الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الشيخ عبد الله بن جبرين في حوار خاص بالشبكة

3672 0 713


اغتنمت فرصة وجودي في المملكة العربية السعودية - الرياض - وأجريت مجموعة من الحوارات مع علماء ومفكرين وباحثين ، كان من بين هؤلاء الشيخ الدكتور عبد الله بن جبرين حفظه الله تعالى ، وكان أن أرسل إلينا بهذه الإجابات عن الأسئلة التي طرحتها عليه وهذا نص إجابته حفظه الله :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وبعد نشكركم على اهتمامكم بأمر الأمة الإسلامية ، وشفقتكم عليها وحرصكم على سلوك الوسائل التي تنجي من سار عليها وتنقذه من الأخطار والمصائب التي تنوعت وظهر أثرها جليـًا في الإدبار والإنحراف عن الذين أكبوا عليها وانشغلوا بها .ولا شك أن شبكة الإنترنت أو الشبكة العنكبوتية من الأمور المتجددة وأنها تصلح وسيلة لبث الخير والشر فنقول :
إن استعمالها في الخير لازم حيث أنها دخلت المنازل والمجتمعات والمقاهي والمطاعم والفنادق والدوائر ، وحيث استعملها النصارى واليهود والمشركون والفرق الضالة لنشر عقائدهم وبث شبهاتهم وعمت نشراتهم أرجاء المعمورة ، وانخدع بتلك الدعايات والشبهات خلق كثير فكان القول بتحريمها فيه تمكين لبث السموم وتمكين الفساد ، فعلى هذا نرى وجوب استعمالها في الخير ونشر التعاليم الإسلامية والرد على المفسدين وتفنيد شبهاتهم وإبطال دعايتهم ضد الإسلام والسنّة ، فلو تركه المسلمون لفسح المجال لأعداء الإسلام وأعداء أهل السنّة وقوى الشر وأهله ، ثم إننا ننصح من استعمله أن يكون على حذر من تلقي الشر والانخداع بتلك النشرات والإعلانات فعليه التحفظ فلا يستعمله إلا في الخير وفي استقبال ما فيه منفعة ومصلحة ظاهرة ، ونقول كذلك في جميع وسائل النشر الجديدة كالإذاعة المرئية والمسموعة والصحف والرسائل ونحو ذلك .وأما ما بعثتموه من أسئلة فإليكم إجاباتها :

س : نعيش في عصر متغير بشكل دائم ومتسارع في ظل العولمة ووسائل التقنية والاتصالات ، ومنها الإنترنت حتى أضحى كأنه قرية صغيرة حقـًا وثمة تغيرات سياسية وثقافية تفرض نفسها الآن ، ومن ثم نلحظ أن نفوذ وسلطة هذه الوسائل الحديثة وما خلّفته أشد من سلطة المفتي وفتواه . كيف ترون ذلك؟
الجواب : هذا التغير المحسوس في العالم قد عم الجميع إلا من شاء الله ، ودخل في ذلك جميع أهل الأديان من اليهود والنصارى والوثنيين وكذا فرق المسلمين كالقبوريين ، وغيرهم بحيث إنهم شكوا في عقائدهم ، وأصبحوا أبعد شيء عن الدين الصحيح ، وعن المعتقد السليم ، ولا شك أن أكبر الأسباب لهذا التغير هو ما يسمعونه أو يرونه أو يقرؤونه من الشبهات والدعايات ، والخرافات التي دخلت المنازل ، وتمكنت من القلوب وأضلت الخلق الكثير ، واستوى فيها من كان سليم العقيدة ، ومن كان على بدعة وضلالة تلقاها عن الآباء والأجداد . فنقول في علاج ذلك : إن الواجب على أهل الإسلام مكافحة تلك الدعايات والشبهات التي غزت القلوب والفطر وغيرّت مسار المسلمين ، وتكون المكافحة :
(أولاً) بنشر تعاليم الإسلام والعقيدة الصحيحة وترسيخها في القلوب حتى لا تتأثر بما تسمع أو تقرأ من شبهات أو شكوك ؛ فإن القلب الممتلىء يحرق كل شبهة أو خرافة ويبقى سليمـًا سواء سمع أو لم يسمع ما يثار حول الإسلام من التشكيك في الرسالة أو القرآن أو البعث إلخ .
(ثانيـًا) على أهل العقيدة السليمة أن يحاربوا دعاة الضلال وأن يحذّروا الجماهير من الإصغاء إلى دعايتهم ومن الانشغال بشبهاتهم وأن يحقرّوا شأنهم ويقللوا من قدرهم وأن يبينوا للأمة ما تكنه قلوب الأعداء من الحقد والبغضاء والضغائن والحسد للمسلمين ليحذروا من كيدهم ويتحصنوا بدينهم من ضرر أعدائهم ، فإن ضررهم على الأديان أعظم من ضرر السموم على الأبدان .
(وثالثـًا) علينا جميعـًا أن نزاحمهم ونسابقهم بما نقدر عليه من استعمال الوسائل الحديثة في نشر تعاليم الإسلام إذا عرفنا أن تلك الوسائل أصبحت في متناول الأيدي وفي استطاعة كل الأفراد والجماعات وأنها إن لم تشغل بالخير شغلت بالشر وأثرت على المسلمين ؛ فلذلك نرى إدخال العلوم الدينية في منازل المسلمين بواسطة الإذاعة المسموعة والمرئية وبواسطة الصحف والنشرات وبواسطة الإنترنت ونحو ذلك حتى لا تكون آلة شر وفساد صرف ، مع استعمال بعض الوسائل التي تكون سببـًا للإقبال عليها وجلب القلوب إلى تلقيها .
(رابعـًا) الحرص على تحقير أمر الكفار والمبتدعة والتقليل من شرهم وتضعيف شأنهم حيث أن الجماهير لما سمعوا ورأوا ما وصلوا إليه وما ابتكروه من الحيل والأجهزة والوسائل والأفكار رفعوا شأنهم وعظم أمرهم في نفوس الجهلة ، وذلك مما يحتاج إلى علاج قوي يكون ببيان أن هذه الأفكار والأعمال لا ترفع من شأنهم ولا تدل على صوابهم ، وأن المسلمين أقوى منهم عقولاً وتفكيراً وأكثر علمـًا وعملاً حيث شغلوا أوقاتهم بالأمور الدينية والدنيوية والأخروية ، وذلك مما تعالج به تلك الأفكار وما يرد به كيد الأعداء ويصلح ما أفسدته تلك النشرات وما حصل من التغيرات .
س: هل يتحـمل المفتي جزءاً من المسؤولية عن خفة الالتزام بأحكام الشرع ؟ ولمَ ؟
على المفتي أن يجهر بالحق الذي يعرفه ويلتزم القول بالصواب ولا يحيد عنه محاباة أو تساهلاً أو مراعاة لبعض الأشخاص ؛ وذلك لأنه يخبر عن الحكم الشرعي فعليه أن يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم ، وقد جاء في الحديث عن أبي ذر رضي الله عنه قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع … وفيه : [أمرني أن أقول الحق وإن كان مُرّاً وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم…] الحديث رواه أحمد برقم 21415 وغيره بإسناد صحيح ، وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [من أُفتي بفتيا غير ثبت ، فإنما إثمه على من أفتاه] ، وقد توعد الله تعالى الذين يكتمون العلم الذين يعلمونه بغيره بقوله : (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) ثم استثنى الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ، فمتى سُئل العالم عن حكم شرعي يعلمه فأفتى بخلاف الحق وعدل عن الصواب وتأول الأدلة وتشبث بالشبهات والتعليلات الوهمية فقد دخل في الوعيد لمن كتم العلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم : [من سُئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار] ، رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه .

س: هل يشترط في الفتوى أن تراعي "فقه الواقع" ، وهل يمكن أن تشرحوا لنا " التكييف الفقهي" في المواءمة بين النص والواقع ؟
متى كان هناك نص صريح ودليل صحيح واضح الدلالة فإن المفتي يلتزم به إذا سلم من المعارض ، ولا يجوز للعالم أن يحيد عن الدليل ويعدل عن الحق الذي يعلمه مراعاة لشخص أو حال من الأحوال ، ولا شك أن حال الناس وتغير سيرهم لا يكون مبرراً للعدول عن الدليل وسلوك التأويل والتعليل فمن أفتى النساء بإباحة إبداء الوجه وشيء من الزينة أو الخلوة بالأجانب أو السفر بدون محرم نظراً إلى واقع الناس وتغير الأحوال وحدوث التجدد والتقدم والضرورة إلى الإختلاط ونحو ذلك فقد أخطأ وعدل عن الصواب ، فالأدلة لا يجوز تأويلها لصراحتها ، والحق يجب العمل به ، وإن عدل عنه أكثر الناس ولا عبرة بمن تساهل وخالف الأدلة نظراً لواقع الناس .وهكذا من أباح حلق اللحى وترك الشوارب وإطالة الثياب للرجال وتقصيرها للنساء أو رخص في مجالسة أهل المعاصي والكفرة والفسقة وفي خدمتهم واحترامهم ، معللاً بأن هذا هو واقع الناس الذي يصعب على الأفراد مخالفته فالتمس لهم الأعذار وحمل النصوص ما لا تحتمله وتكلف في صرف دلالتها حتى توافق ما يميل إليه لإرضاء الجماهير من الشعوب وليكون موقراً محترمـًا مقبول القول عند الأمة بصفته يسهل على الناس ويقرهم على المخالفات التي يهوونها ويقلدّون فيها من يعظمونه ، رغم أن تلك الأعمال لا مصلحة فيها بل هي مفسدة ومضرة صريحة ، وإنما سوّغ العمل بها تقليد الأعداء والتشبه بهم ، ومن تشبّه بقوم فهو منهم.

س: تضاربت الفتاوى في هذا العصر بين العلماء مما قد يثير في نفوس بعض الناس الشكوك حول الحكم الفقهي ، وبعضهم يرجىء هذا التعارض إلى "فقه الواقع" أو إلى "التيسير" في الفتوى ونحو ذلك ، وآخرون يرجئون ذلك إلى الالتزام بالنص . كيف يمكن لنا أن نفهم ونميز اختلاف التنوع من اختلاف التضاد ومخالفة النص ، مع أن كثيراً من النصوص محتملة للاختلاف في الفهم ؟
الاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة [رحمهم الله تعالى] سببه الاجتهاد في الوقائع والحوادث فيفتي العالم بما ظهر له ويغيب عنه الدليل في تلك الحال ، أو لا يكون في المسألة نص ، أو يوجد في الباب أحاديث بينها شبه تخالف . فقد ذهب مالك إلى أن المصلي لا يقرأ البسملة سراً ولا جهراً ، وقال الإمام أحمد يقرؤها سراً ، وعند الشافعي الجهر بها ، ولكل منهم أدلته واجتهاده ، وقد ثبت عن كل واحد منهم الرجوع إلى الحق بقوله : إذا صح الحديث فهو مذهبي ، ونهوا عن تقليدهم إذا اتضح أن الدليل مخالفـًا لأقوالهم ، وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة بعنوان (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) ، بيّن فيها عذرهم واعتذر عن بعضهم في مخالفته لشيء من الأدلة ، ولكن أتباعهم من المتأخرين تعصبوا في التزام المذهب والتمسك بما نص عليه متبوعهم ، مع وضوح الأدلة المخالفة لهم ، وتكلفوا بتأويل النصوص ورد دلالتها فهم غير معذورين ، وكان الواجب عليهم قبول الحق والعمل به والاعتذار عن إمامهم الذي لم يبلغه الدليل فاجتهد برأيه وله أجر الاجتهاد وخطؤه مغفور ، ولا يسوغ أتباعه في الخطأ ، فإن كان الاختلاف في هذا الزمان في المسائل الاجتهادية ، فكل منهم له اجتهاده كما في زكاة الحلي وربا الفضل وخيار المجلس والولاية في النكاح وحكم طلاق البدعة وما أشبه ذلك ، وإن كان الخلاف في المسائل المستجدة ، فنرى عدم التساهل فيها ، كالتقريب بين الأديان المبتدعة والتشبه بالكفار في الأقوال والأعمال وإباحة الاختلاط والحكم بالقوانين الوضعية والتساهل في إقامة الحدود ، فلا يجوز العمل بفتوى من أباح شيئـًا من ذلك بعذر فقه الواقع ، أي مجاراة الناس ومسايرة رغباتهم والترخيص لهم فيما يهوونه مما هم عليه ، ولو خالف النصوص .وهكذا يتعلل الذين يتساهلون في إباحة الكثير من المحرّمات والتهاون بها معتذرين بأن في المنع منها تشديداً وتنفيراً عن قبول تعاليم الإسلام ؛ لأنه يمنع من التوسع في ما تجدد في هذا الزمان ، كالأغاني ومشاهدة الصور عبر الشاشات واستقبال ما تبثه القنوات الفضائية وتصفح المجلات المليئة بالصور الخليعة والمقالات المضلة ؛ لاعتبار أن ذلك ونحوه من الترفيه عن النفوس والتسلية وشغل الوقت الطويل بمشاهدة المباريات واللاعبين ولو كانوا شبه عراة ، ولا شك أن هذه الأفعال محرّمة ؛ لأنها وسيلة إلى فعل المحرمات وتعاطي الدخان والمسكرات والاحتيال في فعل الجرائم وارتكاب الحيل في الاختلاس والسرقة والزنا والفواحش ، وقد نص الفقهاء على أن الوسائل لها أحكام المقاصد ، فلا يجوز الإفتاء بإباحتها بعذر التسهيل على الناس ؛ فإن نصوص الشرع صالحة لكل زمان ومكان فلا يجوز إبطالها لهذه المبررات الوهمية .س: قد يكون من أسباب اختلاف الفتوى : الخلط بين الدين (الأحكام) والعادات والعرف الاجتماعي .
كيف يمكن لنا أن نضبط الفارق بين العرف والدين في إطار "السنة" عند المحدثين بأنها أقواله وأفعاله وصفاته صلى الله عليه وسلم" ؟
قد عرف أن الشرع الشريف أقر كثيراً من العادات والأعراف كما هي ، وتدخل في بعضها لتحسين وإزالة الضرر ، كتحريم الربا والغرر مع التمثل له بصور كثيرة ، والمنع من الغش والخداع ولو مع التراضي ، وبيع الثمار قبل الصلاح ، ووضع الجوائح إلخ ، وقد أقر الناس على معاملاتهم في البيع والرهن والصلح والإجارة والوكالة والشركة والسلم ، وأدخل على بعضها شيئـًا من التعديل ، فلهذا ذكروا قاعدة عند الفقهاء ، وهي أن الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما دل عليه دليل ، وإن الأصل في العبادات المنع إلا ما دل عليه دليل ، أو ما دخل تحت قاعدة أصولية ، فمتى كان العرف والاصطلاح في الأمور المباحة فلا يقال بتحريمه كالأطعمة والأشربة والأكسية والمساكن والمراكب ونحوها ، لكن إذا كانت من شعارات الكفار والمبتدعة منع منها للنهي عن التشبه بالكفار ، وإذا كان العرف يخالف نصـًا شرعيـًا أو سنة صحيحة حرّم الرجوع إليه كتحاكم القبائل إلى عاداتهم بما فيه ضرر وزيادة على ما فرضه الشرع في الديات والعقوبات والمخالفات ، ولا شك أن السنة النبوية التي هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته كافية في التحاكم إليها .

س: ألا ترون أن سرعة إطلاق الأحكام أدت إلى نفور الناس من الفتوى وتفلتهم من الانصياع لها بالإضافة إلى الاختلافات بين فتاوى العلماء؟
لا شك أن التسرع في الفتوى سبب لوقوع الأخطاء والقول على الله بلا علم ، وقد نقل البغوي في شرح السنة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما منهم محدث إلا ودّ أن أخاه كفاه… الحديث . ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا ، وقال أبو الحصين : إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر . وقال ابن مسعود : والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون . وقال مالك : العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق .ثم نقول إن الإفتاء منصب كبير يجب ألا يتولاه إلا أهل التمكن في العلم والمعرفة والقدرة على الاستنباط واستحضار النصوص ومعرفة أصول الفقه وقواعده ، ولا بد أن يكون المفتي من أهل الورع والتمسك بالدين الحنيف فعلى هذا نعرف أن الذين يتسرعون في الفتوى من أهل الجهل بالله وبحدوده يخاف عليهم القول على الله بلا علم ، وأن يعمهم قول الله تعالى : (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) ، وننصح المستفتي أن يختار أهل الورع والخوف والتثبت وأهل العلم بالأدلة بحيث يحملهم علمهم على العمل بالنصوص والاتباع للأدلة ودون تتبع الرخص ودون مخالفة جماهير العلماء والأئمة الأربعة وأتباعهم ؛ فإن الخلاف شر ويد الله مع الجماعة .
س: كيف نحل إشكالية أن الدين يسر وبين نزوع الفقهاء المعاصرين إلى تضييق دائرة المباحات وتوسيع دائرة المحرمات؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم : [إن هذا الدين يُسر ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه] رواه البخاري . فالمراد باليسر ما فيه من الرخصة عند المشقة فإن الله لما أباح الفطر والمرض قال بعد ذلك : (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) لأن السفر قطعة من العذاب فرخص فيه الفطر وقصر الصلاة والتيمم لمشقة حمل الماء ولذلك قال بعد ذكر التيمم (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم حبلاً مشدوداً بين الساريتين فقيل هذا حبل لزينب تصلي فإذا فترت تعلقت به فقال : [حلوه ليصل أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليقعد] رواه البخاري ، وذكرت عائشة أنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال : [من هذه] ؟ فقالت : فلانة تذكر من صلاتها فقال : [عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا] رواه البخاري .ومن يسر الإسلام رخص السفر والمرض وإباحة الميتة للمضطر ونحو ذلك ، ولا يتخذ لفظ اليسر وسيلة إلى إباحة المحرّمات شرعـًا كالأغاني والتصوير والاختلاط والسفور وسفر المرأة بلا محرم والمعاملات الربوية في البنوك والحكم بغير ما أنزل الله وموالاة المشركين والدعوة إلى التقارب بين الأديان وتقريب المبتدعة وما أشبه ذلك ، فالفقهاء المتقدمون حرصوا على الاحتياط للعبادات وإن كان فيه نوع تشدد كنواقض الوضوء وتقسيم المياه وأمور المستحاضة وحكم ترك الصلاة وإقامة الحدود ، والتزموا العمل بالنصوص كما في شروط القطع في السرقة وثبوت حد الزنا وشروط القصاص ، وفي ذلك حماية للأموال والأبدان .

س: هل تعتبرون أسئلة من نمط : "هل الإنترنت حلال أم حرام" ونحو ذلك أسئلة سوية ؟ ولمَ ؟
يكثر السؤال عن هذه الأجهزة المتجددة ويظن العامة تحريمها حيث لم تدرك عقولهم حقيقتها ، ولقد اشتهر عن الإخوان المتدينين قبل سبعين عامـًا استنكارهم للبرق عندما وُجد واعتقدوه سحراً ووحي شيطان وحرّموا استعماله وتصديقه والعمل بخيره جهلاً بحقيقته ، ومن جهل شيئـًا عاداه ، وهكذا لما حدثت الإذاعات واستعمل جهاز الراديو حرّمه كثير من العامة والخاصة حتى من أكابر العلماء وأصاغرهم وهجروا كل من اقتناه واستمع إليه وشنعوا على أهله ومحبيه ، وصنف بعضهم في مفاسده وآفاته ، واعتذر بعضهم بأن جل ما يُذاع فيه غناء ولهو وباطل ، فبعد اشتهاره ودخول البرامج الإسلامية في بعض الإذاعات وتصورهم مصدره والقائمين عليه سهل أمره وأصبح عاديـًا لا يذكر فيه إلا الغناء وما لا فائدة فيه ، ولما اخترع مكبّر الصوت وركب في المنابر واستعمله الخطباء والمؤذنون أنكره كثير من الخواص ومنعوا استعماله في مساجدهم واجتنبوا المساجد التي بها هذا المكبّر ، فبعد مدة اقتنعوا بفائدته ومنفعته ، ويقال هكذا في أشرطة الكاسيت وأشرطة الفيديو والإذاعة المرئية والشبكة العنكبوتية ونحوها ، فإن هناك بعض الجهال وكبار الأسنان لا يزالون ينفرون من أجهزة الهاتف السلكي واللاسلكي ويشكون في حقيقته ؛ فنقول إن هذا النمط من الأسئلة عن حل هذه المستجدات وحرمتها لا يهتم بها بل الأصل الإباحة ، فهي مما أطلع الله عليه البشر ويسّر لهم أسبابه وحصل بواسطة هذه المستجدات منافع دينية ودنيوية ، ولا ينكر ما يحصل عنها من المنكرات وإظهار الفواحش والدعايات إلى المحرّمات وبث الشبهات ، حيث استغلها الكفار في نشر أديانهم الباطلة والمبتدعة في إظهار شبهاتهم ومعتقداتهم ، فكان لزامـًا على المسلمين الرد عليهم في تلك الوسائل المستجدة وإظهار الحق وإزهاق الباطل ؛ حتى لا يترك المجال لأهل الشر يبثون سمومهم وشرورهم ويسممون أفكار العامة الذين لا يعرفون سوى ما يسمعون عبر تلك الوسائل .

س: في ظل الصراع مع الغرب وتضارب الفتاوى ثمة موقفان "التشبه المنهي عنه" و"الحكمة ضالة المؤمن" هل يوجد ضابط للتفريق بين المصطلحين ؟
لا شك أن الغرب في هذه الأزمنة قد ظهروا بعادات ودعايات وأزياء جديدة انتشرت في أكثر دول العالم ، وبالأخص الدول التي تدعي الحضارة وتهدف لما تسميه تقدمـًا ورقيـًا وثقافة وتفوقـًا ، وقد انخدع بهم الكثير من المتحضرين ورأوا تقليدهم في تلك الأعمال التي ظنوها نافعة مفيدة ، فالرجال تعلموا نغمات الغرب واصطلاحاتهم واهتموا بلغاتهم وفضلوها على اللغة العربية وقلدوهم في المشية واللباس وحلق اللحى وإطالة الشوارب والإسبال والأكل بالشمال ووضع الأيدي على الأدبار وترك العمائم وارتداء البنطال الضيق وسماع الأغاني ، وتمادى بهم الأمر إلى التقليد فيما لا أهمية له كتعاطي الدخان والمخدرات وشرب الخمور والاعتراض على الشرع في تحريم المسكرات وتسميتها بالأشربة الروحية وما إلى ذلك .وقد تمادى هذا التشبه إلى النساء حيث افتتنت نساء المسلمين بما عليه الغرب وتأثرن به ، إذا بدت المرأة الغربية مسلمة أو كافرة ، حيث تبرز محاسنها وتتبرج بزينتها وتظهر مفاتنها ، فانخدع الكثير من نساء المسلمين ، وسرن على تلك الأخلاق الدنيئة ، وفعلن ما ورد الشرع بتحريمه أو منعه ، كإبداء الوجه والصدر والرأس والعنق والساعد والساق أمام الأجانب وكقص شعر الرأس أو تقصير مقدمه أو بعض جوانبه وجمعه في القفا وربطه بعد رد بضعه على بعض كأسنمة البخت ، وكذا اللباس الضيق الذي يبين حجم الصدر والأكتاف والثديين والبطن والألية ونحو ذلك ، وكذا عمل ما يسمى بالمكياج وتحمير الشفاه وتشقير الحواجب وتخفيفها ولباس النقاب واسع الفتحات والذي يلفت الأنظار مع الاكتحال وإبداء الأنف والحاجب والوجنة وما إلى ذلك من العادات السيئة والتي يظن المقلدون إنها سبب تقدم الغرب وتفوقهم في الصناعات والاختراع وهي في الحقيقة سبب التأخر والجمود ومما غزا بها الأعداء الإسلام وأهله لنكون عالة عليهم وننشغل بتلك العادات السيئة عن تعلم ما ينفعنا في الدين والدنيا ، وقد وردت الأدلة في تحريم التشبه والتقليد لهم وأن من تشّبه بقوم فهو منهم ، وذلك لأن التشبه في الظاهر يدعو إلى التشبه بهم في الباطن واعتقاد صحة أديانهم وأعمالهم .ومع ذلك نقول الحكمة ضالة المؤمن ، فنحن لا نمنع من تعلم علومهم في الصناعات والحرف والطب والإنتاج والإبتكار ؛ فالمسلمون أولى بتلك الأعمال والاختراعات لما فيها من النصر للإسلام وتقوية أهله والتغلب على الأعداء وصد عدوانهم .س: في هذا السياق تتعالى الأصوات مطالبة بالتجديد الفقهي سواء من داخل المؤسسة الدينية أم من خارجها .
كيف تفهمون "التجديد" وما موقفكم من تلك الدعوات التجديدية ؟
لا يجوز الإصغاء إلى تلك الأصوات ولا يجوز تغيير الأحكام الفقهية ؛ فشرع الله تعالى ودينه صالح لكل زمان ومكان ، وليس هناك ما يقتضي التجديد في أصول الأدلة وقواعدها ، وما تجدد من الأمور فإنه يعطي حكمه ، ويوجد ما يدل عليه سواء كان فيه توسع أو تقليص ، فالقصر والجمع والفطر في السفر قلّت الحاجة إليه لقرب المسافات التي تقطع بسهولة فإن السفر سابقـًا قطعة من العذاب وركوب المرأة في الرحلات الجماعية قد يتسامح فيه عند الحاجة لفقد الخلوة وأمن المفسدة وعمل النساء في الطب والتعليم والتجارة والصناعة جائز للحاجة وعدم الاختلاط ومع التستر والاحتشام ، والإيداع في البنوك الربوية جائز عند الحاجة كأمانة وكذا التعامل معها في المعاملات المباحة ، وعقد الذمة مع الكفار أو معاهدتهم جائز وله أصل في أدلة الشرع ، وما أشبه ذلك من الأحكام التي يظن هؤلاء الجهلة أنها بحاجة إلى التجديد وأن قواعد الشرع لم تذكرها وأنها حادثة في هذا العصر فقط ، وهذا جهل كبير بأصول الشرع فمن تأمل نصوص العلماء وقرأ في كتبهم وجدها وافية بجميع ما يتصور وقوعه حتى حوادث السيارات والاصطدام ونحو ذلك ، فعلى المسلم ألا لا يعترض على الشرع الشريف وأن يعتقد كمال الدين كما أخبر الله أنه قد أكمله بقول الله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم) الآية . والله أعلم ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .
الأربعاء : 28 / 3 / 2001

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق