الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

د.حسين شحاتة .. وحوار في الاقتصاد

5315 1 698


أ.د. حسين حسين شحاته المفكر الاقتصادي:
- الاقتصاد الإسلامي له ذاتية تختلف عن الاقتصاد الوضعي فهو يقوم على الأخلاق وعلى الحلال وعلى الزكاة
- الذي يسهم في إفشال تجربة البنوك الإسلامية كأنه يقول إن الشريعة الإسلامية لا تصلح للتطبيق
- إخراج الزكاة في أموال دولة واحدة غنية يكفي لإنقاذ قارة أفريقيا من الفقر
- لا بد من التنسيق والتعاون بين الدول الإسلامية تمهيدًا لإقامة سوق إسلامية مشتركة
- لا يجوز أن ندعم الاقتصاد المعادي ونترك الاقتصاد الوطني دون رعاية
- من أولى بالدعم عندنا تجارة شارون أم تجارة محمد المسلم؟
- مقاطعة البضائع والمنتجات الأجنبية فريضة واجبة

_____________
إن المال والإنفاق قضية أصيلة تضرب في أعماق الفقه الإسلامي وأصل كبير من الأصول ، بل إن المال يقع في فرائض كثيرة من فرائض الإسلام وواجباته مثل الزكاة والجهاد والمعايش وغيرها . ومن أجل ذلك كان اهتمام القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة بقضية المال . وليس أدل على ذلك من حديث القرآن الكريم في سورة واحدة هي سورة البقرة عن المال والإنفاق في عشرين آية متتابعة من الآيات الطوال ، تبدأ من قوله تعالى في الآية الواحدة والستين بعد المائتين من سورة البقرة : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " ومن هنا نعلم لماذا أفردت كتب الفقه والفقهاء مساحات واسعة للحديث عن المعاملات والبيع والشراء .. إنها قضية المال التي نسميها نحن المعاصرين قضية الاقتصاد الإسلامي الذي يواجه حربًا ضروسًا من آلة الاقتصاد الوضعي . والله غالب على أمره ، ومن أجل مزيد من التوعية كان هذا الحوار :

نحييكم يا دكتور ونبدأ حوارنا بالسؤال عن أهمية المال في حياة المسلم؟
نعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ،الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل المال في أيدينا وليس في قلوبنا وأن نستخدم هذا المال ليعيننا على طاعته وأن يجنبنا عبادة هذا المال فهو خلق من خلق الله عز وجل له وظيفة وهي أن يعين الإنسان على عبادة الله سبحانه وتعالى ، ولا يجوز لهذا المال أن يعطل غاية المسلم وهي عبادة الله عز وجل.
والمال نعمة من نعم الله عز وجل إذا التزم المسلم بالتعامل معه وفق شرع الله ، فعقيدة المسلم نحو المال أن هذا المال ملك لله سبحانه وتعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم "  و" نعما المال الصالح في يد الرجل الصالح ".
وقد حبب الله إلينا هذا المال ، ولكن بشرط ألا يطغى الإنسان بهذا المال ويجرفه إلى طريق الشيطان ، والمال قد يكون نقمة على صاحبه إذا اكتسبه من حرام وأنفقه في حرام ، والله عز وجل بشرنا بالبركة في هذا المال من خلال عمل الصالحات فالعمل الصالح والاستغفار هي من موجبات البركة في المال ، والذنوب والمعاصي من الأسباب التي تمحق هذا المال .
وللمال في القرآن الكريم حظ عظيم ، والآيات التي تتحدث عن المال في القرآن كثيرة جدًا وهي تحمل جوانب إيمانية ، فكل آية منها نجد الله عز وجل قد حملها جوانب إيمانية حتى في وصف وتعديد صفات المؤمنين نجدالمال حاضرًا "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكرَ الله وجلت قلوبهم وإذ1 تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" ، " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا " .
والمسلم حينما يتكلم عن المال ينبغي عليه أن يعرف فقه هذا المال وإلا وقع في الربا والخبائث ، وفقهاؤنا استخلصوا مجموعة من القواعد أو الضوابط الشرعية التي تحكم كسب هذا المال مع الإيمان الراسخ أننا سوف نقف أمام الله عز وجل في الآخرة يسألنا عن هذا المال من أين اكتسبناه وفيما أنفقناه ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : [ لا تزولا قدما عبد مؤمن يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمله به ] ، فأنا كمسلم حينما أستشر أن لي مع الله عز وجل وقفة يوم القيامة يسألني فيها عن مالي من أين اكتسبته وفيما أنفقته ، يجب على أن أستعد لهذه الوقعة وأعرف شرع الله في هذا المال .

من ضوابط كسب المال
وأول هذه الضوابط أن يكتسب هذا المال من حلال " كلوا مما في الأرض حلالاً طيبًا ، فالمسلم يجب أن يتحرى ويلتزم جيدًا بأن يكون كسبه من حلال ، وحيث إن من المصادر الرئيسية للكسب العمل ، فيجب على المسلم أن يعمل ليكسب من حلال بعمل مشروع وطريق حلال ، والأصل في المعاملات الحل ما لم تحرم بنص من الكتاب أو السنة ، وهناك جهات العمل فيها حرام وبالتالي الكسب فيها حرام مثل العمل في الخمور وتجارة المخدرات والعمل في المؤسسات التي تتعامل بالربا أخذًا وعطاءً ، والعمل في مؤسسات تدعم أعداء المسلمين ، والعمل في أماكن القمار والميسر وفيها الفسوق والعصيان وغير ذلك من الأعمال الواضحة الحرمة.
وهنا ينبغي على أفراد الأسرة أن يعينوا رب الأسرة على أن يكتسب ماله من حلال ، وهذه هي المرأة الصالحة توصي زوجها كل صباح " إياك والكسب الحرام فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار ".
والضابط الثاني من ضوابط كسب المال أن يكون من الطيبات " كلوا مما في الأرض حلالاً طيبًا " وبذلك نتجنب الخبائث " لا يستوي الخبيث ولا الطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث " فينبغي أن يكون مجال العمل من الطيبات ، ومسألة الطيبات مما حفل القرآن والسنة بها .

الضوابط كثيرة والحديث فيها ممتد وقد نتعرض له في جوانب هذا الحوار ونعود إليه ولكننا ننتقل - إذا أذنت - إلى الحديث عن الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق ، وأريد أن أقول إن الناس يتعاملون مع الاقتصاد الإسلامي إلى يومنا هذا على أنه نظرية محلها الكتب ولا تنظر بعين الإنصاف إلى تطبيقه في صورة البنوك الإسلامية منذ بداياتها في الستينيات ، بل يوسعون هذه البنوك والمصارف ضربًا وقدحًا ونقدًا وهي عندهم تستوي والبنوك التقليدية ، ولا محل لها من الاقتصاد إلا أن تذوب في البنوك التقليدية ، لو تفضلت بالحديث حول هذه القضية ؟
الاقتصاد الإسلامي معناه ممارسة الحياة الاقتصادية وفقًا لأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية ، ولذلك فمرجعية الاقتصاد الإسلامي في مجال الثوابت هي فقه المعاملات ، وفقه المعاملات مرتبط في أحكامه بالقرآن والسنة ، ومن الخطأ أن يعتقد الناس أن الاقتصاد الإسلامي علم معاصر ، قد تكون التسمية هي المعاصرة ولكن فقه المعاملات قديم ، والتجار المسلمون كانوا يطبقون الاقتصاد الإسلامي في حياتهم في البيع والشراء والقبض والصرف وغيرها .
والاقتصاد الإسلامي له ذاتية تختلف عن الاقتصاد الوضعي ؛ فهو يقوم على الأخلاق وعلى الحلال والمشروعية وفقه الأولويات الإسلامية ويقوم على المحافظة على المال وعلى تنمية المال وعلى الزكاة ونبذ المعاملات الربوية ، وهذا لا يوجد في الاقتصاد الوضعي ، ولا بد أن نؤكد هنا أن صحوة الاقتصاد الإسلامي ظهرت منذ الأستاذ الدكتور محمود أبو السعود - رحمه الله - ، والأستاذ الدكتور عيسى عبده - رحمه الله - ، وشيخنا الجليل محمد الغزالي - رحمه الله - ، وأول كتاب كتب في الاقتصاد الإسلامي كان عام 1947م كتبه الشيخ الغزالي وهو الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية . ومن يقرأ هذا الكتاب الآن يجده يتضمن الإطار الفكري للاقتصاد الإسلامي المعاصر .

تجربة المصارف الإسلامية
والمصارف الإسلامية هي نموذج من نماذج تطبيق الاقتصاد الإسلامي وليست هي الاقتصاد الإسلامي ، وهي تجربة نشأت في مجتمع ربوي ، وتحارب من قبل البنوك التقليدية وتحارب من البنوك الغربية ، وأيضًا تحارب من داخلها بسبب بعض العناصر البشرية التي لا تؤمن بالإسلام كرسالة .
وهذه التجربة - شأنها شأن أي تجربة جديدة - لها أخطاء ولا يمكن أن تكون مثل البنوك التقليدية التي مضى على بداية تجربتها أكثر من مائتي سنة ، ومن الظلم مقارنتها - وخبرتها 20 سنة - بتجربة البنوك التقليدية .
وإذا نظرنا بمنظار موضوعي فسنجد أن إيجابيات المصارف الإسلامية كثيرة جدًا أكثر من سلبياتها ، وأنت - يا أخ محمود - على سبيل المثال أمامك محل أو بنك مسلم صاحبه مسلم يشهد الشهادتين ويؤمن إيمانًا راسخًا بتحريم فوائد البنوك ويؤمن بفرضية الزكاة ويؤمن بتجنب الخبائث ولكنه يخطئ وبنك آخر يفصل الدين عن الحياة ، يفصل بين الإسلام وبين البنك سواء كان صاحبه يهوديًا أو نصرانيًا أو أي ملة أخرى .. مع من تتعامل ؟ مع البنك المسلم طبعًا وأشد عليه وأعاونه ولا أمسك السكين وأقطعه .

هذا يجعلنا نرد إلى مرجعية هذا ومرجعية هذا ، فالاقتصاد الإسلامي أو البنوك الإسلامية والشركات والمؤسسات الإسلامية مرجعيتها إلى ماذا ؟ إلى ما تفضلت به إلى أحكام وقواعد الشريعة الإسلامية ، والبنوك الأخرى إلامَ ترد ؟ إلى قوانين وضعية معظمها مستنبط من فكر يهودي ، والربا أساس وركن من أركان معاملاتها ، فالرد إلى المرجعية قد يحل لنا هذه الإشكالية .
أنا أسألك : هل البنوك التقليدية لها صناديق زكاة ؟ هل البنوك التقليدية تعطي قروضًا حسنة ؟
هل البنوك التقليدية لا تتعامل بالخبائث ؟
هل تؤجل البنوك التقليدية المدين إلى حين ميسرة ؟
هي لا تفعل هذا ، والبنوك الإسلامية تفعله مع وجود أخطاء والكمال لله وحده ..

على كل حال نستطيع أن نلخص المسألة في أن الفرق بين البنوك الإسلامية والبنوك التقليدية هو كالفرق بين الشرع وبين الوضع ..
مع الأخذ في الحسبان أن البنوك الإسلامية تجربة جديدة تعمل في بيئة غير إسلامية وتواجه بقوانين وضعية ..

ننتقل إلى نقطة أخرى فقد تحدثت عن المال في حياة المسلم وعن الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية بين النظرية والتطبيق ، نريد شيئًا من التفصيل عن البنوك الإسلامية وتجربتها..
الذي أُريد أن أقوله أن هناك مسؤولية على المسلم تجاه هذه المؤسسات إذا كان سببًا في إفشالها ، فكأنه يقول إن الشريعة الإسلامية لا تصلح للتطبيق وهو حينئذ آثم ، قال الله عز وجل " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " فإذا كانت البنوك الإسلامية فيها شيء من الخير فعليه أن يدعمها وإذا كانت هناك بعض الأخطاء فإنها تقوم بالحكمة والموعظة الحسنة .

أنت تكلمت عن المال والكسب والإنفاق وعلاقةأو حظ المال في القرآن الكريم ، والحقيقة أننا لو قرأنا سورة واحدة من سور القرآن الكريم وهي سورة البقرة مثلاً لوجدناها تتحدث عن المال والإنفاق وقضاياه في أكثر من عشرين آية متتابعة تبدأ من قوله تعالى : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله .. " الآية رقم 261 إلى قوله " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهانٌ مقبوضة .. " الآية رقم 283 وهذا يدل بصورة معجبة على اهتمام القرآن واهتمام الشرع بالمال وقضاياه ، نعود بحضرتك إلى الحديث عن الضوابط الشرعية التي بدأت الحديث عنها في بداية الحوار؟
مشكلة المسلم الفرد هي في عدم التزامه شرع الله في ماله وإنفاقه ، فقد يكتسب المال من الحلال ويكد ويتعب ثم ينفق هذا المال في المعاصي ويسرف ويبذر ، والبيت المسلم تختل ميزانيته حينما يختل التوازن بين الكسب والإنفاق ، وعندنا حديث عظيم للرسول صلى الله عليه وسلم وهو يكفي لضبط المال والإنفاق : [ رحم الله امرءاً اكتسب طيبًا وأنفق قصدًا وقدم فضلاً ليوم فقره وحاجته ] ثلاثة محاور للمال إذا كنت معتدلاً في إنفاقك وطيبًا في كسبك تدخر لنوائب المستقبل وهذا ما نسميه بالادخار ، والخلل إنما يأتي من عدم الانضباط أو الالتزام بهذه القواعد ، ولذلك نجد القرآن الكريم والفقهاء أسهبوا كثيرًا في الحديث عن المال وضوابطه ، ونلخص ذلك في نقاط :
01 الانفاق بالحلال 02 الانفاق بالطيبات   03  الاعتدال في الانفاق      04 التزام الأولويات الإسلامية في هذا الانفاق ، فالضروريات وفي الحاجيات وفي التحسينيات 05 الادخار للمستقبل   06 إخراج الزكاة وغير ذلك.
وتكفينا آية واحدة تقفنا على منهج الإسلام في الانفاق وهي قول الحق سبحانه وتعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " ، والبيت والمجتمع الذي يلتزم هذا المنهج لا يلجأ أبدًا إلى الاقتراض إلا لضرورة ، ومن عظمة الفقه الإسلامي أنه ربط الاقتراض بالضرورة ، فلا اقتراض إلا لضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها ، فليس الاقتراض للترف ولا للكماليات وإنما للضرورة ، وإذن فنحن لو طبقنا الضوابط الشرعية في الكسب وفي المال على الفرد يعيش مستقرًا ، وعلى المجتمع يعيش مستقرًا ، وعلى الدولة تعيش مستقرة ولا تثقل الديون كاهلها.

جزاكم الله خيرًا ، وإذن فالقواعد الشرعية للإنفاق والكسب تنطلق من الكتاب والسنة ، من مثل الآيات الكريمة " كلوا واشربوا ولا تسرفوا " ، " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا ، أذكر أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان حينما تقدم إليه ابن أخيه عمر بن عبد العزيز ليخطب ابنته فاطمة سأله عبد الملك عن إنفاقه أو نفقته فقال عمر بن عبد العزيز - الخليفة الراشد - الحسنة بين سيئتين وقرأ الآية : لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا " فالإسراف والتقتير سيئتان ، والقوام هو الحسنة
فتح الله عليك ، والآية الكريمة " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " فمع أخذ الزينة والتزين للعبادة والمساجد نهى عن الإسراف والتبذير.

ائذن لي فضيلتك أن أنتقل بالحديث إلى استخدام الاقتصاد كما هو حاصل الآن - كسلاح في الحروب الباردة أو الساخنة التي تُدار في هذا العصر حتى أصبحت فاعلية هذا السلاح تفوق في بعض جوانبها بعض الأسلحة الفتاكة ، ومع الأسف أن الدول الإسلامية هي غالب من يستخدم ضدها هذا السلام؟
الاقتصادسلاح استخدمه من قديم الكفار ضد رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب حينما تمت محاصرة المسلمين اقتصاديًا واجتماعيًا ، وأُريد أن أُركز هنا على سلوك المسلمين في هذا الحصار ، هل وهنوا واستكانوا واستسلموا للكفار والمشركين؟

لا لم يهنوا ولم يستسلموا..
الاقتصاد سلاح يستخدمه الكفار والمشركون واليهود والصليبيون الذين يحملون كل البغض والعداوة للمسلمين منذ بدء الرسالة ن ولكن المسلم حينما كان يفاوض على ماله وعقيدته ودينه كان يثبت على دينه وعقيدته وإن ضحى بماله ، ولذلك تجد في القرآن الكريم " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " " والذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم " ، فلا بد هنا أن ننبه المسلمين إلى أن هذا النوع من الحروب الاقتصادية قديم والذي ينبغي على المسلمين في كل مكان يحاربون فيه أن يثبتوا على دينهم وعقيدتهم.
وإذا نظرنا إلى الواقع الذي يعيشه المسلمون الآن فلا بد أن نتساءل ما الذي جعل أمريكا وهذه الدول تستخدم هذا السلاح ضد المسلمين علمًا بأن المسلمين عندهم المال والأنهار والخامات والإمكانات وعندهم الإنسان المسلم المتوضىء الطاهر ، وإذن فكل عناصر التنمية موجودة ولا ينقصهم إلا أن يلتزموا منهج الإسلام وطاعة الله ورسوله ، قال الله عز وجل "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " ويقول كذلك في آخر سورة الأنفال " والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير " ، وإذن يا أخي الكريم نحن المسلمين ما انهزمنا ولا حوصرنا إلا بعد أن هانت علينا أنفسنا وتنازعنا ففشلنا وذهبت قوتنا ، وهذا ابتلاء من الله عز وجل لن يرفع عنا إلا أن نعود إلى الله عز وجل ..

ألا ترى يا سيدي المبارك حفظك الله أننا نساعد هذه الدول في استخدام هذا السلاح ضدنا بمعنى أن أكثر أموال المسلمين تستثمر في بنوك ومؤسسات الغرب ، وكأننا نسلم رقابنا طائعين ليقعطها هؤلاء حينما يشاؤون؟
هذا سببه أن الدول الإسلامية لا يثق بعضها ببعض ، فأنا عندما أثق فيك أعطيك مالي وأشاركك وإذا لم أثق بك فلن أعطيك شيئًا ، وإذن فالمال جبان يبحث عن المكان الأمن لينمو ويزداد ، والذي فعله خبثاء الغرب أنهم استطاعوا أن يبثوا روح الفرقة والريبة وعدم الثقة بين أولياء أمور المسلمين من ناحية وبين الدول الإسلامية نفسها ن وبالتالي فقد هاجرت الأموال العربية المسلمة بحثًا عن مكان تزداد فيه بعيدًا عن دولها.
والمشكلة يا أخي محمود أنني مثلاً رجلٌ غني أضع مالي في بنوك أمريكا بفائدة 2% ، فيذهب أخي محمود الرجل الفقير ليأخذ هذا المال بفائدة 10 % ، 11 % ، فأصبحت خيرات المسلمين والعرب بهذه الطريقة تذهب إلى غيرهم ، والسؤال الآن كيف نعيد هذه الأموال إلى ديارها ؟ يقول الله عز وجل " واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا " فإذا كنا إخوانًا معتصمين بحبل الله فلا بد أن نتعاون ونهيئ المناخ الآمن لاستقبال هذه الأموال ، ولا بد أن يكون عندنا علماؤنا وأئمتنا ومشايخنا أمثالكم لينشروا التوعية الاقتصادية ، يقول أحد الدعاة " احرص يا أخي على أن تضع مالك في يد أخيك المسلم لأن في مال أخيك المسلم حقا لله عز وجل".

هذا صحيح والحقيقة - للتاريخ - أذكر هنا حينما كانت المناقشات حول فوائد البنوك والفتاوى الصادرة بشأنها محتدمة ، أن الشيخ الغزالي - رحمه الله - والحملة كانت شديدة على البنوك الإسلامية ، قال بالحرف الواحد " أنا من أغنياء المسلمين ، وقد وضعت مالي في بنك فيصل المصري والإشاعات قوية بأن البنك سينهار ويفلس وقد نصحني الناس بسحب أموالي منه ، وأقول الله لو انهار أو أفلس أو كان ما كان فلن أسحب شيئًا من أموال من بنك يتعامل فيها تعاملا إسلاميا " والذي أريد أن أقوله هنا أن المال عنصر من عناصر التكافل الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المسلم فإذا غيبنا هذا العنصر فبم يتكافل الناس ؟ كما غيبنا الزكاة ، وأنا أدعو فضيلتك للكلام فيها الآن ، والزكاة من أموال وثروات المسلمين المترامية إخراجها وإنفاذ فرضيتها قد يخرج الأمة كاملة من هدتها التي هي فيها الآن.
نريد أن بربط هذا الحديث بالقضايا المعاصرة ، فأمريكا الآن تشن هجوما شديداً وقاسيا على المؤسسات الخيرة وتدعي كذبا أن هذه الجمعيات الخيرية الإسلامية تمول الإرهاب " كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقول إلا كذبا" وتدعى كذبا أن البنوك الإسلامية تمول الإرهاب وتستخدم سلام الإرهاب لابتزاز أموال المسلمين وتعطيل الجمعيات التي تقوم بأغلى رسالة وهي كفالة اليتيم والمسكين والشيخ والعجوز والمريض ، ولذلك لا بد أن نحرض جميعاً حكاما ومحكومين على أن نفوت على أمريكا مقاصدها ، رحم الله الشيخ الغزالي فننحن لا ينبغي أن ننصاع لأمريكا إذا وضعت في أيدينا معاول وأمرتنا أن نهدم صرح هذه المؤسسات الإسلامية .
أما واجبنا نحو هذه المؤسسات لأن أقل ما تعمل عليه هو إحياء فريضة الزكاة ، و الزكاة ، والزكاة علاج الأمراض المجتمع التي عجزت الضريبة وعجزت دول العالم بسياساتها الاقتصادية عن معالجة هذه الأمراض ..
كنت في مؤتمر في السنغال سنة 992 عن دور الزكاة في علاج مشكلة الفقر ، وقد تم في هذا المؤتمر حساب الزكاة بصورة علمية على أموال دولة الإمارات فقط فوجدوا أنها تكفي لإنقاذ فقراء أفريقيا مسلمين وغير مسلمين ، وهذه إحصائية موجودة وهي من أوراق هذا المؤتمر المنشورة . ولكنه لبحث العلمي والإحصائيات ، فإذا كانت زكاة مال دولة واحدة غنية تكفي لفقراء قارة فما بالك بباقي الدول ؟!
الزكاة تحول الفقير والمسكين إلى قوة منتجة في المجتمع ويصير بعد ذلك هو نفسه من المؤدين للزكاة ، وتعالج مشكلة البطالة أنها توجد فعلا فرصا لتشغيل العاطلين ، وتساعد الشباب على غض البصر وحفظ الفرج بمساعدة الشباب على أمر الزواج وتيسيره لهم .
الزكاة تستطيع أن تعين الأقليات الإسلامية المعتدى عليها ، وتساعد أبناء الشهداء في أي مكان ، فمن يعولهم إلا هذه الجهات التي تقوم على أمر الزكاة ، ونستطيع بجزء من أموال الزكاة أن نبني مؤسسات اقتصادية ونوظف فيها أبناء الفقراء والمساكين وهذا النظام يسمى نظام الرعاية الاجتماعية والتضامن الاجتماعي . والشيخ محمد عبده حينما كان في فرنسا وكلموه عن نظام التأمين الإسلامي فقال لهم عندنا نظام يسمى نظام الزكاة ومن شأنه كذا وكذا فقالوا له لستم في حاجة إلى نظام التأمين فنظام الزكاة هو التأمين الحقيقي .

سوق إسلامية مشتركة
ائذن لي فضيلتك أن أتحدث معك بلسان العامة فنحن نسمع كثيراً عن صندوق النقد الدولي وصندوق النقد الدولي العربي ولا نسمع عن وجود صندوق الإسلامي ، ونسمع عن منتدى دافوس الاقتصادي ونادي باريس للدول الدائنة ومؤشرات نازداك ونشرات داوجونز وغيرها من مفردات الاقتصاد الموضعي ،أين نحن من هذا كله ولماذا لا يكون مثل هذا الحضور الدولي ؟

هناك جهود بذلت ، البنك الإسلامي للتنمية بجدة له علمته الخاصة الدينار الإسلامي ونأمل أن تكون هذه هي البداية بدلاً من أن تكون عملتنا ذنبا للدولار ترتبط بالدينار الإسلامي وهناك تفكير جدي في إنشاء سوق مال إسلامية وقد بدأ نواتها عن طريق مؤسسات الشيخ صالح عبد الله كامل في البحرين ، وصدرت فعلاً أوراق مالية إسلامية.
وأنا أريد أن أقول شيئا فقبل أن أشترك معك في سوق لا بد أن يسبق هذا تنسيق وتعاون أهيئك وتهيئني ، هناك شكوك وخلافات بين الدول الإسلامية، و لا بد أن نعمد إلى هذه الخلافات فنصفيها وتقضي عليها وبدون هذا سوف تنهار كل الجهود لإنشاء سوق إسلامية مشتركة ، ولذلك نرى الاتفاقيات الثنائية وغيرها بين الدول الإسلامية سرعان ما تنهار بسب عدم التهيئة والتنسيق فيا ليتنا نحقق التكامل والتنسيق والتعاون أولاً .
إننا في مؤتمر في جامعة الأزهر نحو إيجاد سوق مشتركة وجدنا بالإحصائيات والدارسات ، أن حجم التعامل بين الدول العربية لا يتعدى 7% وهذا يعني أننا في البيت العربي ندعم اقتصاديا الدول الأخرى - غير الإسلامية - بنسبة 93 % ، ويسوقون الحجج بأن المنتج الأجنبي جيد ورخيص ، ونحن إذا تعاملنا بهذا المنطق فلن يتقدم العرب والمسلمون أبداً لأن أصل المنافسة أن يكون لك إنتاج وأن يكون ولم توجد السوق المناسبة له ستتعطل الصناعة والتجارة يتوقف الإنتاج إن عاجلاً أو آجلاً .
ولذلك يسألني بعض الناس لماذا اشترى سلعة غالية الثمن منخفضة الجودة ، وأترك الأخرى وهي رخيصة الثمن عالية الجودة ؟! فأقول له : ألم تتعلم الجهاد في سبيل الله ؟ إنك أن تشترى سعلة أجنبية جيدة ورخيصة يكون على حساب تشريد عامل وإغلاق مصنع ، فهل يرضيك أن يشرد أخوك لأن الآخرين لم يشتروا إنتاج المصنع الذي يعمل فيه ؟ وهل ترضي أن يغلق المصنع أصلاً ؟

المقاطعة فريضة
إذن حضرتك تدعو إلى المقاطعة ؟

المقاطعة فريضة ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، إلا في الضروريات " إلا ما اضطررتم إليه " ، ولذلك فلو كانت هناك سلعة في بقالة لشارون ، ومحل آخر لمحمد ومحمد فرد مسلم عاص ، ينبغي على أن أدعم محمد مع عصيانه ، ولا أدعم شارون أبداً لأنه لا يجوز عرفاً وأخلاقاً وشرعا وديناً وأن أدعم الاقتصاد الأجنبي وأترك الاقتصاد الوطني الذي هو بحاجة إلى الرعاية ، إنني أن فعلت هذا كنت كمن ترك ابنه المريض ليرعى الآخر البعيد عنه .

في نقطة أخيرة أريد أن أركز مع فضيلتك على قضية ربط الدول الإسلامية اقتصادياتها بالعملة الأمريكية الدولار ومكامن الخطورة في هذا الربط وأثره البين حتى للعوام الذين يرقبون الآن حركة الدولار فحدث ولا حرج كما نرى يراد لبعض الدول أن تركع بضربها اقتصاديا أو بضرب عملتها ، نريد أن نلقي مزيد من الضوء على هذه القضية ؟
هذا نظام عالمي فاسد تقوده أمريكا من خلال المؤسسات الدولية العالمية ، وللأسف الشديد وقعت البلاد العربية في هذه المصيدة بربط معاملاتها كلها بالدولار حتى أصبح الدولار هو السيد ، أما لو أن الدول العربية والإسلامية تعاملت مع بعضها البعض بعملاتها بعيداً عن الدولار فلاشك أن الطلب سوف يكون على عملاتها ولن يكون للدولار شأن في معاملاتها ، وخذ مثالا بسيطا مثلا الناس في مصر يطلبون الدولار حتى يستوردوا سلعا أجنبية ، ماذا لو لم يستوردوا السلع الأجنبية واكتفوا بالسلع الوطنية ؟
في هذه الحالة لن يحتاجوا إلى الدولار ، ولذلك فحينما يسألني بعض الناس عن مدخراتهم بالدولار هل فيها شيء ؟ أقول فوراً كونك اخترت الدولار فأنت تدعم اقتصاد دولة أجنبية ولكن اختر عملتك الوطنية أو عمله إسلامية تدعمها الريال السعودي مثلا أو القطري .
ـــــــ
أجري الحوار في 1

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق