الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أستطيع معرفة حقيقة الخاطب بعيدًا عن الحكم على تصرفاته؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أريد منكم مساعدتي في الحكم على شخص يودّ التقدّم لخطبتي، وأنا أرفضه بسبب صفاتٍ معيّنة، فهل أنا محقّة في ذلك؟

الخاطب أستاذ جامعي (دكتور)، وهذه هي المواقف التي بنيتُ عليها رأيي:

الموقف الأول: في المشاريع التي شارك بها في الجامعة، كان يملك خيار اختيار الفريق المعاون له، فكان ينتقي الإناث دائماً، رغم أنني لم ألمس فيهنّ تميزاً أكاديمياً يبرر ذلك؛ مما جعلني أشعر بأن الهدف هو الفتاة ذاتها وليس المادة العلمية، فضلاً عن وجود ميلٍ لديهنّ تجاهه، وشعوري بأنه لا يضع حدوداً في التعامل معهنّ.

الموقف الثاني: سمعتُ من أكثر من شخص أنه حين ترتاد الفتيات مكتبه، لا يتصرفن بانضباط؛ فهو كشخص لا يضع حدوداً تجعل الفتاة تخشى أن تُحتقر إن هي تصرّفت بطريقة غير لبقة، ولذلك تتجاوز الفتيات حدودّهن معه.

الموقف الثالث: مواد التخصص متفرعة، وليس من المعتاد لدينا أن يحفظ الأساتذة أسماءنا لكثرة الأقسام التي نرتادها، لكنه يتعمّد أن يُظهر للفتيات أنه حفظ أسماءهنّ، ويرى أنهنّ يُفتنّ بذلك ويتفاعلن عاطفياً معه، فيستمر في تعمّد إظهار معرفته بهنّ وحفظه لأسمائهنّ.

الموقف الرابع: أشعر بأنه مدمن على نظرات الإعجاب واللمعة التي في عيون من حوله؛ وحتى لو كانت هذه حاجة فطرية، إلا أن السعي خلفها بهذا المستوى يدل على عدم نضج، والوضع الطبيعي لا يقتضي أن يُشبع هذه الحاجة من الفتيات.

الموقف الخامس: أظهر أمام جميع الطلبة أنه معجب بي ويحبني، حتى شاع بين الطلاب أننا نعيش قصة حب، وأنا بريئة من هذا تماماً، وعندما أبديتُ رفضي غضب لفترة، ثم تعمّد إظهار إعجابه بصديقتي أمامي ليثير غيرتي.

الموقف السادس: يرى أن راتبه ومكانته وإنجازاته تفرض عليّ حبه تلقائياً، وأنه يستحق الحب لأجل هذه المظاهر؛ بل إنه يريدني أن أظهر تعلقي به سريعاً، ولا يملك الصبر لكي أتدرج في الارتياح له أو تنمو محبتي تجاهه بالتدريج، هو يعيش في بيئة تُعظّم المكانة العلمية فوق الحد، وأنا غير معتادة على تضخيم هذه المسميات؛ نعم، له تقديره، ولكن ليس بالقدر المبالغ فيه لديهم، وهو ينتظر مني هذا التعظيم، وأنا لن ألبي له هذه الحاجة إن صار زوجاً لي.

وأخيراً:
إنه يحاول أن يمكّن لنفسه في قلبي (أو في قلب من يُعجب بهنّ) قبل أن يطرق باب البيوت! والمنطق يقتضي أن تكون هناك نقاط اتفاق أولاً مع الفتاة ثم يقرر بعدها، فِلمَ يعلق الفتاة به قبل الاتفاق؟ كما أن أفكاره تجاه الأنوثة والرجولة والعمل والكثير من المواضيع تشوبها اختلالات واضحة.

وإنصافاً له كرجل:
هو شخص مسؤول ومجتهد، يعرف كيف يكسب من حوله، ويحترم الكبير والصغير، ولا يرفض النصح، وأنا متأكدة أنني لو نبهته على أي تصرف لتراجع عنه، كما أنه يبدو رحيماً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.

بداية: لقد أحسنتِ حين بادرتِ إلى محاولة فهم طريقة تفكير هذا الخاطب، وسلوكه في مرحلة مبكرة؛ فالتروي قبل الدخول في مشروع الزواج أمر بالغ الأهمية؛ لأن الزواج شراكة عمر تقوم على المودة والرحمة والتوافق الفكري والنفسي والأخلاقي.

ومن المهم عند تقييم أي خاطب أن تفرقي بين الوقائع الثابتة التي رأيتها بنفسك أو ثبتت لديك، وبين الاستنتاجات التي بنيتها عليها؛ فالقرارات المصيرية لا ينبغي أن تُبنى على الانطباعات أو الظنون، وإنما على ما ثبت وتأكد قدر الإمكان.

أختي الفاضلة: إن التقييم الموضوعي للخاطب يحتاج إلى وعي وبصيرة؛ فأنتِ أمام شريك قد يرافقك بقية حياتك، ولذلك من المهم أن يكون لديكِ منهج واضح في التقييم، قائم على الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تعالى.

ومن أهم المعايير التي ينبغي النظر إليها:
أولًا: الدين والاستقامة: فالدين هو الأساس الذي تُبنى عليه بقية الصفات، والمقصود به صدق الصلة بالله تعالى، والمحافظة على الفرائض، وتعظيم أوامر الله ونواهيه، فالرجل الصالح يخاف الله في زوجته ويحسن عشرتها ويتقرب إلى الله بالإحسان إليها، قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.

ثانيًا: الأخلاق وحسن المعاشرة: لا بد أن يقترن الدين بحسن الخُلق؛ فبعض الناس قد يكون صالحًا في نفسه، لكنه صعب العشرة، أو سيئ المعاملة.

وللتعرف على أخلاق الرجل يُنصح بالسؤال عنه عند أهله وأقاربه ومن يعرفونه جيدًا، وخاصة في أحوال الغضب والرضا، وكذلك ممن سافروا معه أو تعاملوا معه في المواقف الصعبة، ومعرفة سلوكه وقت الأزمات، والاطلاع على كتاباته ومشاركاته إن وجدت، والنظر في صلته بأرحامه وعلاقاته الاجتماعية وأعماله الخيرية ومبادراته، وهذه كافية لتعطيك تصوراً جيداً عن أخلاقه وتعامله.

ثالثًا: تحمُّل المسؤولية: المسؤولية من أعظم أسس الزواج الناجح، ولا تقتصر على القدرة المالية، بل تشمل القيام بالواجبات، وتحمل الأعباء، والحرص على إعطاء الآخرين حقوقهم، والشعور تجاه الأسرة بالرعاية والاحتواء.

رابعًا: القدرة على الحوار والتفاهم: من أهم صفات الزوج الناجح أن يكون قادرًا على الحوار الهادئ، والتفاهم الحكيم، وأن يحسن إدارة الخلافات بعيدًا عن تضخيم المشكلات البسيطة، فالحياة الزوجية لا تخلو من الاختلاف في الطباع أو وجهات النظر، ولذلك لا بد أن يكون الطرف الآخر قادرًا على النقاش بعقلانية واحترام، بعيدًا عن الصراخ والانفعال وافتعال المشكلات وتحويل كل صغيرة وكبيرة إلى معركة أو خصومة.

خامسًا: الكرم والحلم: من الصفات التي تجعل الحياة الزوجية أكثر استقرارًا وطمأنينة أن يكون الرجل كريمًا حليمًا، والكرم لا يقتصر على المال فقط، بل يشمل كرم النفس، وكرم المشاعر، وطيب الكلمة، وحسن المعاملة، والقدرة على العطاء المعنوي قبل المادي.

أما الحلم فهو القدرة على ضبط النفس، والعفو عند الزلل، والتغاضي عن الهفوات، وعدم التدقيق في كل صغيرة وكبيرة، وعدم محاسبة الزوجة على كل خطأ أو تقصير، مع حفظ الإحسان وعدم نسيانه بسبب موقف عابر أو زلة مؤقتة.

أختي الفاضلة: بعد تحقق هذه الأصول، يمكن النظر إلى أمور أخرى مكملة، مثل الهيئة الحسنة، والنظافة، وحسن المظهر، والطموح، والاستقرار المهني، وحسن إدارة الوقت.

أما فيما يتعلق بالنقاط التي ذكرتِها عن هذا الخاطب، فإن بعضها – إذا ثبتت صحته – قد يدل على خلل في جانب من جوانب الدين أو الأخلاق أو النضج الشخصي، وبعضها قد يكون راجعًا إلى أسلوب اجتماعي أو سوء فهم لبعض التصرفات.

ولذلك فإن المعيار الأهم ليس مجرد وقوع التصرف، بل مدى تكراره واستمراره، وهل هو سلوك متعمد ومتكرر، أم موقف عارض؟ فالسلوك المتكرر الذي لا يشعر صاحبه تجاهه بحرج أو رغبة في التغيير يكون أقرب إلى كونه جزءًا من شخصيته، فإن كانت هذه التصرفات صحيحة ومقصودة، فقد تدل على حاجة إلى مزيد من النضج والانضباط في التعامل مع الجنس الآخر؛ مما يستدعي مزيدًا من البحث والتثبت وعدم الاستعجال في الحكم.

كما يمكن بعد الخطبة الشرعية وقبل عقد النكاح فتح باب الحوار معه حول القضايا الفكرية والسلوكية المهمة؛ حتى تتضح لكِ رؤيته للحياة والزواج، وحدود التعامل مع النساء.

واجعلي الدين والأخلاق فوق كل معيار آخر، فإن تبين بعد السؤال والبحث أن هذه التصرفات مجرد أخطاء عارضة، وكان الرجل صاحب دين وخلق، ومسؤولية، واستعداد للمراجعة والتغيير، فلا مانع من إعطائه فرصة للتعرف المشروع في إطار الضوابط الشرعية.

أما إذا ظهر لكِ بعد التحقق أن هذه السلوكيات جزء أصيل من شخصيته، وأنها تتعارض مع قناعاتك الأساسية، أو تؤثر في شعورك بالأمان والثقة، فلكِ الحق في التريث، أو الاعتذار عن إتمام الأمر؛ فالزواج الناجح لا يقوم على المجاملات، أو وجود الصفات الحسنة فقط، بل على غياب الصفات التي تهدد الاستقرار النفسي والثقة المتبادلة.

أختي الفاضلة، أكثري من الاستخارة والدعاء، واسألي الله تعالى أن يريكِ الحق حقًا ويرزقكِ اتباعه، وأن يريكِ الباطل باطلًا ويرزقكِ اجتنابه.

وأخيرًا: احذري من الدخول في علاقات عاطفية، أو مراسلات خاصة قبل عقد النكاح؛ فإن بناء الأسرة المسلمة ينبغي أن يكون على أساس التقوى والطاعة والالتزام بشرع الله تعالى، حتى يثمر خيرًا وبركة وسعادة، قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾، فاجعلي شرع الله ومرضاته نصب عينيكِ دائمًا، وأحسني التوكل عليه، فما خاب من استخاره، ولا ندم من استشاره.

نسأل الله تعالى أن ييسر أمركِ، وأن يكتب لكِ الخير حيث كان، وأن يرزقكِ الزوج الصالح الذي تقر به عينكِ في الدنيا والآخرة.

وفقكِ الله ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً