الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مخاطر موجة الهرولة الجديدة نحو تل أبيب

994 0 321

بدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون لزيارة العاصمة التونسية يكون النظام العربي قد تجاوز بالكثير من القسوة زمن انتفاضة الأقصى، في حين كانت عودة السفيرين المصري والأردني إلى تل أبيب هي الإعلان الأولي الذي ما كان للدعوة المشار إليها أن توجه من دونها.

في قراءة حكاية التطبيع بين الدول العربية والدولة العبرية يمكن القول إنها مرت بثلاث مراحل، أولاها تلك الممتدة ما بين احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في يونيو من عام 1967، وصولاً إلى مؤتمر مدريد، وثانيها تلك الممتدة من المؤتمر المذكور، واتفاق أوسلو بشكل أكثر تحديداً وبين انتفاضة الأقصى التي اندلعت نهاية أيلول من عام 2000، فيما ستكون المرحلة الثالثة هي التي تلت قمة شرم الشيخ التي عقدت في شباط الماضي، والتي تقررت على إثرها عودة السفيرين المصري والأردني.

 في المرحلة الأولى جاءت موجة التطبيع إثر اعتراف مصر بالقرار الدولي رقم 242 ومن ثم قناعة الدول العربية بأن إزالة الدولة العبرية لم تعد ممكنة، وأن جل ما يمكن الحديث عنه هو تطبيق قرارات الشرعية الدولية باستعادة الأراضي المحتلة عام 67 وعودة اللاجئين.

 على إيقاع هذا الاعتراف كان ثمة اتصالات سرية وأحياناً غير سرية، هدفها الأساس هو إبقاء الصراع ضمن دائرة معينة، فيما كان بعضها ذا أهداف تتعلق بالحصول على التأييد الأمريكي، ومعه تأييد اليهود في العالم. وقد ازدادت وتيرة هذه اللعبة بعد اعتراف منظمة التحرير بالقرار الدولي إياه، والذي تزامن مع اعتراف مؤتمر القمة العربي في الرباط بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ومن ثم انطلاق لعبة الاتصالات الفلسطينية مع قوى اليسار الإسرائيلي.

 جاءت الموجة الثانية من التطبيع بعد مدريد وازدادت وضوحاً بعد أوسلو، وهي المرحلة التي شهدت هرولة عربية ودولية غير مسبوقة نحو الدولة العبرية، حيث تمكنت الدبلوماسية الإسرائيلية من فتح سفارات ومكاتب ارتباط مع عشرات الدول العربية والإسلامية والإفريقية ممن قاطعتها بعد الاحتلال الثاني عام 67. بعد وقت قليل على انطلاق موجة الهرولة المشار إليها أدركت الدول العربية الكبيرة، وعلى رأسها مصر المهددة بسرقة دورها العربي والإقليمي أن مشروع بيريس لاختراق المنطقة سياسياً واقتصادياً وصولاً إلى الهيمنة عليها في سبيله إلى النجاح. من هنا عقدت قمة الإسكندرية عام 1995 بين رؤساء مصر وسوريا وولي العهد السعودي مدشنة مرحلة سعي لكبح جماح التطبيع، مع شكل من أشكال التحالف من أجل الحيلولة دون نجاح المشروع الإسرائيلي، وكان الشعار الضمني الذي رفع في ذلك الوقت هو ربط التقدم في عمليات التطبيع بالتقدم في المفاوضات على المسار السياسي فلسطينياً وسورياً. واللافت أن المفاوضات كانت تتقدم ببطء شديد وبتعنت إسرائيلي واضح، وهو ما افتضح تالياً في قمة كامب ديفيد عام 2000، ولا شك أن الموقف الشعبي كان له دوره في كبح جماح اللعبة، لاسيما أن معركة الجنوب اللبناني كانت ماضية وصولاً إلى تحقيق الانتصار في إبريل من عام 2000. كل ذلك لم يحل في واقع الحال دون مرحلة تطبيع متقدمة بين تل أبيب وعدد من الدول العربية كان أن توقفت إلى حد ما على إثر انتفاضة الأقصى التي أدت إلى سحب السفيرين المصري والأردني من تل أبيب، ولم يبق غير السفير الموريتاني وبعض الاتصالات المصرية والأردنية، وربما المغربية مع الدولة العبرية.

 بعودة السفيرين المصري والأردني بدأت المرحلة الثالثة التي تقول مؤشرات كثيرة إنها ستكون أكثر سخونة من سابقتها بعد أوسلو، وهو ما أكدته دعوة شارون إلى تونس ووعود سلفان شالوم وزير الخارجية الإسرائيلي بإقامة علاقات دبلوماسية مع عشر دول عربية في القريب العاجل. نتذكر هنا أن المرحلة الثانية من خريطة الطريق التي وافقت عليها الدول العربية والسلطة الفلسطينية تنص على أن "تستعيد الدول العربية مع "إسرائيل" ما كان لها من روابط قبل الانتفاضة (المكاتب التجارية ..الخ)"، وهو ما يعني في واقع الحال أن مطلب التطبيع قد حظي بقوة دفع دولية، لاسيما وأن الخريطة المذكورة ستراقب من خلال ما يعرف بالرباعية الدولية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، إضافة إلى الولايات المتحدة.

 ولا يخفى أن النص على هذا الجانب في الخريطة إنما يؤكد إدراك الطرف الإسرائيلي لخطورة تكرار الطرح الذي تبنته الدول العربية في المرحلة الماضية بربطها التطبيع بتقدم المفاوضات، وبخاصة في ظل نواياه التي أكدها مدير ديوان شارون، فضلاً عن شارون نفسه ودعمها بوش شخصياً، والتي تتمثل في التركيز على الدولة المؤقتة، وهي ذاتها المرحلة الثانية من خريطة الطريق، وإن وضعت تحت مسمى آخر هو "دولة فلسطينية ذات حدود مؤقتة"، والنتيجة هي الإبقاء عليها كوضع دائم، أي دولة لها نزاعها الحدودي مع جارتها، تماماً كما يحصل مع عشرات الدول الأخرى في العالم.

 لكن ذلك لا يحول في حال توافرت النوايا والعزيمة لدى القادة العرب دون استعادة تلك النظرية من جديد في سياق مقاومة الضغوط الرامية إلى فتح الأفاق أمام عملية تطبيع مجانية كتلك التي تابعناها إبان الموجة الثانية بعد مدريد وأوسلو.

 بل إن الوضع سيغدو أكثر سهولة إذا تذكرنا أن ما بين ما نحن فيه اليوم وما بين ظهور الدولة المؤقتة فترة طويلة قد تمتد لسنوات من دون أن يتم التوصل إلى لغة مشتركة مع الطرف الإسرائيلي، مع أن الأصل هو الحديث عما هو أكثر من ذلك ممثلاً في دعم رؤية الرئيس الفلسطيني القائمة على القفز مباشرة نحو مفاوضات الوضع النهائي.

كيف يمكن للدول العربية أن تقبل بعملية تطبيع مع شارون فيما هو يرفض مجاملة الدولة الأكثر تطبيعاً على الصعيد الرسمي (الأردن) بالإفراج عن عدد محدود من أسراها بحجة الدم على أيديهم، وكيف يمكن أن يحدث ذلك بوجود آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، فضلاً عن استمرار عمليات الاستيطان وبناء الجدار حول الضفة مع بناء آخر حول قطاع غزة؟! المصيبة أن مسيرة التسوية الجديدة لا تختلف في جوهر أهدافها عن المسيرة السابقة، بل هي محاولة لاستعادة نجاح مسروق، وإن تم تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد الذي يتجاوز بمخاطره شرق أوسط شيمون بيريس.

 ما دفعنا إلى هذه القراءة هو ما جرى من جدل بشأن التطبيع في قمة الجزائر، وإذا كان التوجه قد بقي معقولاً، فإن ذلك لا ينفي الحاجة إلى لقاء عربي يناقش هذه المسألة قبل أن تبدأ لعبة التسابق على الحضن الإسرائيلي ويغدو من الصعوبة بمكان لجمها، لاسيما في ظل اعتقاد (بعض)الأنظمة العربية بإمكانية تجاوز الضغوط الأمريكية للإصلاح الداخلي من خلال التطبيع مع الدولة العبرية.

الشرق القطرية 28/3

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري