الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لدي خوف من المرتفعات ومن الوحدة والظلام..فكيف أعالج نفسي؟

السؤال

عندي خوف شديد من الظلام، والوحدة، والأماكن المرتفعة حتى إني أتخيل المصعد سقط بي وأنا فيه وأكون ممسكا بجدرانه، وتتهيأ لي أشياء كثيرة مثل أن أبي المتوفى سيدخل علي من الغرفة المجاورة، أو أنه رحمه الله لم يمت، وربما يخرج يوما ما، وأن ملك الموت سينزل لي الآن، وهذا يرعبني كثيرا.

تمر علي أيام لا أستطيع أن أنام الليل، وأكون أحيانا مستيقظا وقت صلاة الفجر، ولكن لا أذهب خوفا من أن أمشي في ممر البناية وحدي وأنزل الشارع المظلم وحدي حتى إنني أصلي بجوار ابنتي وزوجتي النائمتين، وأحاول جاهدا أن أوقظ زوجتي للصلاة بصراحة حتى تؤنس وحدتي، وهي ما شاء الله أشجع مني كثيرا حيث تقوم، وتتوضأ، وتصلي على مهلها في الغرفة المجاورة لوحدها، وأنا أتعجب منها كثيرا لكني لا أصارحها حتى لا تضيع شخصيتي مع أنها أحيانا تطلب قربي لخوفها من الوحدة، فإذا صليت بدأت أشعر براحة، وأنام بعد الصلاة وأتأخر عن عملي.

كثير الوسوسة من أقوال الناس عن أهلي، وزملائي في العمل، ودائما أشعر بالنقص، وأحمل نفسي الخطأ، وأكون مقتنعا جدا بهذا.

أخاف كثيرا عندما أتذكر بر أمي والجنة والنار، أخاف أن أذهب وحدي لزيارة أبي في المقبرة في النهار، وأرتعب أحيانا جدا.

كثير التفكير في الصغير والكبير من الأمور، ودائما أحس بالتقصير في حق أمي وزوجتي، وابنتي وإخواني، وزملائي.

حاد الطبع وأكره هذا كثيرا جدا أتعدى على الناس، ثم أندم سريعا، ولكن لا أعرف كيف أعتذر!

قليل الأصدقاء، بل معدوم لا أجد صديقا أبدا أستطيع أن أقول عنه صديقا، وكثيرا ما أستجدي صحبة أشخاص، ولكن بلا فائدة.

كثير المراوغة في حياتي حتى يبقى يكتنفها الغموض، وأحاول أن أفهم الناس أني مثلهم في حياتي ومعاشي ولكن الواقع تماما غير ذلك، لدي من الأعمال المستقبلية لتطوير حياتي الكثير والكثير، ولكن العمل والتنفيذ صفر والتسويف مائة بالمائة.

الكلام والوصف في خاطري كثير جدا، ولا أعرف متى سأنتهي من الكلام، ولكني أظنك يا شيخ فهمتني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فأؤكد لك أن الفكرة قد وصلت، وما ورد في رسالتك واضح جدًّا. أنت أعطيت مؤشرات قوية أنك تعاني من المخاوف الوسواسية.

كل المخاوف التي ذكرتها هي ذات طابع وسواسي، وأتفق معك أنها مقلقة جدًّا لصاحبها، وشخصيتك تحمل بالفعل سمات الوسوسة مثل التدقيق في الأمور، تجسيد الصغائر، الخوف حول المستقبل، التأويلات والتفسيرات الخاطئة لبعض الأمور، هذه كلها سمات من سمات الشخصية الوسواسية، وأعراضك التي ذكرتها هي بالفعل أعراض مخاوف ذات مكون وسواسي رئيسي، وبالطبع كلا المخاوف والوساوس هي في الأصل نوع من القلق النفسي، وهذا هو الذي يجعلك سريع الغضب أحيانًا، وتندم سريعًا إذا أخطأت في حق أحد من الناس.

أنت محتاج لعلاج دوائي، والعلاج الدوائي مهم جدًّا في حالتك، وهو - إن شاء الله تعالى – مفيد ومفيد جدًّا، أنت لم تذكر عمرك، ولكنك ذكرت أنك -الحمد لله تعالى- لديك زوجة وابنة، فأنا أتصور أن عمرك فوق الخمسة والعشرين عامًا، ولذا سنصف لك الأدوية التي تناسب مرحلتك العمرية هذه.

العقار الذي يعرف تجاريًا باسم (بروزاك) ويعرف علميًا باسم (فلوكستين) من الأدوية الممتازة جدًّا لعلاج الوساوس وكذلك المخاوف، كما أن عقار (زولفت) والذي يعرف علميًا باسم (سيرترالين) من الأدوية المفيدة جدًّا، فيمكن أن نختار أحد الدوائين.

إن كان لديك صعوبات في النوم فأنا أفضل الزولفت، ويمكنك أن تبدأ بتناوله بجرعة نصف حبة، تناولها ليلاً، وبعد عشرة أيام اجعلها حبة كاملة، استمر عليها لمدة شهر، بعد ذلك ارفعها إلى حبتين ليلاً، استمر عليها لمدة ستة أشهر، ثم اجعلها حبة واحدة ليلاً لمدة ستة أشهر أخرى، ثم اجعلها نصف حبة ليلاً لمدة شهر، ثم توقف عن تناول الدواء.

أما إذا كان نومك جيدًا فتناول في مثل هذه الحالة البروزاك – وليس الزولفت – والجرعة المطلوبة هي كبسولة واحدة في اليوم، وقوة الكبسولة عشرين مليجرامًا، تناولها لمدة شهر، بعد ذلك اجعلها كبسولتين في اليوم – أي أربعين مليجرامًا – استمر عليها لمدة ستة أشهر، ثم اجعلها كبسولة واحدة في اليوم لمدة خمسة أشهر، ثم اجعلها كبسولة واحدة يومًا بعد يوم لمدة شهرين، ثم توقف عن تناول الدواء.

هذه أدوية فعالة، أدوية ممتازة، مضادة للمخاوف والقلق والوساوس، ليس لها آثار جانبية حقيقية، فقط الزولفت ربما يؤدي إلى زيادة بسيطة في الوزن، وكلا الدواءين ربما يؤخر القذف المنوي لديك قليلاً، لكن بالطبع هذه الأدوية لا تسبب عقما أو أي اضطرابات في هرمونات الذكورة أو الأنوثة، وهي بالطبع سليمة وغير إدمانية.

إذن العلاج الدوائي مهم، ومهم جدًّا، والتزامك بالجرعة وتناولها في وقتها وللمدة المطلوبة سوف يساعدك كثيرًا.

التحسن غالبًا يبدأ بعد شهر من بداية العلاج، وهنا يجب أن تستغل التحسن لتطبيق بعض التطبيقات السلوكية، منها أن تمارس الرياضة يوميًا، أن تفكر إيجابيًا، أن تحقر فكرة الخوف هذه، وأن تعرض نفسك لمصادر الخوف والوسواس، وأن تغلق على الوسواس، وأن تستبدل الفكرة المتشائمة بفكرة إيجابية مخالفة لها.

أنصحك أيضًا بتطبيق تمارين الاسترخاء، ونحيلك إلى استشارة سابقة بها كيفية تطبيق هذه التمارين وهي برقم (2136015).

في النطاق الاجتماعي: لابد أن توسع من صلاتك الاجتماعية، كن حريصًا على صلاة الجماعة في المسجد، شارك الناس في مناسباتهم، كن دائمًا مبادرًا بمبادرات إيجابية، ويجب أن تستشعر الأشياء الجميلة في حياتك، وهي كثيرة: لديك الزوجة، لديك الطفلة، وأشياء كثيرة أخرى طيبة في حياتك.

إذن العلاج يتمثل في علاج دوائي، وإرشادات سلوكية حسب الذي ذكرناه لك، وقد أوضحنا لك تشخيص الحالة، وهي - إن شاء الله تعالى – بسيطة، وسوف تتحسن أحوالك تمامًا.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونسأل الله لك الشفاء والعافية والتوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً