الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اللغة العربية.. والمهاجرون العرب

اللغة العربية.. والمهاجرون العرب
  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:30/05/2005
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
1208 0 296

يعتمد ثبات الموقف الثقافي لأي أمة على قوة ثبات لغتها، إذ اللغة هي الرافد الثقافي الأول، والرابط الاجتماعي الأقوى بين مستعمليها والمتحدثين بها، وتبدأ الثقافة في الضعف والاضمحلال ببداية ضعف اللغة وهزالها وتفريط أصحابها فيها، ومع استبدال هذه اللغة بغيرها تحدث حالة من التنافر أو ما يمكن تسميته بالشرخ الثقافي بين الثقافة الأصلية صاحبة اللغة الأم، وبين الثقافة الوافدة صاحبة اللغة الجديدة. ولا شك أن اتساع هذا الشرخ يمثل في النهاية تراجعًا وانحطاطًا للثقافة الأولى ويهدد الهوية الثقافية (الفكرية والأدبية والعقدية) لتلك الأمة المهزومة لغويًا.

والمستقرئ لتاريخ الأمم لا يكاد يرى دولة تغلبت على دولة أخرى إلا وكان أول قرار أو مرسوم هو إلغاء استعمال لغة المهزوم واستبدالها بلغة الغالب المحتل كبداية لتحطيم الثوابت وتحويل المواقف والذوبان في ثقافة المستعمر.

وقد يحدث هذا الاستبدال نتيجة لظروف حياتية وأمور معيشية، ومنها الهجرة إلى بلاد تختلف لغتها عن لغة المنشأ.. ورغم أن هذا الاستبدال لم يكن بسبب استعماري وإنما غالبًا بمحض الاختيار الاضطراري لإمكانية المعيشة، إلا أن النتيجة في الحالتين متقاربة، بل تكاد تكون متطابقة. فبعد جيل واحد أو جيلين يكاد يكون المهاجرون العرب قد انفصلوا تمامًا عن لغتهم، وأيضًا ثقافتهم، ولا يكاد يسمع في حديثهم كلمة واحدة من العربية لغة المنشأ.

وعندما تعلم "كريم" العربية أثناء حياته ونشأته في الغرب ـ بسبب اهتمام والدته وإصرارها على ذلك – كانت إجادته للعربية محط إعجاب ودهشة من العرب المقيمين في هذا البلد. بل وما كان يتعجب هو منه، اندهاش العرب أنفسهم في بلاده من إتقانه للعربية وذلك عندما كان يذهب في عطلته الدراسية. بينما كان يندهش هو من إقحامهم لكلمات الإنجليزية كلما تمكنوا من ذلك خلال حديثهم بعضهم مع بعض، حتى وإن كانوا لا يتقنونها، حتى وإن كان لمجرد المباهاة بمعرفة بعض كلمات الإنجليزية.

فعرب الداخل تغيرت نظرتهم للغتهم الأم نتيجة للهزيمة الداخلية الناجمة عن تفوق الآخر المستلزم لتفوق لغته – كما كان حال اللغة العربية زمان تفوق المسلمين – فأصبح البعض بل الكثرة يخجلون من اللغة العربية ويفتخرون بجهلهم بها ومعرفتهم بغيرها، ثم يسعون للزج بالأولاد في مدارس أجنبية لمجاراة العصر ومواكبة الواقع. كما قالت إحداهن: "اللغة العربية لا تمثل حاجة ضرورية لمستقبل أولادي، لكنهم إن تعلموا لغة أجنبية يستطيعوا أن يتأقلموا وأن يعملوا إينما كانوا".
والنتيجة الطبيعية لهذا الفكر هو أن يخرج إلينا في النهاية جيل ذو ثقافة أجنبية كاملة وعقل غربي، ولسان أعجمي، في بدن وجسد عربي.

المحافظة على اللغة
من خلال نظرة للمجتمعات المهاجرة أو المغتربة يكاد المرء يلحظ اهتمام كثير من الجاليات بلغاتها الأصلية. فالفرنسيون ـ على سبيل المثال ـ يصرون على تعليم الفرنسية لأطفالهم مهما كانت الظروف، فقضية اللغة مصيرية بالنسبة لهم، وهم لا يفكرون بالتحدث بغير لغتهم الأم داخل الأسرة. إضافة أنهم لا يتوانون عن السعي لإنشاء مدارس خاصة بهم عند عدم توافرها في بلد الإقامة.. حتى هؤلاء الموجودون في بلاد اللغة الإنجليزية كالولايات المتحدة وإنجلترا لا يكتفون بالحديث بالفرنسية مع أبنائهم في البيوت، بل يعلمونهم إياها أكاديميًا.

وليس هذا حكرًا على الدول المتقدمة ذات اللغات المنتشرة والقوية، بل هناك من يحافظ على لغته حتى لا تضيع هويته وثقافته، وإن كانت لغة مجهولة عالميًا، ففي أمريكا أستاذ نيجيري يعمل في جامعة أمريكية كأستاذ للاتصالات، ومع أن لغة بلاده الغالبة هي الإنجليزية إلا إنه وجميع أطفاله يتحدثون لغة القبيلة الخاصة التي لا يتحدث بها في نيجيريا غيرهم. وكذلك الحال بالنسبة لنيجيريين آخرين..

وفي بلادنا نحن نجد أكثر الجاليات تصر على إقامة مدارس خاصة بأبنائها.. فلماذا لا يتخذ العرب ذات الموقف عند اغترابهم حماية لثقافتهم وصيانة لهويتهم؟!.. لماذا يبقى النفور من التكلم بلغتنا الجميلة.. ومعاملتها على أنها أقل قيمة من الإنجليزية أو الفرنسية مع أنها لغة قومنا وقبل ذلك لغة ديننا وقرآننا؟!
موقف غريب يملا بالحسرة قلب كل محبي العربية، ويحتاج إلى إعادة نظر لأمة تريد أن تنبعث من جديد.

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.