين الدعوة الصارخة بالجنس والشهوة والاغتصاب ، ولنقرأ ذلك في ص47و48 :      "بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله وسلم على آخر الأنبياء سيدنا محمد وعلى آله وصحبه . باسم الإله الأعلى . الحمد لله الذي جعل المتعة العارمة للرجل تكمن في الداخل الدافىء للمراة ، الحمد الله الذي جعل في طريقي هذا الجسد البالغ الذي يتقدم وفق ما تبتغي شهوتي . هذا دليل على نعمته ووجوده ورحمته ، الحمد لله ، الحمد لك يا أختي أنت التي تسبقينني لكي أشم عطرك ، لكي أخزر وركيك ونهديك ... يا مجهولتي التي أرسلها القدر لكي تشهد بعظمة الله على الرجل والمرأة اللذين سيقترنان" ويتم الاغتصاب في الغابة على اسم الله وتمتمة بعض الصلوات .      تصريح بالشرك      أما أخطر حوار عن الإسلام فهو ذلك الحوار الذي دار بين بطلة الرواية وعشيقها القنصل الأعمى . إنه حوار التشكيك والخلط والتشويش ، ففي الصفحات من 59 إلى 63 يدور حوار يتضمن نفي الديانة ، فالإنسان تيه لا تمسكه ديانة ، والبعد عن الله ديانة .      وصف ذميم لفعل ذميم      ويعود إلى ربط الإسلام بالحقد والكراهية والجنس  في ص125-126 ،  ففي فصل "رماد ودم" تقوم أخوات البطلة بإجراء غريب ، وهو سدُ ما بين الساقين لأنهن وقعن في وهم ذكوريتها ، وتبدأ العملية "يمكنك الشروع في صلاتك ، منذ خيانتك اكتشفنا فضائل ديننا الحنيف ، وصار العدل هوانا الأعظم ، والحقيقة مثلنا وضالتنا، والإسلام دليلنا .. والآن باسم الله الرحمن الرحيم المنصف القدير نفتح الحقيبة الصغيرة " ويبدأ بعد ذلك الوصف الدقيق لهذا الفعل الذميم .      3- الأسلوب      اعتمد الكاتب أسلوب الأحلام والأخيلة ، والانطلاق من عالم الرؤى إلى عالم الواقع ، بل إنه اعتمد الأحلام كمدخل للواقع وليست من مكدساته ، وكأنه يجعل الأحلام من الرؤى التي تصدق على الواقع ، وهذا ارتفاع بالرواية وأبطالها إلى درجة الوحي .      استرسال في البذاءة      وقد اعتمد أسلوب السرد المطلق في روايته . ورواية بهذا الشكل السردي ستكون قابلة لأن يملّ منها ، ولكن الطاهر بن جلّون علىالرغم من اعتماده السرد، إلا أنه جعل الحوار مدخلاً للسرد ، والأحلام سرد ، والرسائل سرد ، ومع ذلك فقد استطاع بسرده الوصفي أن يجعلك تتابع نهاية القصة ، وهذا إشارة إلى ما يتمتع به القاص من حس روائي ، وقدرة على جعل السرد الوصفي مشبعاً بالحدث مع تأدية وظائف أخرى لعناصر القص ؛ كتحليل الشخصية ، وجمع خيوط الحبكة ، وتأصيل عنصري الزمان والمكان ، مع الإرهاصات التي يوحي بها السرد .      إلى جانب ذلك فقد حظي الأسلوب ببذاءة نادرة المثال ، فالنشيد الجنسي الذي ينشده ابن جلّون في الرواية يكاد يصل إلى عشر صفحات متفرقة في ثنايا الرواية .      فهو مثلاً يأتي بوصف كامل لعمليتي اغتصاب في أربع صفحات ، في الصفحات (47-48-98-99) .      تجميع القذارة من كل مكان      ثم يتفضل بنقل تلك العبارات البذيئة التي يكتبها السفلة والمراهقون على جدر الحمامات ، إن صفحةكاملة هي ص58 كتبت بخط دقيق من خمسة وعشرين سطراً خصصها الكاتب لذكر هذه العبارات الشائنة وتلك الرسوم الفاحشة .      إباحية مخجلة      ولقد رأى من الضروري أن يأتي بثمانية عشر اسماً للعضو الأنثوي .      ولعلّيَ بنقل بعض العبارات التي تميزت بالحياء أعطي صورة عما ذكرته آنفاً.      في ص 48 يقول : "أحسست بسائل ساخن وخاثر ينساب على فخذي " ، في ص 49 يقول : "أهذا هو الوقت الذي نأتي فيه لنتخلص من بصاق الرجال " ، في ص 54 يقول : "هل تعرفين كيف يمكن الاحتفاظ برجل ؟ بهذا وبهذين ، وضعت يداً أسفل البطن والأخرى على الردفين " .      أكتفي بهذه الأمثلة الخجولة ، وأعرض صفحاً عن تلك الأمثلة التي تغص بها الرواية .      شخصيات مريضة      3- شخصيات الرواية : إنّ ما يميز هذه الشخصيات في أغلبها هو التسطيح البعيد عن العمق والتحليل ، حتى بطلة الرواية تسّيرها الأحداث ، ولكنهم جميعاً حاقدون ، بلا روابط ، بلا عواطف ، يقطعون جذورهم بأيديهم ، ويتصرفون بحقد غريب ، فالأب حاقد على زوجته وبناته ، ويتمنى أن يصل إليهن وباء التيفوئيد ، ولهذا لم يعطهن التلقيحات والأدوية التي كانت توزّع مجاناً ، وهو شرير في الوقت نفسه ؛ لأن دمه يتغذى على الحقد والخبث .      والزوجـة - الأم - حاقـدة عـلى زوجها على الرغم من تذرعها بالصمت .      فهي تتمنى أن تعيش بعده شهوراً ، ولما طالت حياته ارتضت الجنون طريقاً للتنفيس عن حقدها ، والأخوات يحتفلن رقصاً بوفاة الأب .      وبطلة الرواية حاقدة على أبيها ، حيث تخنقه ميتاً وتدوس جثته ، وعلى أمها وأخواتها وعمها الذي قتلته .      والجلاّسة حاقدة فقد تركت أبويها يموتان ثم انصرفت دون تردد ، ودون أن تذرف عليهما دمعة واحدة .      والقنصل حاقد على الدنيا والدين والناس وعلى أخته ، فهو لم يحبها كأخت بل كشحاذة تعطي كل ما تملك مقابل الدفء .      4- ملحوظات موجزة      "كان ذلك خلال تلك الليلة المقدسة ، ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان ... حين استدعاني أبي المحتضر وقتذاك إلى جوار سريره وحررّني.. كان يتكلم معي بصوت خفيض ، فقد كان الموت حاضراً ... كان الموت يقترب منضباً تدريجياً ماء وجهه.. واستمر يحادثني حتى مطلع الفجر.." (ص17) .      يبدأ الوالد حديثه بوصف ليلة القدر والأطفال ، ثم وصف حالته مع أسرته وما يعانيه ، وخصوصاً علاقة الكراهية التي تربطه بالأم ، لا لشيء إلاّ لأنها صابرة على أذاه ، وتلد له كل سنة البنت تلو الأخرى .      وينتقل للحديث عن أخيه الجشع وزوجته الكريهة ، ويعود بالذاكرة إلى موقف والده من أخيه ، ذاك الذي هو عار العائلة ، ويستمر وهو في النزع الأخير يسرد عليها حادثة بعد حادثة ، وقصة بعد قصة ، وتوجيهاً إثر توجيه ، بأفكار منظمة لا يشوبها تشويش مرض الموت ، ودقة في الوصف عجيبة ، واسترسال وطول سرد استغرق الصفحات ص 17-24 ، وللعلم فإن الرواية مكتوبة بخط دقيق جداً.      قلب الحقائق      إن حياة المواخير التي يجعل لها فصلاً كاملاً هي في نظر المؤلف حياة النقاء : "إنها حالة يطفو فيها كل من الجسد والمشاعر ، ويحملاني صوب ذرى من الهواء النقي" (ص100) .     الفضيلة في نظره هباء ، والرذيلة هي السعادة والاكتمال ، وهي الاكتشاف للذات ، ورفعة النفس تكمن في الانغماس في الدنس ، ففي شهادة الأعمى العشيق يرى أن قتلها لعمها هو ما "أملته عليها رفعة نفسها" (ص111) .      مفاهيم معكوسة     الجريمة عنده حركة مشروعة ، ما دام الإنسان مكروهاً أو يثير الاشمئزاز ، فقتل بطلة الرواية لعمها أمر مشروع ، وهدف إنساني ، ففي رسالة القنصل لها يقول : "هل تعلمين بأن موته - عمها - أشاع السعادة لدى الجميع ، لقد كان مشنعاً عليه من طرف الناس... كل هذا لكي أقول لك بأن حركتك كانت مشروعة" (ص116 ) .      تضارب      أخوات بطلة الرواية لم يعتدن الخروج مطلقاً من بيتهن ، وكان الوالد يضيّق عليهن في كل شيء ، فظللن جاهلات أميّات ، وفجأة يخرجن بتخطيط عجيب للبحث عن أختهن الهاربة ، ويصلن إليها ، وينظمن عملية الاعتـداء عليهـا وتشويهها بالتآمر مع جميع المسؤولين عن سجن النساء .      كانت المصادفة من المساويء التي تعيب الرواية ، ففي هذه الرواية نجد الكاتب يستخدم الأحلام والرؤى الصادقة كواقع حقيقي ، وأعجب من ذلك انتقال هذه الأحلام والتهيؤات من شخص لآخر ، وانظر في ذلك (ص31-38،86،13،126،141،145) فالتقاء الحلم بالحقيقة ظل يتردد في الأحداث وكأن الأحلام هي محور الحقيقة والهدف .      5- الجائزة      الجائزة وخصوصاً إذا جاءت من الغرب تنقل الكاتب إلى عالم سحري خيالي، وتنقل الكثير من المصابين بعقدة النقص إلى عوالم عديدة . تحملنا الدهشة ويحطنا الاستغراب ؛ لأن كاتباً عربياً استطاع فصم عرى الحلقة الغربية وانضوى تحت لواءٍ من ألويتها .      وهذا كاتب مغربي حصل على جائزة "جونكورد" الفرنسية ؛ لأنه ارتضى سلخ الجلد وقطع اللسان واستبدل بهما جلداً ولساناً فرنسيين .      لا نشك في أن الجوائز الدولية تضع أسساً ومعايير للحصول عليها ، ولسنا نشك أيضاً في أن معيار الجودة هو أساس من هذه الأسس ، ولكننا لا نقتنع بأنه الأساس الوحيد الذي تقوم عليه الجائزة .      فما مؤهلات هذه الرواية للحصول على هذه الجائزة الفرنسية ؟      لعلّي في حديثي عن أسلوب هذه الرواية قد أبنت في حياد تام عن مدى الجودة في هذا المضمار ، تبعته جودة في الوصف والحبكة ، والانتقال من حدث إلى حدث بلغة شفافة وثقافة مؤهلة وحس روائي ، وبذلك اجتازت الأساس الأول .      أساس ثانٍ : اهتمام الدول الغربية بلغاتها والناطقين بها ، وقد جرى عرف فرنسي على اجتماع سنوي للناطقين باللغة الفرنسية يحضره رئيس الدولة ، فكان هذا الأساس تشجيعاً للكتاب في تلك الدول على هجر لغاتهم والانتماء إلى اللغة الفرنسية ، وهذه الرواية كما ذكرنا كتبت بالفرنسية وترجمت إلى العربية .      أساس ثالث : من أهداف هذه الرواية النعي على الدين الإسلامي والدعوة إلى الإنعتاق من ماضينا وتراثنا ، وهو هدف حيوي وجوهري لأولئك المشرفين على هذه الجائزة .      أساس رابع : اتباع مناهج الغرب ومذاهبهم الفنية والتعلق بها ، وهو إن كان من باب "بضاعتنا ردّت إلينا " إلا أنهم  يستقبلون هذه البضاعة بتشوّق وامتنان ، لهذا التصوير - أو إعادة التصوير كما يطلق عليه في العرف التجاري - كدليل على أن بضاعتهم رائجة وأسواقهم نافقة .      ويظهر تأثر الكاتب بالعديد من مدارس الأدب الغربي وأعلامه ، فالذاتية من خلال تحقيق الوجود مع تحمل مسؤولية الفعل هي الحرية التي ينادي بها الكاتب وهي صميم الوجودية .      أما العبث فهو من هذا الانطلاق في أفعال لا طائل من ورائها ، فدفن الأب والأشياء ذات الصلة بالماضي ، والانطلاق هائمة على وجهها ، تجسّد قومية وحياة الرذيلة ، ثم قتل العم والانتقال للسجن ، وممارسة العهر ، وحتى انتهاء الرواية بالعزلة لم يعط شخصية بطلة الرواية أي نوع من تحقيق الذات .      وهو يتأثر بسيجموند فرويد ونظرياته الجنسية عن الشذوذ والعقد والكبت ، وقد ظهر ذلك جلياً في حديثنا عن الشذوذ والإسلام والجنس .      مسخ المسخ      وكذلك يتأثر بكافكا ومسخه ، فالأب بعد أن تصوّر ابنته ذكراً ظل يعاني في وحدته ، في ليالي عزلته ، في أعماقه "بصورة المسخ التي لا تطاق" (ص20) .      ويتكرر ذلك حيث يقول : "ولاكتساب ولادة جديدة كان عليَّ انتظار موت الأب والأم ، فكرت في التسبب فيه ، في التعجيل به ، وكنت سأنسب هذا الإثم للمسخ الذي كنته " (ص41) .      "وباختفاء الأب كان على شيء ما أيضاً أن ينتهي ، كان سيحمل معه إلى قبره صورة المسخ الذي صنعه " (ص42) .      وهكذا نحس سيطرة مسخ كافكا على الفكرة الرئيسية في هذه الرواية .      وأخيراً ، إذا كان بير لوباب المحرر الأدبي بجريدة لوموند قد قال : "إنها رواية تعلم صعب وحنون " فأنا أقول : "إنها رواية تعلم الجنون"

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

دراسات ومقالات

أدب الأندلس العربي.. متحرك كحركة الأرض !!

كانت (الأندلس) تمثل اللقاء بين الشرق والغرب، وهو لقاء تم فيه تعايش وتمازج العديد من العناصر والأجناس بين عرب وبربر وإسبان وصقالبة ومسيحيين ويهود، إنه لقاء نشأ عن تأثير متبادل في الأخلاق والأذواق والعادات مما أوجد حضارة لها...المزيد